احترفوا الشِّعر رغم أُميتهم.. هؤلاء أبرز الشعراء الأميين في الإسلام

تم النشر: تم التحديث:
POEM ISLAMIC
Werner Forman via Getty Images

عُرف عن أصحاب الحرف اليدوية أو الصناعات التقليدية، أنهم دائماً لم ينالوا نصيباً وافراً من التعليم أو قد يكونون أميين، ورغم ذلك استطاعوا بما لديهم من مهارة أن يكونوا محل اهتمام وتقدير الناس.


العلاقة بين الأمية والشعر


يوضح العلاقة بينهما محمود رزق سليم، في مجلة الرسالة، قائلاً إن بعضاً من الأميين، الذين لم ينالوا حظاً من التعليم، استطاعوا بذكائهم وتجربتهم في الحياة أن يتفوقوا على من أتقنوا القراءة والكتابة، فأصبحوا منافسين لكبار الشعراء، وهذا لا يعني أننا نتجنى على الكتابة والقراءة، ونشجع الأمية، ونحط من قدر الثقافة، التي هي الطريق الموصلة إلى فهم الحق فهماً صحيحاً، وبلوغ الفضيلة بلوغاً كاملاً.

وأوضح أن الشعر فطرة وموهبة، ولحن إلهي لا نغم تعليمي، تكتسبه نفوس خلقت على أن تكون شاعرة، قادرة رغم أميتها، أن تنال ما لم ينله المتعلمون.

كما يقول الدكتور أحمد بلحاج في كتابه أميون شعراء فصحاء، أنه لا محل للإنكار على عصر من العصور الكتابة والقراءة أن يكون فيه شعراء أميون لا يحسنون القراءة والكتابة، فطبيعة الشاعرية لا تقتصر على أناس أجادوا القراءة والكتابة، بل تتوزع على كل الناس في مختلف البيئات، ما دامت فطرة موهوبة لا خلة مكتسبة.


المعتصم بالله.. أمي خلفاء بني العباس




almutasim

في عام 218هـ، تولى أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، المعروف بالمعتصم بالله، الخلافة العباسية، وقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، بحسب رسائل بن حزم الأندلسي.

ويقول المعتصم عن نفسه: "لقد علمت أني دون أخوتي في الأدب والعلم، لحب أمير المؤمنين لي، وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا"، لكن رغم هذا اكتسب قدرة على إلقاء الشعر بين الحين والآخر.

ويذكر أبو العباس القيسي الشريشي في كتابه شرح مقامات الحريري، أن عبد الله بن طاهر والي خراسان لما مرض، أرسل إليه الخليفة معبراً عن حزنه لما أصابه قائلاً:

أعزز علي بأن تكون عليلا .. أو أن يكون بك السقام نزيلا

لوددت أني مالك لسلامتي .. فأعيرها لك بكرة وأصيلا

فتكون تبقى سالماً لسلامتي .. وأكون مما قد عراك بديلا

هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي .. وكذا المحب إذا أحبّ خليلا

وقد قال متغزلاً:

توهم عطف الصدغ نونا بخدها .. فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا

ويؤكد بلحاج في كتابه، أن المعتصم رغم تربيته العسكرية، إلا أن سماعه للقصائد التي كانت تُلقى بين يدي أبيه هارون الرشيد ساهمت في تكوين حافظته، وفي بناء كيان موسيقي لديه، وفي ترويض نفسه على قول بعض الشعر.


أبو القاسم.. شاعر الخبز


هو أبو القاسم نصر بن أحمد بن مأمون البصري، المعروف بالخبز أرزي، شاعر الغزل والحكم، وقد عاصر خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر (329-333هـ)، وقد جمع أشعار، الأديب النحوي أبو الحسن بن لنكك.

ويذكر بلحاج في كتابه، أن أبا القاسم كانت تزدحم عليه الناس لسماع شعره أثناء عمله، وقد ذاع خبره خارج بلده، وانتشر شعره، لما فيه من رقة الغزل، ودقة الوصف، وصفاء اللغة.

