اعتبروه عفواً عن الفاسدين.. نشطاء تونسيون يرفضون قانون المصالحة مع رموز بن علي

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
ب

وقَّع الرئيس التونسي تشريعاً مثيراً للجدل يمنح العفو لمسؤولين تونسيين متهمين بالفساد إبَّان حكم الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي ليصبح قانوناً.

وقد أحال نواب المعارضة شرعية مشروع القانون، الذي يرقى إلى العفو عن مسؤولي ما قبل الثورة الذين ربما اشتركوا في أعمال فساد في ظل حكم النظام القديم، إلى المحكمة الدستورية المؤقتة في تونس، وذلك بعد عملية تمريره العاصفة، لكن الناجِحة، في البرلمان في 13 سبتمبر/أيلول.

ومع ذلك، عجزت المحكمة عن الوصول إلى قرارٍ في الموعد المُحدَّد، وهو ما كان يعني أن يعود القرار إلى الرئيس الباجي قائد السبسي، المهندس الرئيسي وراء القرار، الذي وقَّعه الآن ليصير قانوناً، بحسب صحيفة الغارديان البريطانية.

وادَّعت مجموعة "مانيش مسامح" (أنا لا أسامح) أنَّهت حصلت على وثيقةٍ مُسرَّبة تُبيِّن بالتفصيل المداولات الداخلية التي تمت في المحكمة، والتي تثبت أنَّ مشروع القانون يهدف للعفو أكثر منه للمصالحة. وإن كان ذلك حقيقياً، فإنَّه يعني أنَّ مشروع القانون يتعارض مع دستور الدولة الصادر في 2014.

ويُقدِّم القانون الجديد نسخةً مُصغَّرة كثيراً من الوثيقة الأصلية لعام 2015، التي سعت أيضاً للعفو عن النخب التجارية السابقة. وكانت محاولتان سابقتان لتمرير القانون قد فشلتا في وجه المعارضة الشعبية الواسعة.

وقد أدَّى تمرير القانون وعودة العديد من السياسيين الذين ينتمون لنظام بن علي ما قبل الثورة إلى الحكومة الحالية في إغضاب النشطاء، وأثار التساؤلات حول شرعية "الحرب على الفساد" التي أعلنتها الحكومة.

في سبتمبر/أيلول، قارن محمد بن صوف من حزب نداء تونس، هذا القرار بإجراءات المصالحة التي ساعدت دولتي رواندا وجنوب إفريقيا على تجاوز الماضي. وقال لوكالة رويترز: "حان وقت إنهاء عزل هؤلاء المسؤولين الذين يمكنهم المشاركة في بناء تونس الجديدة".


رجال النظام القديم


وفي سياق مماثل، عزا السياسيون والمراقبون المتعاطفون الأداء الاقتصادي التونسي الرديء عقب الثورة بصورةٍ عامة إلى حالة عدم اليقين داخل الإدارة فيما يتعلَّق بمستقبل رجال النظام القديم.

ومع ذلك، تظل مجموعات المعارضة مثل "مانيش مسامح" مُتشكِّكةً في القرار.

وقالت ندا التريقي، وهي واحدة من بين 80 ألف ناشط تابعين للمجموعة على الإنترنت: "لا نُصدِّق أنَّ هذا القانون للمصالحة؛ لأنَّه لا يمكن أن تتم مصالحة دون حساب. لا يمكننا معالجة آثار الماضي إن لم يمثل مَن تسبَّب بجرحنا وسرقتنا أمام المحاكم، وأن تتَّحقق العدالة لضحايا تلك الجرائم. لهذا نرفض تسميته بقانون المصالحة، نسميه قانون العفو عن الفساد".

وقالت ندا إنَّ مناقشة ستكون خطأً يعيد قبول المسؤولين السياسيين الذين "يمثلون الحاشية الفاسدة في نظام بن علي. وإن تحدَّثت عن الموظفين الإداريين الذين تُركِّز عليهم تلك النسخة من القانون، ستجدهم في صلب الفساد المؤسسي في البلاد".

ولا يزال الكثير من أعضاء الإدارة التونسية السابقة للثورة في مناصبهم، وعلى الرغم من المكاسب الديمقراطية التي تحقَّقت في السنوات الست الماضية، لا يزال الفساد يُشكِّل مصدر قلقٍ رئيسي لعامة الشعب في ظل اقتصادٍ فاشل، ومعدل بطالة يصل إلى 20٪. وأظهرت نتائج استطلاعٍ للرأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي في سبتمبر/أيلول الماضي أنَّ 89٪ من التونسيين يعتقدون أنَّ معدل الفساد الآن أعلى مما كان عليه قبل عام 2011.

وتعليقاً على مشاهد الفساد قبل الثورة التونسية، يقول أشرف العوادي، رئيس منظمة "أنا يقظ" الرقابية التونسية: "هناك تقرير من صندوق النقد الدولي يقول إنَّه قبل عام 2011، كان حوالي 25٪ من إجمالي الاقتصاد التونسي في يد بن علي وعائلته. وبعد ذلك هناك مستويان أو ثلاثة من مستويات من الفساد تحت عائلته، هم: الأصهار، والحزب، وأصدقاء الحزب، وبطبيعة الحال، هناك الإدارة التي كانت تساعد كل هذه المستويات على طول الخط".

وبالنسبة للعديد من المنخرطين في المجتمع المدني، يبدو أنَّ الماضي يُكرِّر نفسه. فعلى الرغم من حملة الفساد التي قام بها رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، عاد خمسة أعضاء من الحزب الحاكم في النظام القديم، التجمع الدستوري الديمقراطي، إلى حكومته في وقتٍ سابق من هذا الشهر.

يقول العوادي: "كنتُ واحداً من عددٍ قليل جداً من المنخرطين في المجتمع المدني الذين دعموا حربه على الفساد. إذا كان يريد محاربة الفساد، فنحن معه. لكنَّه لا يمكنه الشروع في محاربة الفساد ثم يقوم بعد ذلك بتعيين رجال أعمال من الفاسدين. إنَّه تحرُّكٌ يتماشى مع تمرير قانون المصالحة. وفي هذا القانون، لم تُذكَر أبداً كلمة "ضحية". لا نرى أبداً أي ضمان في مواد هذا القانون لعدم تكرار هؤلاء الرجال لما فعلوه مرةً أخرى، خاصةً أنَّ فسادهم لا يزال داخل ذاكرة الشعب التونسي. لدينا فرصة واحدة، وإن لم نستغلها بشكلٍ صحيح، ستبدأ دورة الفساد بأكملها من جديد".