رؤيته تعاني الضباب.. السعودية تخوض صراعاً للتغلب على الركود وإعادة التوازن والصين تقدم بعض الحلول

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
FAYEZ NURELDINE via Getty Images

قالت صحيفة فايننشيال تايمز الأميركية إن توجّه السعودية نحو فترةٍ من الركود يأتي في وقتٍ سيّئ لولي العهد الجديد محمد بن سلمان. فالبطالة تستمر في الارتفاع، ما يهدِّد العقد الاجتماعي. وخارجياً، يبدو أن الحرب في اليمن والخلاف مع قطر قد وصلا إلى طريق مسدود، يُضاف إلى ذلك المسألة الشائكة المُتعلِّقة بتدهور صحة الملك سلمان.

وأضافت الصحيفة أن ذلك ربما لم يكن هو الوضع الذي يتصوَّره ولي العهد قبل 18 شهراً عندما أطلق برنامجه الطموح "رؤية 2030"، وأبدى أمله في ألا تعتمد السعودية على عائدات النفط. وقال: "خلال 20 عاماً سنكون اقتصاداً لا يعتمد أساساً على النفط.. ولن نهتم بأسعار النفط - 30 دولاراً أو حتى 70 دولاراً، فكل التغييرات متساوية بالنسبة لنا. ولن تصبح تلك معركتنا".

وبدأت المشاكل بعد بضعة أشهر عندما قَلَبَ وزير النفط الأسبق علي النعيمي سياسة حصص المشاركة ووقَّعَ على سياسة أوبك الفاشلة لتكرار الحصص في وقت مبكر من الثمانينيات. آمل النعيمي أن تؤدي الصفقة الجديدة، من خلال ضم روسيا، إلى "إعادة التوازن" لأسواق النفط وإنتاج البرميل تحت سقف 50 دولاراً. ومن شأن ذلك أن يُعزِّز بدوره احتمالات طرح 5% من أسهم شركة أرامكو السعودية، حيث يبلغ هدفها العالمي حوالي تريليوني دولار.

ولكن منحت هذه السياسة حياةً جديدةً لمنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، خاصة في حوض بيرمي، الذي لديه القدرة على أن يصبح أكبر حقل نفط في العالم. وقد سهَّلَت سياسة النعيمي تطوُّر هذا الحقل على نحوٍ فعَّال.

وتقول فايننشيال تايمز إن الأسوأ من وجهة النظر السعودية هو أن إنتاج بيرمي للنفط قد استمر في الارتفاع من مستوى ديسمبر/كانون الأول 2014 البالغ 219 برميلاً يومياً. وقد تضاعف عدد البراميل مؤخراً إلى نحو 572 برميلاً يومياً، في حين تضاعف تقريباً عدد الآبار غير مكتملة الحفر من 1204 إلى 2330.

وما يبعث على القلق أيضاً، بحسب الصحيفة، هو أن السعودية اضطرت إلى تحمُّلِ العبء الرئيسي من التخفيضات الموعودة. إذ إن تخفيضاتها البالغة 519 ألف برميل يومياً تكاد تساوي مجموع تخفيضات أوبك البالغة حوالي 517 ألف برميل يومياً.

وبطبيعة الحال، فإن أعضاء أوبك الآخرين سيستمرون في الإطراء على المملكة لأنهم يجنون المكاسب من ارتفاع الأسعار بسبب قيودها على الإنتاج.

لكن الصحيفة الأميركية تطرح تساؤلاً عمَّا إذا كانت استراتيجية الحصص هي حقاً السياسة الصحيحة للمملكة نفسها. فقبل عام، تكهَّنت أوبك بأن نظام الحصص الجديد سيتجه "لإعادة التوازن إلى سوق النفط" في النصف الأول من هذا العام.

وقد ثبت أن هذا التوقُّع كان مفرطاً في التفاؤل، فقد كان من المفترض أن يتحقَّق إعادة التوازن بحلول مارس/آذار 2018. لكن الآن، يبدو أن إعادة التوازن قد تستغرق حتى نهاية عام 2018، بل ويمكن أن تتطلب مزيداً من التقليص للإنتاج.


