واشنطن بوست: وعد محمد بن سلمان بـ"إسلام معتدل" يطيح بتحالف قديم مع المؤسسة الدينية في المملكة

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

يقوم الرجل الذي قد يصبح قريباً ملك السعودية برسم مسارٍ جديد أكثر حداثة لبلدٍ محافِظ جداً، لدرجة أنَّه، ولمدة عقود، لم يسمح بقيام الحفلات الموسيقية أو عرض الأفلام في السينما، وحتى السيدات اللاتي كُنَّ يحاولن قيادة السيارة كُنَّ يتعرَّضن للتوقيف.

ومنذ دفعه إلى السلطة بدعمٍ من والده، قام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتغييراتٍ يمكن أن تستهل حقبةً جديدة لأحد حلفاء الولايات المتحدة الأكثر أهمية، وتنقل المملكة بعيداً عن عقودٍ من العقيدة والقيود بالِغة المحافظة.

فقد سمح الأمير بعودة الحفلات الموسيقية والسينما من جديد، ويُنظَر إليه على أنَّه الشخص المؤثر وراء قرار الملك بمنح المرأة حق قيادة السيارات اعتباراً من العام المقبل، وفق تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وإلى الآن، جرى إسكات المعارضين لهذه التغييرات، لكنَّ بعض منتقدي الأمير تعرَّضوا للاعتقال. وعندما قامت المملكة ببعض الإصلاحات الاجتماعية منذ 4 عقود، حاصر المتطرفون السُّنَّة المعارضون للنظام الملكي الأماكنَ المقدسة في مكة المكرمة.

وتقلب أجندة الأمير محمد تحالف آل سعود، الذي طال أمده مع المؤسسة الدينية في المملكة، رأساً على عقب، لصالح استمالة الرأسمالية العالمية، التي تروق للمستثمرين الدوليين، وربما حتى السياح غير المسلمين.

وكان الأمير قد تصدَّر عناوين الأخبار في الأيام الأخيرة، بعد تعهده بعودة المملكة إلى "الإسلام المعتدل". وأشار أيضاً إلى أنَّ جيل والده قد قاد البلاد إلى مسارٍ إشكالي، وأنَّ الوقت حان "للتخلص منه".

وفي خطته "رؤية 2030" الهادِفة لوقف اعتماد المملكة شبه الكامل على عائدات البترول، وضع الأمير محمد رؤيةً لـ"دولةٍ متسامحة، الإسلام دستورها، والاعتدال منهجها".

واستغلَّ الأمير ظهوره العلني النادر في مؤتمرٍ كبير للمستثمرين في العاصمة الرياض هذا الأسبوع لينقل هذه الرسالة إلى المستثمرين الدوليين وللعالم.

وقال بن سلمان، خلال جلسة النقاش على هامش "مبادرة مستقبل الاستثمار": "سنعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان. بكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة".

وأكد "اتخذنا خطوات واضحة في الفترة الماضية بهذا الشأن، وسنقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا يشكل تحدياً، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة، والحق معنا في كل ما نواجه، وسندمرهم اليوم فوراً".


كيف بدأت الوهابية؟


وقد قُوبِلت تصريحاته باستحسانٍ، وكُتِب عنها مقال في الصفحة الأولى من صحيفة الغارديان البريطانية. وفي تصريحاتٍ مُوسَّعة للصحيفة ذاتها، قال الأمير إنَّ ملوك السعودية المتعاقبين "لم يعرفوا كيف يتعاملون مع" ثورة 1979 في إيران، التي جلبت إلى السلطة قيادة شيعية دينية، ما زالت قائمة حتى اليوم.

وفي نفس ذلك العام، نجا الحكام السعوديون من كارثة كبيرة؛ إذ فرض متطرفون سُنَّة حصاراً على الأماكن المقدسة في مكة المكرمة لمدة 15 يوماً. وقد نفَّذ الهجوم مسلحون معارضون للإصلاحات الاجتماعية التي جرت في ذلك الوقت، باعتبارها إصلاحاتٍ غربية مخالفة للإسلام.

في الواقع، استخدم المتطرفون السُّنَّة الآراءَ المتعصبة التي تروِّج لها الأيديولوجيا المعروفة باسم الوهابية، لتبرير العنف ضد الآخرين. وتحكم الوهابية الحياة في المملكة منذ تأسيسها قبل 85 عاماً.

وردَّت عائلة آل سعود الحاكمة على ثورة 1979 بتمكين المحافِظين المتشددين في المملكة. وللالتفاف حول مساعي تصدير الثورة الشيعية في إيران، دعمت الحكومة السعودية الجهود الرامية إلى تصدير الأيديولوجيا الوهابية إلى الخارج.

