الابتزاز الإسرائيلي وجهل ترامب يهددان الأردن بالعطش.. هكذا تسبب نتنياهو في منع وصول المياه إلى عمّان

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

بينما يشكك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطر الاحتباس الحراري، فإن القرويين البسطاء في أحد أقرب البلاد الحليفة له يعانون بالفعل من آثاره المدمرة.

من أعلى جانب التل شمالي الأردن، لا يكاد نهر اليرموك يظهر بشكل واضح وسط الوادي المنحدر أسفله، حيث تحول النهر من مصدر هام للمياه إلى مجرى راكد تكسوه الأعشاب.
فقد أصبحت خزانات المياه بالأردن تمتلئ بخمس حجم المياه التي كانت تملؤها سابقاً، وهو رقم قياسي لم يسبقه مثيل من قبل، بينما أصبحت أمطار الشتاء أكثر ندرة، حسب تقرير لوكالة أسوشيتدبرس الأميركية.


لا يحتاجون لعلماء


لا يحتاج الأردنيون إلى علماء كي يدركوا أنهم يعيشون في واحد من أكثر بلدان العالم جفافاً وسط أكثر أقاليم الأرض افتقاراً للمياه.

ومع ذلك، تشير الدراسات الأخيرة إلى أن المملكة، حليفة الغرب وموطن استضافة أعداد متزايدة من اللاجئين، تتعرض حالياً لتأثيرات تغير المناخ، حيث ارتفعت درجات الحرارة وتزايد الجفاف عما كان متوقعاً.

وتشير التوقعات إلى انخفاض معدلات الأمطار بالمملكة بنسبة 30% بحلول عام 2100.

وقال علي صباح، أحد كبار مسؤولي وزارة المياه: "إننا سوف نعاني الكثير بالفعل إذا لم نتخذ الإجراءات في الوقت المناسب".

وبالرغم من ذلك، تتطلب معالجة تلك المشكلة التعاون بين البلدان المتجاورة، وهو أمر نادر الحدوث قدر ندرة مياه حوض نهر الأردن التي يتقاسمها الأردن وإسرائيل والفلسطينيون وسوريا ولبنان.


عقبة إسرائيلية


واجه المشروع الرئيسي لتحلية مياه البحر الأحمر بالأردن، والذي يتضمن مبادلة المياه مع إسرائيل، عقبات متعددة في الآونة الأخيرة جراء الأزمة الدبلوماسية التي أدت إلى الحد من العلاقات والاتصالات بين البلدان المتجاورة منذ هذا الصيف.

تعتمد الخطة الرئيسية لمنظمة EcoPeace الإقليمية، التي تسعى إلى تحويل وادي نهر الأردن إلى واحة خضراء نابضة بالحياة بحلول عام 2050، تعتمد من ناحية على إقامة دولة فلسطين على الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

ويظل استقلال فلسطين أمراً بعيد المنال؛ وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن ترحل عن وادي نهر الأردن بالضفة الغربية المحتلة.

وتكثر إشارات التحذير حول تبعات الإخفاق في اتخاذ التدابير اللازمة.


المسيحية


عانى البحر الميت ونهر الأردن، وهما كنزان عالميان لهما أهمية دينية باعتبارهما مهد الديانة المسيحية، من الركود جراء انخفاض مستوى المياه بهما نتيجة تحول المياه إلى المناطق الحضرية على مدار عقود من الزمن.

ويشير بعض الخبراء إلى أن نشوب الحرب الأهلية في سوريا المجاورة، والتي أدت إلى تدفق اللاجئين بأعداد كبيرة نحو الأردن والبلدان الأخرى المجاورة، يد يكون نتيجة غير مباشرة لسوء إدارة الجفاف.

وذكر منقذ مهيار، رئيس منظمة EcoPeace، أن تفاقم مشكلة ندرة المياه تتطلب التعاون السريع والملح.

وقال في محمية المنظمة القاحلة التي تبلغ مساحتها 270 هكتار بوادي الأردن إن "الناس يحتاجون إلى التعرف على وضع المياه بالبلاد وأن يحاولوا التسوية بين واقع المياه لديهم وبين عالم السياسة المحيط بهم".


