مغتربون في بلادهم.. المسلمون السُنَّة في العراق يعانون التهميش وقادتهم غارقون في خلافات داخلية

تم النشر: تم التحديث:
IRAQ
AHMAD AL-RUBAYE via Getty Images

بعد 14 عاماً من إنهاء الغزو الأميركي للهيمنة السُنّيّة على العراق، يعاني العرب السُنَّة العراقيون لاستعادة أهميتهم ونفوذهم. فبعدما أطاحت بهم حكومات ما بعد صدام حسين من الوظائف الحكومية والجيش، أدَّى عجزهم وغضبهم إلى صعود الحركات السُنّيّة المتشدِّدة كتنظيميّ القاعدة وداعش.

والآن مع طرد هؤلاء المُتشدِّدين من قلب المناطق السُنّيّة، على الأرجح سيكون للطريقة التي ترد بها الحكومة على السُنَّة الذين يحاولون إعادة بناء حيواتهم نتائج طويلة المدى في ما يتعلَّق بأمن واستقرار البلاد، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ولا يزال أكثر من 3.1 مليون عراقي، أغلبيتهم العظمى من السُنَّة، مُشرَّدين من منازلهم بعد 3 سنوات من احتلال داعش والمعارك معه. وعاد 2.3 مليون آخرون. وبينما تنتظر المدن السُنّيّة كالكرمة إعادة الإعمار، عَجَزَ القادة السُنَّة عن انتزاع مساعدةٍ كبيرة من حكومةٍ مركزية تعاني أزمةً نقدية وتُركِّز على قتال المتشددين، ومؤخراً الأكراد.

منذ 2003، خسر السُنَّة، الذين يُشكِّلون نحو ربع السكان، نفوذهم لصالح الشيعة والأكراد، وهما الفئتان اللتان تعرَّضتا لاضطهادٍ من جانب نخبة أقلية سُنيّة في ظل حكم صدام حسين. ومع سيطرة الشيعة على الحكومة العراقية الآن، وإرساء الأكراد لمنطقة حكمهم الذاتي في الشمال، يظل السُنَّة دون شيءٍ من الناحية السياسية.

كانت هناك توقعات عالية حين أصبح العبادي رئيساً للوزراء في عام 2014 بأن يتمكَّن من قلب الصفحة بعد حكمٍ طائفي تقسيمي لسلفه، نوري المالكي، وحاز ثقة السُنَّة.

وعوضاً عن ذلك، يقول القادة السُنَّة إنَّه خيَّب أملهم بعد تكوينه علاقاتٍ أوثق مع إيران، الدولة الدينية الشيعية المُتشدِّدة بجوار العراق. وتمارس طهران الآن نفوذاً هائلاً على الاقتصاد، والجيش، والحكومة العراقية.

قال حامد المطلك، الذي يُمثِّل الكرمة في البرلمان، إنَّ الحكومة أكثر تركيزاً على العمل مع إيران والميليشيات الشيعية المُسلَّحة إيرانياً من مساعدة السُنَّة في عملية إعادة البناء.


مهجّرون.. مهمّشون


وقال: "إنَّنا الآن أُناسٌ مُهجَّرون، وأُناسٌ مُهمَّشون تماماً، والأمر يزداد سوءاً كل يوم. لدينا حكومة فاسِدة تسيطر عليها قوة أجنبية، على حساب السُنَّة".

لكنَّ الساسة السُنَّة غارقون في خلافاتٍ داخلية. وبالكاد يمكنهم إحراز تقدُّمٍ في قضيتهم في حين لا يمكنهم حتى التوافق على مكان التقائهم من أجل تسوية الخلافات. وفي مؤتمرٍ عُقِد ببغداد قبل عامين، ألقى الساسة السُنَّة بالكراسي على بعضهم بعضاً بينما تبادل حرسهم اللكمات.

قال إسماعيل جاسم (39 عاماً)، الذي يعتمد على التبرعات من الجيران في الكرمة من أجل البقاء على قيد الحياة في منزله، الذي أحرقه المُسلَّحون: "ساستنا لا يقومون بشيءٍ من أجلنا. إنَّنا لا نراهم أبداً، عدا على شاشات التلفزيون وفي أوقات الانتخابات".

