ما بعد الإنسانويّة.. كيف لم يعد الإنسان مركز العالم؟

تم النشر: تم التحديث:
HUMAN
Tom Merton via Getty Images

لِنشرحَ ما هي "ما بعد الإنسانوية"، لا بد من توضيح مفهوم الإنسانويّة بدايةً، التي هي من اسمها تشير إلى جعل الإنسان مركزَ الكون، وقد ظهر هذا المفهوم مع بداية عصر التنوير وتراجُع السلطة الدينيّة، حيث أصبح الإنسان هو أساس هذا العالم.

إلى جانب تحول هذا الجسد إلى هدف للسياسة والاقتصاد للتحكم به والحفاظ على شكل "طبيعيّ" له، واستغلال البعض له في سبيل خلق إنسان خارق، وهذا ما حدث في مجال العلوم الطبيّة والتجارب الوحشية التي كانت تطبَّق على الجسد البشريّ في الأربعينات في ألمانيا النازية.

إلا أن التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهدته نهايات القرن العشرين، جعل مركزية الإنسان هذه تتداعى وتنهار، فالجسد الإنساني الوظيفي والطبيعي لم يعد هو ما نعرفه، بل أصبح هناك حضور آخر للإنسان مختلف عن الصورة التقليدية، ضمن أنظمة لم يعد جسد الإنسان "الطبيعي" مركزها، وهذا ما يمكن تسميته بما بعد الإنسانويّة، وهي التقنيات التي بسببها تزعزعت مركزية الإنسان، وتم التشكيك بقدسيته المطلقة شكلاً ومضموناً.

وهنا نقدم لكم بعض الخصائص التي أسهمت في دخولنا في عصر ما بعد الإنسان:


1. الذكاء الاصطناعيّ






شكَّل الذكاء الاصطناعي صدمةً في عوالم الفلسفة وعلم النفس، وخصوصاً أن هناك نزعات دائمة لتطويره حتى يماثل البشري، بل حتى استبداله والهيمنة على الإنسان كما في أفلام الخيال العلميّ.

وأشهر الأمثلة على هذه المعضلة هي مباراة الشطرنج بين الكمبيوتر وبطل الشطرنج العالمي كاسباروف، وإثر انتصار الآلة بعد عدة انتصارت للبشريّ، أشار العلماء أن السبب في انتصار الذكاء الاصطناعي هو إضافة خصائص بشرية له، كالمخاطرة، وعدم التمسك بالاحتمالات المنطقية، وهذا ما دفع المفكرين لطرح التساؤلات حول الذكاء البشريّ والعيوب التي يحويها، وهل يمكن للذكاء الاصطناعيّ لدى الآلات أن يستبدل البشر وتنفيذ المهمات المعقدة التي يعتقد البشر أنهم الوحيدون القادرون على القيام بها.


2. الاستنساخ


يشكِّل الاستنساخ تحدياً للعلماء، وكان النجاح باستنساخ النعجة دولي إنجازاً عالمياً للبشريّة بأكملها، وبالرغم من أن العلم حتى الآن لم يتوصل لطريقة لاستنساخ إنسان بأكمله، فإن أجزاء من أعضاء البشر أصبح يمكن استنساخها.

وهنا يُطرح سؤالان مرتبطان بالوجود البشري، الأول هو إمكانية تجديد الأعضاء، بالتالي تغيير الكثير من الإجراءات المرتبطة بحق الحياة وحق الموت، والآخر يهدد نمط حياة البشر نفسه، والمرتبط بالتكاثر الجنسي، فالاستنساخ قد يعني وكما في أفلام الخيال العلمي، أن الجنس لم يعد الوسيلة الوحيدة للتكاثر، ما يعني أن جوهر البشر ومفاهيم "من التراب إلى التراب" الدينيّة لم تعد مجديّة، إلى جانب انهيار تفسيرات علم النفس المرتبطة بالأب والأم.


3. الأعضاء الاصطناعيّة - السايبورغ






كما الاستنساخ، واستبدال الأعضاء لا يقوم فقط على استبدال لحم بشري بآخر بشريّ، بل أيضاً استخدام الأعضاء الاصطناعية والآلية، التي تتصل مع الجسد وضمن جهازه العصبي، ليصبح لدينا ما يشبه السايبورغ، وهو كائن نصفه بشر ونصفه آلة.

والتساؤلات التي يطرحها حضور السايبورغ مرتبطة بالدور الاجتماعي وعلاقات القوة، وخصوصاً أنه بإمكانه أن يتجاوز قدرات الإنسان "الطبيعي"، بالتالي علاقات الهيمنة الجسدية لم تعد كما في السابق، بالرغم من أن الأمر يشبه أفلام الخيال العلمي فإنه ممكن التحقيق قريباً جداً.


4. ما بين الموت والحياة


ركَّزت الإنسانويّة على الحياة والموت، بوصفهما حالتين لا ثالثة بينهما، فالفرد إما حيّ أو ميت، إلا أن مفاهيم ما بين الحياة والموت شكّلت عقبة قانونية وثقافيّة أمام التقاليد الإنسانويّة، كحالات الغيبوبة الطويلة، وإجهاض الأجنة في الأشهر الأولى من الحمل.

إلى جانب الاكتشافات الجديدة للأحياء الدقيقة وما تحت الذرية، ليُطرح تساؤل: هل هي كائنات حيّة أم لا؟ أما فيما يتعلق بالبشر، فهل يتم التعامل مع أحدهم قام بعملية تجميد جيدة مثلاً على أنه حي أم ميت؟ وخصوصاً فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية والميراث وغيرها.


5. الطبيعة البشريّة






أسهمت الدراسات الثقافية والتحليل النفسي وعلم الاجتماع في الوصول إلى الكثير من النتائج المرتبطة بالطبيعة البشرية والتشكيك بوجودها، بوصفها ليست إلا نتاج مجموعة من علاقات القوة وتقنيات الهيمنة الاجتماعية والسياسية والاقتصاديّة.

وهذا ما يتضح بداية بالعلوم الجنائية والتحليل النفسي، إلا أن الموضوع امتدَّ لانتقاد هذا المفهوم، بوصف الطبيعة البشرية ليست جوهراً صرفاً مقدساً، بل هي وليدة أنظمة التربية والعادات المختلفة، والتي من الممكن أن تختلف من نظام إلى آخر، حسب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعيّة، وقد تمت دراسة المجتمعات البدائية والهامشية، بوصفها أمثلة على اختلاف هذه الطبيعة، عبر تحليل أنظمة التحريم والتحليل وتفسير الأفعال العنيفة.


6. الكائنات الأخرى






دراسة المجتمعات البدائية وغيرها من القبائل في إفريقيا وجنوب أميركا، كشفت أن الكثير من هذه المجتمعات لا تعتمد ذات التقسيمات التي نمتلكها في مجتمعاتنا المتحضرة، كحيوان وإنسان ونبات وغيرها.

بل تمتلك تقسيمات خاصة ذات مكانة دينية وروحية لا يمكن تجاهلها، كالشاومان والسحرة والطوطم، وهذه الكائنات تدخل ضمن العلاقات الاجتماعية والقانونية، ولا تنطبق عليها قوانيننا الإنسانيّة، فممارسات الشاومان النابعة من مكانته الروحية ومعرفته ما فوق الطبيعيّة، تتيح له استخدام السحر بحجة شفاء المرضى، ولو كان ذلك قد يهدد حياتهم، وهذا ما يعتبر في قوانيننا الإنسانيّة شروعاً بالقتل، أو سوء ممارسة طبيّة.