العالم يشهد عصراً مُذهباً جديداً مع تضخُّم ثروة الملياديرات إلى 6 تريليونات دولار

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
ي

يتركَّز الجزء الأكبر من الثروة في يد أثرى أثرياء العالم منذ بدأ العصر الأميركي المُذهب في مطلع القرن العشرين، حين سيطرت عائلاتٍ مثل كارنيغي، وروكفلر، وفاندربيلت على ثرواتٍ ضخمة.

وزاد المليارديرات ثرواتهم العالمية مُجتمعةً بمقدار الخمس العام الماضي لتُسجِّل رقماً قياسياً يُقدَّر بـ6 تريليونات دولار (4.5 تريليون جنيه إسترليني) - أي ما يزيد على ضعف إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة.

ووفقاً لتقرير عن المليارديرات أعدَّته شركة برايس ووتر هاوس كوبرز، وهي من أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، وشركة UBS السويسرية العالمية للخدمات المالية، يوجد الآن 1542 ملياديراً في مختلف أنحاء العالم، وذلك بعدما تضخَّمت ثروات 145 من كبار المليونيرات في العام الماضي.

وبهذا الصدد، قال جوزيف ستادلر، المُعِدّ الرئيسي للتقرير رئيس قسم القيمة المضافة في شركة UBS، إنَّ عملاءه المليارديرات قلقون من أنَّ تزايد انعدام المساواة بين الأثرياء والفقراء يمكن أن يؤدي إلى حدوث "ضربةٍ ارتدادية".

وقال ستادلر: "إنَّنا في نقطة انعطاف. فتركيز الثروة مرتفعٌ كما في عام 1905، وهو شيءٌ يقلق المليونيرات بشأنه. وتكمن المشكلة في تأثير تراكم الفوائد، الذي يجعل المال الكثير بالفعل أكثر. والسؤال هو: إلى أي مدى سيستمر هذا؟ وعند أي نقطة سيتدخَّل المجتمع ويقوم برد فعل؟".

وأضاف ستادلر: "نحن الآن في العام الثاني من ذروة العصر المُذهَب". وقال إنَّ "السؤال الأهم" هو: كيف سيكون رد فعل المجتمع تجاه تكدُّس الكثير من الأموال في أيدي القليلين.

وبحسب فرانس برس، فقد عاد مستوى ثروات أصحاب المليارات إلى الارتفاع العام 2016 بدفع خصوصاً من آسيا، بحسب دراسة نشر نتائجها مصرف "يو بي إس" السويسري وشركة "بي دبليو سي" للتدقيق والاستشارات المالية.

ولفتت الدراسة إلى أن هذا النمو مردّه خصوصاً إلى الازدياد في الثروات في آسيا، حيث يرتفع عدد أصحاب المليارات بمعدل شخص إضافي كل يومين.

كذلك سجل مستوى الثروات في آسيا ازدياداً بواقع يقرب من الثلث العام الماضي ليصل إلى 2000 مليار دولار، بحسب معدي الدراسة الذين أحصوا 637 شخصاً من أصحاب المليارات في هذه القارة.

ويبقى تركيز الثروات حتى اللحظة أكبر في الولايات المتحدة حيث بلغت القيمة التراكمية لثروة 563 شخصا من أصحاب المليارات 2800 مليار دولار العام الماضي (في مقابل 2400 مليار في 2015).

وعلى هذه الوتيرة، قد يتخطى مستوى ثروات أصحاب المليارات في آسيا ذلك العائد لنظرائهم الأميركيين خلال السنوات الأربع المقبلة بحسب الدراسة.


عائلات البارونات اللصوص


وقد أدَّى الغضب بسبب ما يُسمى عائلات البارونات اللصوص، التي جمعت ثرواتٍ ضخمة من احتكار السكك الحديدية الأميركية، والنفط، والصلب، والعمل المصرفي في أواخر القرن الـ 19، وهو عصر التصنيع السريع وتزايد انعدام المساواة في أميركا الذي أصبح معروفاً باسم "العصر المُذهب"، إلى اتجاه الرئيس فرانكلين روزفلت لتفكيك الشركات والصناديق وزيادة الضرائب على الأثرياء في أوائل التسعينيات.

وتساءل ستادلر: "هل ستكون هناك أوجه تشابه في الطريقة التي يستجيب فيها المجتمع مع هذا العصر المذهب مع ما سبق؟ هل سينتهي العصر الثاني أم سيمضي قدماً؟".

وصرَّح صندوق النقد الدولي مؤخراً بأنَّ الحكومات الغربية يجب أن تُجبر نسبة الـ1% من كبار حائزي الثروات على دفع المزيد من الضرائب لمحاولة الحد من الوصول لمستوياتٍ خطرة من عدم المساواة.

وقال ستادلر إنَّ التغطية الإعلامية لانعدام المساواة وكبار الأثرياء تشير إلى حتمية وجود "نقطة انعطاف"، لكنَّه قال إنَّ "التصور القائِل إنَّ المليارديرات يجنون المال لأنفسهم على حساب القطاع الأوسع من السكان" غير صحيح.

وأضاف أنَّ نسبة 98% من ثروة المليارديرات وجدت طريقها للعودة إلى المجتمع الأوسع، وقال إنَّ كبار الأثرياء في العالم يوِّظِّفون 27.7 مليون شخص، وهو رقم لا يقل كثيراً عن تعداد قوة العمل في المملكة المتحدة.