وكانت قوة الساسة السُنَّة قد تقلَّصت بشدة باتفاق تقاسم السلطة الذي جرى تبنِّيه بعد الغزو الأميركي. وبموجب صيغة هذا الاتفاق، تُحجَز مناصب رئاسة الوزراء إلى جانب وزيريّ الداخلية والخارجية للشيعة. ويحصل الأكراد على الرئاسة ووزارة المالية. بينما يحصل السُنَّة على منصبيّ رئاسة البرلمان ووزير الدفاع، لكن يظل رئيس الوزراء هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتَّع قادة الجيش الشيعة وقادة الميليشيات الشيعية بنفوذٍ كبير.

وتُعَد الميليشيات الشيعية المُدرَّبة إيرانياً جزءاً من الجيش العراقي، وقاتلت تلك الميليشيات داعش منذ سيطرة التنظيم على ما يقارب ثلث مساحة العراق في 2014. واتُّهِمت الميليشيات بارتكاب فظائع ضد المدنيين السُنَّة، وأثار وجودهم بالقرب من المناطق السُنّيّة قلق الكثير من السكان. وقد رفرف علمٌ ديني شيعي الأسبوع الماضي خارج نقطة تفتيشٍ للجيش العراقي خارج الكرمة.

ويمتلك الأكراد جيشهم الخاص أيضاً، المعروف باسم البيشمركة. لكنَّ السُنَّة لا يمتلكون أي قوةٍ مسلحة قومية، فقط ميليشيات قبلية منضوية تحت لواء قوات الأمن العراقية لمحاربة المُتشدِّدين.

وقد دعا بعض الساسة السُنَّة إلى منطقة حكمٍ ذاتي سُنّيّة، لكنَّ تلك المقترحات لم تُسفِر عن شيءٍ وسط هذا التشاحن الحزبي.

قال واثق الهاشمي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية، وهي مجموعة بحثية مستقلة في بغداد: "لا يمتلك السُنَّة قيادةً مُوحَّدة. ويبدو أنَّ الساسة السُنَّة يهتمون فقط بالمصالح الشخصية الضيقة".


استفتاء الأكراد


وتسبَّب استفتاءٌ كردي على الاستقلال الشهر الماضي، سبتمبر/أيلول، في تقسيم السُنَّة. فقد عارضته الأغلبية، مُفضِّلين إبقاء الأكراد داخل العراق كثقلٍ موازن ضد الهيمنة الشعية؛ فتقريباً كل الأكراد العراقيين هم سُنَّة. واحتفى الكثير من السُنَّة بقرار الحكومة السيطرة على المناطق المتنازع عليها، حيث كان العرب السُنَّة يخضعون للسيطرة الكردية.

لكن حتى السُنَّة المعارضون للاستفتاء الكردي كانوا قلقين حين أجرت القوات العراقية مناوراتٍ عسكرية مع القوات الإيرانية داخل إيران بمحاذاة الحدود العراقية.

قال الشيخ أحمد الكريم، المُشرِّع السُنِّي الذي يدعم حكومة رئيس الوزراء العبادي بشكل عام: "لن نتساهل مع ذلك النوع من التدخُّل الخارجي مُقدَّماً على أي شيءٍ آخر".

وفي البرلمان، تمتلك الكتلة السُنِّية 78 مقعداً، وهو ما يتناسب تقريباً مع نصيبهم من السكان، لكنَّها تبدو قزمةً مقارنةً بالكتلة الشيعية، التي تمتلك 182 مقعداً. وتمتلك الكتلة الكردية 65 مقعداً. ووقع البرلمان بصورةٍ متزايدة تحت تأثير إيران، التي تخوض صراع قوةٍ إقليمي مع البلدان السُنّيّة بقيادة السعودية.

وقد وصف مثال الآلوسي، عضو البرلمان السُنِّي، الحكومة بأنَّها "دولة كرتونية" بسبب علاقاتها مع إيران. وتساءل، ساخِراً، عمَّا إذا كان اللواء قاسم سليماني، قائد قوات النخبة العسكرية الإيرانية في الخارج والذي قدَّم المشورة للميليشيات الشيعية العراقية، يمتلك تأشيرةً صالِحة لدخول العراق.

ويبدو أنَّ الشيعة يُحرِّكهم شعورٌ بالمظلومية الدينية ووحدة المصير الشيعي. أمَّا الأكراد فتُحرِّكهم القومية وأحلام الاستقلال. لكن ماذا عن السُنَّة؟

قالت ماريا فانتابيه، المُحلِّلة البارزة في شؤون العراق بمجموعة الأزمات الدولية: "بالنسبة للسُنَّة، إنَّهم يفتقرون للترابط السياسي حول ما يريدونه تحديداً".