ومن أجل استرضاء شريحة كبيرة من المحافظين في الداخل، جرى إغلاق دور السينما، ومنع النساء من الظهور على شاشات التلفزيون الحكومي، وتشجيع عمل الشرطة الدينية، مُتمثِّلةً في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكنَّ الكثير من هذه الأمور تتغير الآن، في ظلِّ ولي العهد، وذلك في ظلِّ سعيه لترسيخ من المزيد من السلطات، واستعداده لوراثة العرش.

فهناك خطط لبناء متنزه على غِرار المتنزهات الترفيهية التي تقيمها شركة "سيكس فلاغز"، ووجهةٍ سياحية تتمتَّع بشبه حكم ذاتي في البحر الأحمر، حيث يُرجَّح ألّا تُطبَّق قواعد اللباس الصارِمة على السيدات. وأصبح للإناث الآن إمكانية أكبر لممارسة الرياضة، وجرى كذلك تقليص سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخفيف القيود المفروضة على الفصل بين الجنسين.

وعلى عكس الملوك السعوديين السابقين، مثل الملك عبدالله، الذي دعم الانفتاح التدريجي الحذر، يتحرك الأمير محمد في هذا المسار بشكلٍ أسرع.

جديرٌ بالذكر أنَّ أكثر من نصف مواطني المملكة البالغ عددهم 20 مليوناً عمرهم أقل من 25 عاماً، ما يعني أنَّ الملايين من الشباب السعوديين سيدخلون سوق العمل في العقد المقبل. وتحاول الحكومة السعودية على وجه السرعة خلق المزيد من فرص العمل.

ويتعين على الأمير محمد الآن أن يجد الحلول للمشكلات التي من المقرر أن يرثها كملك.

يقول مأمون فندي، مدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن: "ما يقوم به الأمير محمد شرط لا بد منه لأي نوعٍ من الإصلاح الاقتصادى. الإصلاح الاقتصادي يتطلَّب أخلاقيات بروتستانتية (أي أخلاقيات تشدد على فضيلة العمل الجاد، والتدبير، وضبط الذات)".

ويقول فندي إنَّ هذه النسخة السعودية الجديدة من "الإسلام المعتدل"، يمكن فهمها على أنَّها متعاونة مع الإصلاحات الاقتصادية؛ فلا تغلق المحال التجارية في أثناء وقت الصلاة، أو تبعد المرأة عن الحياة العامة".

وبعبارةٍ أخرى تتطلَّب الإصلاحات الاقتصادية في المملكة نجاح الإصلاحات الاجتماعية.

ومع ذلك، لا تعني الكلمات الطنّانة مثل "الإصلاح"، و"الشفافية"، و"المساءلة" -التي استخدمها الأمير في تعزيز رؤيته 2030- أنَّ السعودية تتجه نحو مزيدٍ من الليبرالية، والديمقراطية، والتعددية، وحرية التعبير. فالحكومة السعودية لا تمنح تراخيص لتأسيس دور عبادة لغير المسلمين، وتقيِّد تلك الممنوحة لمواطنيها الشيعة.

كما لم يذكر الأمير أيَّ مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، برغم اعتقال عشرات من الدعاة ومن منتقديه ليكونوا بمثابة تحذيرٍ للآخرين، الذين يجرؤون على التحدث والمعارضة.

وقد اعتُقِل البعض منهم على خلفية انتقادهم لسياسات الأمير الخارجية، بما في ذلك قطع العلاقات مع قطر، وزيادة التوتر مع إيران، والإشراف على الغارات الجوية في اليمن، التي قتلت عشرات المدنيين وقُوبِلت بإدانةٍ حادة من منظمات حقوق الإنسان، والبعض في واشنطن.

وفي الوقت نفسه، يواجه الأمير محمد رأياً عاماً سعودياً لا يزال محافِظاً دينياً. وهذا يعني أنَّه لا يزال بحاجةٍ إلى دعمٍ علني من كبار رجال الدين في الدولة، من أجل تقديم إصلاحاته باعتبارها إسلامية ومسموحاً بها دينياً.

ويبدو أنَّ علماء الدين هؤلاء، الذين تحدَّث الكثير منهم في الماضي ضد عمل المرأة وقيادتها للسيارات، الآن غير راغبين وغير قادرين على الانتقاد العلني لهذه الخطوات. ففي هذا النظام الملكي، للملك الكلمة الأخيرة في معظم المسائل، وأظهر الرأي العام أنَّه يُرحِّب بتلك التغييرات.