ويقول أبو القاسم في حمد الصمت:

لسان الفتى حتف له حين يجهل ... وكل امرئ ما بين فكيه مقتل

وكم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل

وعن الكبر والغرور، قال:

ومن أمن الآفات عجباً برأيه ... أحاطت به الآفات من حيث يجهل

وفي الوداع، قال:

ودعت قلبي يوم ودعتهم ... وقلت يا قلبي عليك السلام

وقلت للنوم انصرف راشداً ... فإن عيني بعدهم لا تنام

محرم يا عين أن ترقدي ... وليس في العالم نوم حرام


ناصر الدين.. من ظرفاء الحمّام


في عام 648هـ، أسس المماليك لأنفسهم دولة في مصر، السيف فيها يتصدر المشهد، وذلك بسبب الحروب التي خاضتها الدولة في بدايتها، لكن رغم ذلك لم يغفل السلاطين عن الأدب والفنون.

يذكر الدكتور رائد عبد الرحيم، في رسالته "الشاعر نصير الدين الحمّامي: حياته وما بقي من شعره"، أن اسمه نصير بن أحمد بن علي المنياوي، ويُعرف بالحمّامي، وذلك لأنه كان يعمل في شراء الحمامات، وقد اكتسب ملكة الشعر من الأدباء والشعراء الذين كان يلتقي بهم في الحمّام، كما أنه تبادل معهم الشعر.

وعن حفظ اللسان، قال:

لا تفه ما حييت إلا بخير .. ليكون الجواب خيراً لديكما

قد سمعت الصدى وذاك جماد .. كل شيء تقول رد عليكما

وقال محذراً:

إني لأكره في الأنام ثلاثة .. ما إن لها في عدها من زائد

قرب البخيل وجاهلاً متعاقلاً .. لا يستحي وتودداً من حاسد


غلام البغدادي.. من ظرفاء العامية


هو إبراهيم بن علي المعمار، المعروف بغلام النووي، اتسم بالذكاء، وسرعة البديهة، وحسن الطبع، وقد توفي عام 749هـ.

يذكر بلحاج في كتابه، أنه نظم الشعر من أجل النقد والفكاهة والغزل وغيرها، مبتعداً عن ما عُرف بشعراء البلاط، وقد كان يكتسب قوت يومه من عمل يده.

وقد قال محذراً من الموت:

يا من تمني الموت قم فاغتنم .. هذا أوان الموت ما فاتا

قد رخص الموت على أهله .. ومات من لا عمره ماتا

وعن فراق الأحبة، قال:

يا قلب صبراً على الفراق .. ولو رميت ممن تحب بالبين

وأنت يا دمع إن ظهرت بما .. يخفيه قلبي سقت من عيني

وخاطب الأغنياء، قائلًا:

يا أغنياء الزمان هل .. لي جرائم عندكم عظام

فضتكم لا تزال غضبي .. فلا سلام ولا كلام

والذهب العين لا أراه .. عيني من عينه حرام


ابن جاخ.. رئيس الشعراء


في عام 422هـ، أعلن الوزير أبو الحزم بن جهور سقوط الدولة الأموية في الأندلس، مما دفع كل أمير أن يستقل بإمارته، ليبدأ ما يُعرف بعصر ملوك الطوائف، وانعكس ذلك على حركة الأدب والفنون، وتحديداً الشعر، الذي يمنح صاحبه الكثير من الهدايا والأموال من قبل الأمراء.

هو ابن جاخ الصباغ البطليوسي، نسبة إلى مدينة بطليوس (وهي مدينة تقع على نهر وادي آنه عند الحدود البرتغالية)، اشتهر بكنيته، وقد عاصر المعتمد بن عباد وعاش في قصره، وهو شاعر جيد الشعر له قصائد وأبيات جميلة وبديعة لا تقل شرفاً وجودة عن قصائد المشهورين من شعراء الأندلس كابن زيدون وولادة وغيرهما.

وقد قال في حضرة المعتضد بن عباد، في الدار المخصصة للشعراء:

إني قصدت إليك يا عبادي .. قصد القليق بالجري للوادي

وقال بين يد المعتضد ذات يوم:

فجلبت من شعري إليك قوافياً .. يفنى الزمان وذكرها متمادي

من شاعر لم يضطلع أدبا .. ولا خطت يداه صحيفة بمداد

فقال له الملك: أنت ابن جاخ؟ فقال: نعم، فقال: اجلس قد وليتك رئاسة الشعراء، وأحسن إليه ولم يأذن في الكلام في ذلك اليوم لأحد من بعده.