جمال خاشقجي ينتقد بن سلمان: ولي العهد السعودي يغضُّ الطرف عن المتشددين ويحارب المعتدلين المعارضين

تم النشر: تم التحديث:
BIN SALMAN
FAYEZ NURELDINE via Getty Images

اعتبر الكاتب السعودي جمال خاشقجي، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رغم توعده بتدمير المتطرفين فإنه فعلياً يعاقب المعتدلين في المملكة، بينما يحمي رجال الدين المتطرفين لأسباب سياسية.

وتساءل خاشقجي في مقال نشر بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، كيف يتم إنشاء مدينة حديثة تعج بالروبوتات كـ"نيوم"، بينما هناك أشخاص اعتقلوا لمجرد إبدائهم الرأي.

وقال خاشقجي في بداية المقال: بدا ولي عهد السعودية، الأمير محمد بن سلمان، غاضباً، الأسبوع الماضي، أمام حشدٍ مُتحمِّسٍ في مؤتمرٍ استثماري، حين تعهَّدَ بـ"تحطيم المُتطرِّفين" وإعادة "الإسلام المعتدل" إلى المملكة السعودية. وألقى الأمير بوعده قائلاً: "سنُدمِّرهم، الآن وعلى الفور". وخلال نفس المؤتمر، أعلن عن مشروعٍ طموح، تبلغ قيمته 500 مليار دولار، بتحويل منطقةٍ بحجم ولاية ماساتشوستس الأميركية إلى مركزٍ تكنولوجي مستقبلي فائق.

وأشار الكاتب إلى أن ولي العهد "يعكس الغضب والإحباط اللذين يشعر بهما الكثير من السعوديين الذين يتوقون لزعزعة هذه التأثيرات المتطرفة، التي تُؤثِّر سلباً على بلادهم. ولقد كنَّا ننتظر الزعيم الذي يدرك أن التطرُّف، سواء الاقتصادي أو الاجتماعي، لهو أمرٌ سيئٌّ على البلاد. وتطرح مدنٌ مثل دبي، التي بالكاد بدأت رحلتها إلى الشهرة العالمية في العام 1980، كيف خسرت المملكة السعودية الكثير في الأربعين عاماً الماضية".


الوهابية السلفية


ويتابع خاشقجي: "إنني أعرف السبب وراء استثارة الأمير الشاب محمد بن سلمان هكذا. فالوهابية السلفية، وهي حركةُ إصلاحٍ داخل الإسلام، كانت سائدةً في البلاد، وتحوَّلَت لأن تكون مناهضةً للتحديث ومعاديةً للأجانب بعد زلزالَين سياسيَّين ضربا المملكة في العام 1979، الأول كان حين استولى السلفيون المُتطرِّفون على المسجد الحرام في مكة، وهو أحد أكثر المواقع تقديساً في الإسلام، والثاني كان حين استولى آية الله الخميني على السلطة في إيران. ويمكن ملاحظة التأثير الخبيث لهذه النزعة المُتزمِّتة، التي تعود للقرن الثامن عشر، في كل مكان. إذ تتدخَّل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي فَرَضَتها الدولة في حياة الناس الخاصة، وتُحذِّر المناهج المدرسية من الكفار والمُشرِكين، ويعارض الخطباء على شاشات التلفزيون حقوق المرأة والأقليات، وتُحظَر مُنتجاتٌ مثل ألعاب الشطرنج ودُمى باربي.


لماذا يحمي بن سلمان المتطرفين؟


يقول خاشقجي إنه من الصائب أن يُلاحِق الأمير محمد بن سلمان المُتطرِّفين، لكنه يُلاحق أناساً آخرين الآن. فقد أُلقِيَ القبضُ على العشرات من المُثقَّفين، ورجال الدين، والصحفيين، والمُؤثِّرين في الشبكات الاجتماعية من السعوديين، خلال الشهرين الماضيين، وأغلبهم في أسوأ الأحوال مُنتقدون مُعتدِلون للحكومة.