تهديد متزايد لسوق النفط


هناك شكوكٌ أكبر حول جدوى هذه السياسة على المدى الطويل، بالنظر إلى التهديد المتزايد لسوق النقل الرئيسي للنفط بسبب صعود السيارات الكهربائية.

وقد اعتاد المنتجون على تجاهل هذا التطور، قائلين إنَّ نمو الطلب فى الصين والهند وغيرهما من الأسواق الناشئة سيؤمِّن مستقبل البترول. لكن لم يعد بإمكانهم تجاهل المخاوف المتزايدة بشأن التلوث الناجم عن السيارات التي تعمل بالبنزين وبالديزل.

وقد أعلنت الهند بالفعل أن جميع السيارات الجديدة سيجري تشغيلها بالكهرباء بحلول عام 2030، في حين تدرس الصين خطوة مماثلة. ولدى الصين حافز مزدوج للمضي قدماً في هذه السياسة؛ وذلك لأنها لن تدعم استراتيجية الرئيس شي جين بينغ لمكافحة التلوث فحسب، بل ستخلق أيضاً فرصةً لشركاتها المتخصصة بصناعة السيارات في إحراز تقدم عالمي بإنتاج السيارات الكهربائية.

ولذلك يبدو من المناسب أن يعود الأمير سلمان إلى نهجه السابق تجاه سعر النفط. فمن الواضح أن استراتيجية إعادة التوازن لم تُسفِر عن نتائجها المُتوقَّعة، بل والأسوأ من ذلك، هو أن منتجي النفط الصخري الأميركيين يُكثِّفون الآن إنتاجهم بحماس على حساب المملكة.

وقد انخفضت صادرات المملكة من النفط الخام إلى الولايات المتحدة لتصل إلى 795 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز، في حين أن صادرات النفط والمنتجات الأميركية قد وصلت مؤخراً إلى مستوى قياسي جديد يزيد على 7.6 مليون برميل يومياً، ما يقلل من حصة السعودية في الأسواق العالمية الرئيسية.

إن احتمال تزايد الطلب على النفط ليصل إلى ذروته في العقد المقبل، يُسلِّط الضوء على الصراع الذي تخوضه السعودية الآن من أجل استثمار احتياطياتها قبل أن يبدأ الطلب في الهبوط.

من منظور الجغرافيا السياسية يبدو أن التوجّه نحو الصين بدلاً من روسيا قد يكون مناسباً. ومن الواضح أن صفقة أوبك كانت منطقية بالنسبة لروسيا على المدى القصير نظراً لاعتمادها المستمر على عائدات النفط.

لكن من غير المُحتَمَل أن تصبح روسيا شريكاً استراتيجياً حقيقياً للمملكة؛ نظراً لموقعها كمنافسٍ ومنتجٍ رئيسي للنفط والغاز، وتحالفاتها الإقليمية طويلة الأمد مع إيران وسوريا. ومع ذلك، فإن الصين توفر إمكانية لعلاقة استراتيجية راسخة، التي من شأنها أن تسمح السعودية باعتبارها أكبر منتجٍ للنفط في العالم بزيادة مبيعاتها إلى ثاني أكبر سوق للنفط في العالم.

كما تُقدِّم الصين حلاً محتملاً لمسألة طرح أسهم شركة أرامكو، وذلك بعد العرض الأخير الذي قدَّمه مشترٍ صيني لم يُذكَر اسمه (لكنه مرتبط بالدولة دون شك) لشراء كامل الحصة البالغة 5%. وهذا من شأنه أن يسمح للأمير محمد بتجنُّبِ الإحراج من خلال الادعاء بتحقيق الانتصار في البيع وتجنُّب صعوبات طرح أسهم الشركة المملوكة للشعب.

وبالإضافة إلى ذلك، وربما الأهم من وجهة نظر الأمير محمد، فإن المحور الصيني قد يحُسن التوازن داخل هيئة البيعة، ويسهل طريقه إلى العرش خلفاً للملك سلمان.