وقال ديفيد فيليبس، مستشار وزارة الخارجية الأميركية السابق والذي عمل في شؤون العراق لمدة 30 عاماً، إنَّ السُنَّة فشلوا في تنظيم أنفسهم بفاعلية كالشيعة والأكراد. وأضاف: "بغداد مرتاحة تماماً لرؤية السُنَّة في حالةٍ من الفوضى".

وهناك القليل من المؤشرات التي تبعث على الأمل. فلأنَّ بعض الفصائل الشيعية ستعارض العبادي في أبريل/نيسان؛ ولأنَّ السياسة الكردية في حالة من الاضطراب، سيكون على العبادي أنَّ يتودد إلى الكتلة السُنِّية لمساعدته في ضمان إعادة انتخابه.

قالت ماريا: "لم تحتج حكومة العبادي قط إلى السُنَّة مثلما تحتاجهم الآن".

لكنَّ السُنَّة قد يواجهون خسائر سياسية في أبريل/نيسان إذا ما عجز مئات الآلاف من السُنَّة المُشرَّدين عن التصويت. وإذا ما ساد الشعبويون الشيعة المُتشدِّدون، قد ينتهي الأمر بذهاب التمويلات المُخصَّصة لإعادة الإعمار إلى المناطق الشيعية الفقيرة بدلاً من المناطق السُنّيّة المُحرَّرة.

لقد كانت حقبة ما بعد صدام حسين مُدمِّرة بالنسبة لكثيرٍ من السُنَّة. فبعد 2003، جرَّد برنامجٌ لاجتثاث حزب البعث مئات الآلاف من الجنود والموظفين المدنيين من وظائفهم، بما في ذلك الأطباء والمعلمين. والتحق الكثير من الضباط السُنَّة المفصولين إلى تمرُّد تنظيم القاعدة ضد القوات الأميركية، على الرغم من أنَّ القبائل السُنّيّة لاحقاً ساعدت في طرد الميليشيات في ما سُمِّي بالصحوة السُنّيّة.

ومع ذلك، استمرت عناصر برنامج اجتثاث البعث. وقال المطلك، عضو البرلمان السُنِّي الذي كان لواءً في جيش صدام حسين، إنَّ لجنةً لاجتثاث البعث قد حرمته من الترشُّح للبرلمان 3 مرات منذ 2010. وقال: "إنَّها مضايقةٌ سياسية صِرفة". (وقد استأنَفَ على القرار، والآن هو عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان).

وفي ظل حكم نوري المالكي، الذي كان رئيساً للوزراء من 2006 حتى 2014، جرى تطهير الجيش والحكومة من الكثير من السُنَّة الذين استعادوا وظائفهم، وبعضهم فقدوا وظائفهم للمرة الثانية. وقد ساعد الاستياء السُنِّي المتقيِّح على صعود داعش وسمح لمقاتليه بالسيطرة على البلدات والمدن السُنِّية في 2014 بسهولةٍ نسبية.

وقد وعد المُتشدِّدون بحقبةٍ جديدة من الهيمنة السُنّيّة، وجذبوا دعماً واسعاً من السُنَّة المحرومين. لكنَّهم لم يفوا بوعدهم، وأدَّى حكم الترويع الذي فرضوه في نهاية المطاف إلى تأليب السُنَّة ضدهم.

والآن، تشعر البلدات السُنِّيّة مثل الكرمة، التي رحَّب فيها السكان بالمتشدِّدين في البداية، بأنَّ ساستهم قد تخلّوا عنهم. وكانت الكرمة، التي يسكنها نحو 95 ألف شخص، قد حُرِّرت في مايو/أيار 2016. وقدَّمت الأمم المتحدة بعض المساعدات، فأعادت بناء المدارس وقامت ببعض الإصلاحات في البنية التحتية الطارئة.

لكنَّ العلامة الوحيدة في الكرمة على وجود الصندوق العراقي المسؤول عن إعادة إعمار المناطق المُحرَّرة تتمثَّل في بدء أعمال البناء في 5 مدارس. وقال مصطفى الهيتي، وهو صيدلي سُنّي يدير الصندوق، إنَّ 140 مليون دولار فقط جمعتها بغداد هذا العام لإعادة إعمار كافة المناطق التي كانت خاضِعة لحكم داعش. وقدَّر التكلفة الإجمالية لتلك المهمة بأكثر من 100 مليار دولار.

وقال إنَّ المانحين الدوليين قد جمعوا مليارات الدولارات، لكنَّ معظم هذه الأموال تباطأت بسبب عمليات التدقيق وسط مخاوف المانحين من سمعة العراق فيما يتعلَّق بالفساد.