ارتفاع هائل في الحرارة


ويذكر باحثو جامعة ستانفورد الأميركية أنه في ظل غياب تدابير دولية بشأن المناخ، سوف تخسر المملكة 30% من مياه الأمطار بحلول عام 2100 وسترتفع درجات الحرارة بمعدل 4.5 درجة مئوية ويتضاعف عدد مرات حدوث الجفاف ومدة حدوثه مقارنة بالفترة من 1981 إلى 2010.

وتظل المياه التي تتدفق إلى الأردن من خلال نهر اليرموك القادم من سوريا في انخفاض مطرد وتراجع مستمر جراء الجفاف وتحول مسارها، بغض النظر عن انتهاء الحرب الأهلية في سوريا.

وتشير النتائج، التي تم نشرها بصحيفة Science Advances استناداً إلى أدوات متطورة لتحليل البيانات، إلى أنه من الأرجح أن يكون تأثير تغير المناخ أشد حدة من المتوقع، بحسب ما أورده ستيفن جورليك، رئيس مشروع مياه نهر الأردن الذي تدعمه الجامعة على المستوى العالمي.

ووجدت دراسة أخرى أن تغير المناخ يعد المحرك الرئيسي وراء حدوث الجفاف الشديد بالمنطقة منذ أوائل عام 2014، بحسب ما ذكرته الباحثة راتشيل ماكدونيل من المركز الدولي للزراعة الملحية في دبي. وقالت إن "النتائج أشد حدة من المتوقع وقريبة الحدوث".

وأشار البنك الدولي إلى أن الأردن والعراق ولبنان والمغرب وسوريا هي أكثر بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعرضاً لمشكلة ندرة المياه المتفاقمة جراء تغير المناخ.
ووصف تقرير البنك الصادر في أغسطس/آب 2017 الإقليم باعتباره "نقطة ساخنة عالمية للاستغلال غير المستدام للمياه".


كيف حلت إسرائيل المشكلة؟


وذكر ياكوف تسور، أستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة القدس العبرية أن إسرائيل توشك على حل مشكلة ندرة المياه لديها، حيث تنتج ما يقرب من 75% من المياه اللازمة للاستخدامات المنزلية في معامل التحلية وتتولى تدوير أكثر من نصف مياه الصرف لاستخدامها في الزراعة.

وقال إن إسرائيل تمتلك وسائل التكنولوجيا المتقدمة وإمكانية الوصول بسهولة إلى المياه، علاوة على اقتصادها القوي الذي يمكنها من إقامة المشروعات الكبرى.

ويرى الأردن، الذي يحصل من المياه الجوفية على 160% مما توفره الطبيعة له، أن تحلية مياه البحر هو السبيل الوحيد لحل تلك المشكلة.

ويصبح ذلك الخيار مكلفاً للغاية إذا ما سلكه الأردن وحده. ويتركز السكان بصفة رئيسية في الأردن على مسافة نحو 300 كيلومتر من الخط الساحلي الوحيد بالبلاد، ما يجعل توصيل مياه البحر الأحمر إلى العاصمة عمان بعد التحلية أمراً باهظ التكلفة.


صفقة تبادل


ونظراً لبعد العاصمة عمان عن الساحل، تم وضع خطة للتجارة في المياه خلال السنوات الأخيرة لمواجهة ارتفاع تكاليف نقلها.

وتتناول الخطة قيام الأردن بتحلية مياه البحر الأحمر وبيع بعضها إلى جنوب إسرائيل وضخ مياه البحر في البحر الميت لزيادة مستويات المياه به. وفي غضون ذلك، يتم بيع المياه من شمال إسرائيل إلى شمال الأردن المجاور وإلى المجتمعات الفلسطينية.

وتهتم إسرائيل من الناحية الاستراتيجية باستقرار حليفها الأمني الأردن، باعتباره منطقة واقية لها من الفوضى والاضطرابات التي تعم بقية أنحاء الإقليم.


