جماجم كبار المقاومين الجزائريين تحتفل بذكرى الثورة بمتاحف فرنسا.. وجدل حول مطالب استرجاعها

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

يستحضر الجزائريون يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، الذكرى الـ63 لاندلاع الثورة ضد المستعمر الفرنسي، الذي ظلَّ في الجزائر منذ سنة 1830 حتى 1962.

ولعل ما يهم الجزائريين بعد كل هذه السنوات، أن تعترف فرنسا بجرائمها في حق الآباء والأجداد، وأن تعيد أرشيفهم الذي يوثق لحقائق تاريخية مهمة، مع استرداد جماجم شهداء مقاومين لإعادة دفنها بطريقة كريمة بمقام الإنسانية قبل الحديث عن الأبعاد الشرعية والدينية.

هذه النقطة الأخيرة أي ملف الجماجم، أسال الكثير من الحِبر والجدل، ولم تتحرك فرنسا لفتحه، وإعادة الجماجم إلى ذويهم ووطنهم، رغم حديث الرئيس الفرنسي في حملته الانتخابية بإعادة النظر في تاريخ فرنسا القديم مع المستعمرات.


18 ألف جمجمة


تبحث الجزائر عن استرجاع ما يفوق 18 ألف جمجمة لمواطنين جزائريين قتلوا خلال الفترة الاستعمارية على يد الجنود الفرنسيين، أو بالأحرى قطعت رؤوسهم لترهيب الجزائريين ومنعهم من القيام بأي ثورة ضدهم.

أستاذ التاريخ بجامعة سطيف محمد بن ساعو، أوضح لـ"هاف بوست عربي"، أن هذه الجماجم، هي لمقاومين جزائريين بعد أن قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاحتلال الفرنسي، في الفترة ما بين (1840 - 1850).

وتعد مجزرة واحة الزعاطشة- بلدة ليشانة حالياً في ولاية بسكرة، جنوب الجزائر، حسب ساعو، أبرز الجرائم التي ارتكبت إبان الاستعمار الفرنسي، وتعود وقائعها إلى 26 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1849، عندما هاجم الجنرال الفرنسي هيربيون الواحة، التي كانت معقل الشيخ بوزيان، قائد ثورة الزعاطشة، بقوات بلغ إجماليها 8 آلاف عسكري.

ويعتقد ساعو أن العدد قد يفوق ما صرحت به إدارة متحف الإنسان بباريس سابقاً، إذ قال "الملف ملغم ولا يريدون النبش كثيراً فيه، فرنسا تخشى من قول كل شيء بالتفصيل، لأنه يعكس فترة من سواد تاريخها".

رئيسة الهيئة الجزائرية لمناهضة الفكر الاستعماري، المحامية فاطمة الزهراء بن براهم هي الأخرى تشكك في تلك الأرقام، لكنها في الوقت الراهن تطالب التحرك الفعلي لاسترجاع ما تم اكتشافه بمتحف باريس.

وتقول بن براهم لـ"هاف بوست عربي"، إنهم نادوا منذ سنوات بضرورة تحرك السلطات من أعلى مستوى، "شكَّلنا لجاناً مشتركة بين فاعلين جزائريين وفرنسيين، من أجل الضغط لاسترجاع جماجم وعظام ما يفوق 18000 جزائري بمتاحف باريس".


37 من رموز المقاومة


من بين ما يزيد عن 18 ألف جمجمة مخبأة بمتحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، توصلت الأبحاث إلى اكتشاف هوية 500 جمجمة، منها 37 لرموز المقاومة الجزائرية في تلك الفترة.

وتسعى الهيئة الجزائرية لمناهضة الفكر الاستعماري، على لسان رئيستها المحامية فاطمة الزهراء بن براهم، لاسترجاع جماجم رموز المقاومة، وعددها 37، قبل الحديث عن العدد المتبقي والذي يفوق الـ18 ألفاً.

وتقول بن براهم في هذه النقطة: "سعينا المتواصل تكلَّل بعشرات المراسلات، والدعوات القضائية لبعض عائلات أولئك الرموز، خاصة الشيخ أحمد بوزيان، الذي قاد معركة الزعاطشة عام 1849، وموسى الدرقاوي الذي قتل في نفس المعركة، كما تم التعرف أيضاً على جمجمة شريف بوبغلة".

وكان تقرير بُث على قناة فرانس 24، قد كشف حتى على ترقيم تلك الجماجم التي تعود لقادة ضد المستعمر حينها.

وقال التقرير إن الجمجمة التي تحمل رقم 5940 هي للشهيد الشريف بوبغلة، والجمجمة رقم 5939 هي للمقاوم فيصل حمادي، أما قائد ثورة الزعاطشة أحمد بوزيان فجمجمته تحمل رقم 5941، كما تم التعرف أيضاً على جمجمة موسى الدرقاوي التي تحمل رقم 5942، ومختار الدرقاوي تحت رقم 5944.


القضية فجَّرها الباحث فريد بلقاضي


ظلَّت جماجم المقاومين الجزائريين محفوظة منذ القرن التاسع عشر، ولم يُثر ملفها حتى عام 2011، على يد الباحث والمؤرخ الجزائري المقيم بفرنسا فريد بلقاضي، الذي أوصلته الأبحاث إلى اكتشاف جماجم الجزائريين في متحف الإنسان بباريس.

وقال هذا الباحث المختصّ في التاريخ القديم وعلم النقوش الليبية والفينيقية، الذي يهتمّ أيضاً بالفترة الاستعمارية، إن جماجم ورفات الجثث محتفظ بها في هذا المتحف الموجود بباريس منذ سنة 1880، وهو التاريخ الذي دخل فيه هذا الرفات إلى المجموعة "العرقية" للمتحف.