وقال ستادلر إنَّ تخوُّف كبار الأثرياء من النظرة العامة لهم، التي تعتبر أنَّهم يزدادون ثراءً على حساب القطاع الأعرض من السكان، قد قادتهم إلى تقديم المزيد من العطايا الخيرية وإنفاق أموالهم على معارض الفنون العامة والفرق الرياضية.

وقال: "يمكنك القول إنَّ الأمر يدور حول الكبرياء والرغبة في التباهي والجلوس في الصف الأول، لكنَّه كذلك يتعلق برد الجميل".

وجاء في التقرير أنَّ قائمة أكبر 200 جامع للتحف الفنية في العالم تضم الآن 72 مليارديراً، بعد أن كان عددهم 28 فقط عام 1995.

ويقول التقرير السنوي لشركة UBS السويسرية: "في حين أنَّ المتاحف الخاصة ليست ظاهرة جديدة، لكنَّ أعدادها تتنامى، خاصةً في آسيا. ويُنشئ جامعو التحف الفنية متاحفهم حول العالم لمشاركة مجموعاتهم الفنية مع العامة، ويأتي ذلك مدفوعاً بشغفهم للفنون، وكثيراً ما تُشجِّعهم المعاملة الضريبية التفضيلية".

وقد وجد التقرير أنَّ 140 من أفضل فرق العالم الرياضية مملوكةٌ لـ109 فقط من المليارديرات، وتعود ملكية ثلثي أندية الرابطة الوطنية لكرة السلة الأميركية والدوري الوطني لكرة القدم الأميركية إلى مليارديرات. وفي المملكة المتحدة، تعود ملكية 9 من أصل 20 فريقاً في الدوري الممتاز لكرة القدم (البريمييرليغ) إلى مليارديرات، من بينهم رومان إبراموفيتش الذي يمتلك فريق تشيلسي، والشيخ منصور بن زايد الذي يمتلك فريق مانشستر سيتي. ويقول ستادلر: "يحدث تسارعٌ لهذه العملية فيما نتحدث الآن، ويأتي معظم المشترين من الصين".

وقال أحد المليارديرات لباحثي شركة UBS إنَّه قد اشترى نادياً رياضياً لأنَّ ذلك "فتح الباب أمام النجوم، والشيوخ، ومشاهير رجال الأعمال، وللناس العاديين من كل أرجاء العالم لأن يجلسوا في نفس الغرفة ويتحدثوا عن الكرة فقط".


عصر أميركا المُذهَب


كان العصر المُذهَب منذ سبعينيات القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين عصر ازدهارٍ لأميركا؛ إذ افتُتِحت السكك الحديدية وارتفعت الأجور، ما سبب تدفُّقاً للهجرات من أوروبا.

وكان المؤرخون في عشرينيات القرن العشرين قد صاغوا المصطلح الذي وصف حقبة النمو الصناعي والاجتماعي السريع في الولايات المتحدة، وقد اشتُق من رواية مارك توين التي نشرت عام 1873 والتي كان عنوانها "The Gilded Age: A Tale of Today" أو "العصر الذهبي: قصة الحاضر".

وتدفقت الأموال من لندن وباريس إلى الولايات المتحدة، وشجَّعت التصنيع وتطور السكك الحديدية، بما في ذلك إنشاء أول خط سككٍ حديديةٍ عابر للقارات، الذي فتح مناطق شاسعةً أمام التعدين والتنمية الحيوانية، واختصر وقت السفر من نيويورك إلى سان فرانسيسكو من 6 أشهرٍ إلى 6 أيام.

وصارت صناعاتٌ عديدةٌ كالنفط، والحديد، والسكر، والقطن خاضعةً لسيطرة عددٍ قليلٍ من الشركات العملاقة، التي تُدار بالائتمان. وتحكم الائتمان في كل مظاهر الإنتاج، من المواد الخام إلى التصنيع والمبيعات، ما مكَّنهم من احتكار قطاعاتهم الصناعية والتخلُّص من المنافسين. وقد حوَّل الائتمان مُلَّاك تلك الشركات إلى بعضٍ من أثرى الأشخاص على مر التاريخ، والذين لا يزال أحفادهم على قوائم أثرياء العالم.

وقد أدَّى الغضب من الثروة التي راكمتها قِلةٌ من الأشخاص وجُمِعَت بوضوحٍ على حساب عمالهم الذين يتعرَّضون لمعاملةٍ سيئةٍ إلى وصف رجال الصناعة، أمثال كورنليوس فاندربيلت (صناعة السكك الحديدية)، وأندرو كارنيغي (صناعة الحديد)، وجي بي مورغان (التمويل)، وجون جيكوب آستور(صناعة العقارات والفرو) بالبارونات اللصوص.

ويقول المؤرخ تي جي ستيلز إنَّ المصطلح قد اعتُمِد "لاستحضار رؤى عمالقة المحتكرين الذين سحقوا المنافسين وتلاعبوا بالأسواق وأفسدوا الحكومة. وتقول الأسطورة إنَّهم بجشعهم وسطوتهم قد بسطوا هيمنتهم على الديمقراطية التي لا حول لها ولا قوة".

كان الرئيس ثيودور روزفلت، الذي انتُخِب عام 1901، قد تحرَّك لكسر الاحتكارات. فانقسمت شركة ستاندرد أويل المملوكة لجون ديفيد روكفلر إلى 34 شركةً منفصلةً، من بينها أسلاف شركات إيكسون موبيل، و بريتيش بتروليوم (BP)، وشيفرون.

لقد مهَّد العصر المُذهَب الطريق لحقبة التقدُّم، حين دفع رد الفعل على تجاوزات وعدم مساواة الحقبة المبكرة إلى حراكٍ مجتمعي وإصلاحٍ سياسي واسع.