بينما تحتفظ هيئة كبار العلماء في المملكة بأفكارٍ مُتطرِّفة. فقد قال الشيخ صالح الفوزان، الذي يُكِن له الأمير محمد بن سلمان احتراماً كبيراً، على شاشة التلفزيون السعودي إن الشيعة ليسوا مسلمين. وأفتى الشيخ صالح اللحيدان، الذي يحظى هو الآخر بتقديرٍ بالغٍ لدى ولي العهد، بأن الحاكم المسلم ليس مُلزَماً باستشارة الآخرين.

وتحظى وجهات نظرهم الرجعية حول الديمقراطية، والتعدُّدية، وحتى حول قيادة النساء السيارات، بحمايةِ مرسومٍ ملكي من أي نقدٍ أو مجادلاتٍ قد تُطلَق ضدها.

يتساءل الكاتب السعودي الذي غادر البلاد بسبب آرائه: كيف إذاً نُصبِح أكثر اعتدالاً بينما تُقبَل مثل هذه الرؤى المُتطرِّفة؟ كيف نتقدَّم كأمةٍ في حين تُحظَر ردود الفعل البناءة والمعارضة (التي غالباً ما تُضفَى عليها روح الدعابة)؟


اعتقال المعتدلين


ويشير خاشقجي إلى أنه يوجد على موقع تويتر حسابٌ شهير (يحمل اسم m3takl_en)، يفضح الاعتقالات ويُقدِّم معلوماتٍ حول الأفراد الذين تعرَّضوا للاعتقال في المملكة، والكثير منهم يُعتَقَل لأسابيع عدة دون توجيه اتهامات لهم.

وهناك على هذا الحساب، يمكنكم الاطلاع على الرؤى الخاصة بهؤلاء المُعتَقَلين، من موقع يوتيوب أو من مواقع أخرى. وتصدر الكثير من هذه المواقع باللغة العربية، ويمكنني الجزم بأن أغلب هؤلاء المُعتَقَلين يقفون في صالح التعدُّدية والتنوُّع داخل الإسلام، وهو الأمر الذي تُعارِضه الوهابية التقليدية تماماً. ويدعو هؤلاء إلى الانفتاح الفكري، والسماح بوسائل الترفيه، والسماح أيضاً للنساء بقيادة السيارات، والتصديق على حقوقِ الأقليات، ولقد ذَهَبَ آخرون إلى حدِّ أن دعوا إلى تأييد إنهاء وصاية الرجال على النساء، وهو الأمر الذي لا يزال موضوعاً شائكاً إلى حدٍّ كبير. باختصار، يحمل أغلب هؤلاء الذين تعرَّضوا للاعتقال رؤىً تجعلهم شركاءً مثاليين للأجندة الطموحة للأمير محمد بن سلمان.

و يتساءل خاشقجي: لماذا أُلقِيَ القبضُ عليهم؟

ويجيب التفسير الوحيد الممكن لذلك هو أنهم دعوا باعتدالٍ أيضاً لمنحِ الحقوق السياسية.

واستدرك قائلاً: من الصحيح أن بعضهم مسلمون وهابيون تقليديون يحملون أفكار هيئة كبار العلماء التي تحظى بحماية الدولة، لكنَّهم، على عكس أقرانهم في الهيئة، يُردِّدون اعتراضاتهم على إصلاحات الأمير ولي العهد. وحتى مع أنني لا أتفق معهم، لكن لهم الحق في التعبير عن آرائهم، طالما أنهم لا يدعون إلى العنف.

ويتساءل هل يمكننا حقاً تقديم صورةٍ مُقنَّعةٍ لمجتمعٍ حديثٍ يعج بالروبوتات والأجانب والسيَّاح، بينما يجري تكميم أفواه السعوديين على بُعدِ أميالٍ عديدة من "نيوم"؟

ويختتم مقاله بالقول: إنه وبينما كان ولي العهد السعودي يُدشِّن رؤيته لـ"نيوم" في مستقبل المملكة السعودية، قال: "أنا واحدٌ من 20 مليون شخص. أنا لست شيئاً دونهم". ولعل المُثقَّفين الـ72 الذين زُجَّ بهم في السجون دون تهم، وغيرهم الكثيرون مِمَّن حُظِروا من السفر، من المُرجَّح أنهم يتساءلون الآن، هم وآخرون مثلهم، عمَّا إذا كانت بلادهم تنبذهم.