الرفات حسب دراسة بلقاضي أغلبه جماجم، أغلبها صلبة، لمحمد لمجد بن عبدالمالك، المعروف باسم شريف بوبغلة، والشيخ بوزيان قائد مقاومة الزعاطشة (بمنطقة بسكرة في سنة 1849)، وموسى الدرقاوي، وسي مختار بن قويدر التيطراوي.

ومن ضمن هذا الاكتشاف أيضاً هناك الرّأس المحنّط لعيسى الحمّادي، الذي كان ضابطاً لدى شريف بوبغلة، وكذا القالب الكامل لرأس محمد بن علاّل بن مبارك الضابط، والذراع اليمنى للأمير عبدالقادر.

ويرى بلقاضي أن هذا البحث يعكس "إرادته القوية في بذل كلِّ ما في وسعه من أجل إعادة رفات هذه الشخصيات التاريخية إلى أرض الوطن، ونشر هذا البحث في إطار الملتقيات المتخصّصة".


الجزائر تحرَّكت لاسترجاعها


وزير المجاهدين في الجزائر الطيب زيتوني، صرَّح في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2017، بأن الجزائر بدأت مفاوضات كبيرة مع الطرف الفرنسي، من أجل استرجاع جماجم المقاومين الجزائريين.

وقال الوزير في تصريح للإذاعة الوطنية "هناك اتصالات هامة مع الطرف الفرنسي لإعادة بعث مفاوضات اللجان المشتركة بين الجانبين عن طريق وزارة الخارجية، للتوصل إلى طريقة يتم من خلالها استرداد جماجم الشهداء".

وردَّ الوزير سبب توقف المفاوضات في الفترة الأخيرة، إلى الظروف التي عاشتها فرنسا خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مؤكداً مساعي الجزائر لإعادة كل ما يمثل الجزائر بفرنسا، بما فيه الأرشيف الجزائري هناك.


لم تتحرك


رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء لخضر بن خلاف، وفي الاتجاه المعاكس، أكد أن السلطات الجزائرية ما زالت لم تقدم طلباً رسمياً لدى نظيرتها الفرنسية لتتسلم جماجم المقاومين المتواجدة بباريس.

وفي سؤال كتابي لوزير المجاهدين الطيب زيتوني، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2017، حسب ما نقلته الشروق الإخبارية، قال بن خلاف إن المعلومات المتوفرة، تؤكد أن الطلب الرسمي الجزائري لاسترجاع الرفات لم يُوجه بعد إلى السلطات الفرنسية، التي لا يمكنها أن تتحرك وتُخطر برلمانها كي يصادق على قانون ينص على أن جماجم المقاومين الجزائريين لا تدخل ضمن المصنفات الوطنية الفرنسية.

وتساءل لخضر: "أين وصلت عملية استرجاع رفات هؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم كي تعيش الجزائر حرة مستقلة، وحتى يتمكن ذووهم من دفنهم في أرضهم التي سَقَوها بدمائهم، من خلال جنازة رسمية تليق بمقامهم، انتظرها الشعب الجزائري منذ قرنين تقريباً؟".

ويضيف: "كنّا نظن أن موافقة السلطات الجزائرية دون شرط على نقل رفات جندي فرنسي كان مدفوناً بوهران نحو فرنسا لإعادة دفنه، إشارة قوية من أجل حل مشكلة استرجاع جماجم شهدائنا، في إطار تسوية معينة، ولكن للأسف تبين أن فرنسا حقَّقت ما تريد دون اشتراط السلطات الجزائرية استرجاع رفات مقاوميها".


معقدة


السفير الفرنسي في الجزائر كزافي درينكر، تطرَّق إلى هذه النقطة في حوار مع موقع كل شيء عن الجزائر، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2017، واعتبر أن قضية استرجاع الجماجم ليست سهلة.

ويكمن تعقيدها حسب السفير إلى "كون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يستطيع البت والفصل بحرية في الأرشيف، مشيراً إلى أن هناك شروطاً قانونية يجب أن تتوفر، وهي ليست بالسهلة".

وكان مدير متحف الإنسان بباريس ميشال غيرو، قد وصف عملية استرجاع الجزائر لجماجم المقاومين بـ"المعقَّدة"، بالنظر إلى جملة القوانين والفترة التاريخية البعيدة التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر.

واعتبر حسب تقرير لقناة النهار الجزائرية، أن "عمليات مثل هذه تتطلب تدقيقاً، ومشاورات كبيرة بين ساسة البلدين، مشيراً إلى أن الجماجم محفوظة بطريقة جيدة، وموضوعة في غرفة معزولة عن المتحف، ويُمنع الاطلاع عليها من عموم الزوار".


أعيدوهم إلى أرض سَقَوها بدمائهم


عموم الجزائريين وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، يطالبون بإعادة رفات وجماجم الشهداء بشتى الطرق، واعتبروها مفخرة المقاومة ضد استعمار عشَّش في وطنهم أكثر من 130 عاماً.

فيما استغرب بعض المعلقين تأخر العملية، وتعقيدها ما دامت الجماجم جزائرية، متهمين السلطات بالتقاعس في هذه القضية.

تعليقات أخرى حرصت على استرجاع الأرشيف الورقي أيضاً من ملفات ورسائل وسجلات تؤرخ لمرحلة مهمة من التاريخ الجزائري.