التملص الإسرائيلي


ومع ذلك، فقد واجه مشروع البحر الأحمر والبحر الميت الكثير من العقبات، وأهمها عقبة التمويل؛ ولم يلجأ الأردن حتى وقتنا هذا إلى المؤسسات الخمس المختارة لتقديم عطاءاتها من أجل تنفيذ هذا المشروع.

وساهمت الأزمة الدبلوماسية الحالية، التي أثارها مصرع أردنيين اثنين على يد حارس السفارة الإسرائيلية في عمان في يوليو/تموز 2017، في تعطيل تنفيذ المشروع جراء تراجع الاتصالات بين الطرفين، بحسب ما ذكره صباح، أحد مسؤولي وزارة المياه.

وذكر صباح أن الأردن لا يزال يلتزم بتنفيذ المشروع الإقليمي، ولكنه سوف يدرس أيضاً خيار التراجع عن تنفيذه.

وقال "الحل الأردني للمياه في المستقبل يتمثل في تحلية مياه البحر. وسواء كان إقليمياً أو قمنا بتنفيذه بمفردنا، سوف نسلك هذا الاتجاه".

ويذكر البعض أن تركيز الحكومة على تحلية مياه البحر يرتبط بصفة جزئية بعدم الرغبة في تطبيق تدابير محافظة مؤلمة من الناحية السياسية.

وعلى سبيل المثال، يتم استخدام 50% من مياه الأردن في الزراعة التي تنتج حصة ضئيلة فقط من إمدادات الغذاء المحلية.

وتظل مياه الري تحظى بدعم كبير، ما يشجع على زراعة المحاصيل كثيفة المياه مثل الموز والطماطم.

ويتم فقدان نحو نصف إمدادات المياه داخل الشبكة، سواء نتيجة سوء الاستغلال أو السرقة.

ونظمت الحكومة حملات ضد الاستخدام غير القانوني للمياه وأعلنت عن ارتفاع ضئيل في أسعار المياه وخطط لزيادة معدلات معالجة مياه الصرف لاستخدامها في أغراض الزراعة حسبما تسمح موازنة الدولة.

ومع ذلك، فهناك مخاوف من إمكانية أن تؤدي الإصلاحات القاسية إلى زعزعة الاستقرار، بحسب ما أورده حسام حسين، خبير المياه بالجامعة الأميركية في بيروت.

وقال "لن يكون ذلك مقبولاً من جموع الشعب. ولهذا فمن الأسهل من المنظور السياسي أن تقوم الحكومة بزيادة الإمدادات والحفاظ على الوضع الراهن".

ويحاول النشطاء الأردنيون والإسرائيليون والفلسطينيون بمنظمة EcoPeace ألا يفقدوا الأمل رغم ما اعتبره المدير الإسرائيلي المشارك جيدون برومبيرج بمثابة عقبات سياسية ضخمة.

وتدعو المنظمة لفكرة مقايضة جديدة، إلى جانب مشروع البحر الميت، يبيع بموجبه الأردن الطاقة الشمسية إلى إسرائيل مقابل الحصول على المياه.

وتتضمن الخطة الرئيسية للمنظمة 127 مشروعاً باستثمارات تبلغ قيمتها 4.6 مليار دولار للمساعدة في إحياء نهر الأردن والبحر الميت ومضاعفة اقتصاديات وادي الأردن إلى 20 ضعفاً بحلول عام 2050. وذكرت المنظمة مؤخراً أن هناك 13 مشروعاً قابلاً للتنفيذ على الفور.

وقد أدت الأزمة الدبلوماسية إلى تعطيل تنظيم مؤتمر حول فكرة مقايضة الطاقة بالمياه واجتماع ثلاثي حول كيفية المضي قدماً في تنفيذ المشروعات الثلاثة عشر.

ويظل برومبيرج متفائلاً.

فقد قال إن التقدم سيتحقق بمجرد أن تدرك الأطراف المعنية أن الإخفاق في مجابهة أزمات المياه والأزمات البيئية يشكل خطراً على أمنهم القومي.