"رؤية قطر 2030".. الدوحة تقفز خارج حدود الغاز والنفط وتحقق نموها الاقتصادي بقطاعات أخرى لتنويع مصادر الدخل

تم النشر: تم التحديث:
DOHA
Mlenny via Getty Images

في يوليو/تموز 2008، طرحت دولة قطر وثيقة "رؤية قطر الوطنية 2030"، التي وضعت الأسس النظرية والآليات العملية لتحقيق الموازنة، بين الموارد الطبيعية والبشرية والنمو الاقتصادي خلال العقود اللاحقة.

ومع أن "رؤية قطر الوطنية 2030"، تهدف أولاً إلى تنويع الاقتصاد القطري وضمان بيئة مستقرة ومستدامة في قطاع الاستثمارات، فإنها في الوقت ذاته تسعى لتعزيز المنافسة واستقطاب المزيد من الاستثمارات، وتحفيز النمو، خاصة بعد الفوز باستضافة مونديال 2022.

احتضان كأس العالم لكرة القدم، يترتب عليه حاجة الدوحة المستمرة للسيولة النقدية، وفق تصريحات أدلى بها وزير المالية القطري، علي شريف العمادي، لصحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية.

وأكد العمادي أن جهاز قطر للاستثمار (صندوق الثروة السيادية للبلاد)، "ضخ أكثر من 20 مليار دولار في البنوك؛ لتوفير السيولة، وتعويض ودائع مسحوبة"، نتجت عن قطع 4 دول عربية علاقاتها مع الدوحة.

وتعصف بالخليج أزمة حادة منذ 5 يونيو/حزيران الماضي، بعدما قطعت السعودية ومصر والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر؛ بدعوى "دعمها للإرهاب"، وهو ما نفته الدوحة، معتبرةً أنها تواجه "حملة افتراءات وأكاذيب".


اكتفاء ذاتي


الحكومة القطرية، أولت اهتماماً لتوطين الصناعات ودعمها، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي والحفاظ على السيولة محلياً، وتعزيزها عبر زيادة نسب التصدير للمنتج الوطني إلى العالم؛ تحقيقاً لمبدأ التنويع الاقتصادي الذي تم إقراره أصلاً قبل الأزمة الخليجية الأخيرة.

وأخذت الدوحة على عاتقها عدم الاعتماد على النفط والغاز كمصدر رئيس للدخل؛ لتكون إحدى أبرز ركائز الرؤية الوطنية 2030، تنويع الاقتصاد"، وفق تصريحات رئيس غرفة قطر، الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، لوكالة الأناضول.

هذا الدعم لم يكن وليد اللحظة أو فترة ما بعد مقاطعة الدول الأربع، يؤكد الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني؛ "بل دأبت قطر منذ 2008 على الاتجاه بخطى مدروسة في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والمستثمرين في هذا القطاع التنموي الحيوي؛ لتوطين الصناعات وتغطية جزء من حاجة السوق المحلية التي تأثرت بإجراءات دول المقاطعة".

وقال إن بلاده قدمت "تسهيلات كبيرة لتشجيع الاستثمار في تلك القطاعات، كما تم تنظيم معارض تشجع على طَرق أبواب التصنيع واستخدام المنتج الوطني".

ويضطلع بنك قطر للتنمية بالدور الريادي في تقديم تسهيلات تتواءم مع توجهات الدولة للنهوض بالقطاع الصناعي، ودعم وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة "التي تشكل 80 في المائة من القطاع الخاص".

وأوضح رئيس غرفة قطر أن "محفظة البنك التمويلية للمشاريع تصل إلى 7.5 مليار ريال قطري (ملياري دولار)، بينما إجمالي التمويلات خلال السنوات الأخيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة عبر برنامج تشارك فيه بنوك محلية يبلغ 8 مليارات ريال (2.2 مليار دولار).

ويبلغ عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة القطرية، بحسب المسؤول القطري، 250 شركة، "لها اليوم قدم راسخة في عدد كبير من الأسواق، أدخلنا فيها صناعات جديدة مبنيّة على المعرفة".


استثمارات ضخمة


وحسب بيانات متوافرة لدى غرفة قطر، مصدرها إدارة المناطق الصناعية بوزارة الطاقة والصناعة، فإن عدد المصانع العاملة المسجلة لدى الوزارة "ارتفع من 334 منشأة في 2000، إلى 707 منشآت بنهاية 2016".

بينما بلغ حجم استثماراتها خلال 2016 نحو 260 مليار ريال قطري (نحو 70 مليار دولار)، وعدد العاملين فيها يصل إلى 88.6 ألف عامل وموظف.

وتوضح البيانات أن "عدد المصانع التي بدأت الإنتاج في المناطق الصناعية بلغ 260 مصنعاً حتى نهاية يوليو/تموز 2017، فيما هناك 79 مشروعاً في المراحل النهائية لبدء الإنتاج، و279 مشروعاً على قائمة الانتظار".

ونتيجة لما يتم تقديمه من "حوافز مجزية"، كما يصفها رئيس غرفة قطر، بلغ عدد المنشآت الصناعية القائمة والمقيدة بالسجل الصناعي 728 منشأة حتى نهاية يوليو/تموز 2017، بحجم استثمار يصل إلى نحو 262 مليار ريال قطري (71.8 مليار دولار)؛ بعدد عاملين 90.869 ألف عامل وموظف.

وتعتمد دولة قطر في اقتصادها على إيرادات الإنتاج النفطي والغاز الطبيعي، إلا أن المخططين لاقتصاديات ما بعد النفط، وجدوا منذ 10 سنوات ضرورة الشروع في الاهتمام بقطاعات أخرى؛ لتعزيز وتنويع مصادر الدخل.

ومع بدايات مقاطعة الدول الأربع (الحصار) في يونيو/حزيران الماضي، باشرت الجهات المعنية بزيادة وتيرة إصدار شهادات المنشأ لصادرات قطرية إلى أكثر من 60 دولة حول العالم في "تحدٍّ للحصار المفروض عليها".

لكن الحصار الذي كان له تأثير محدود في بداية الأزمة الخليجية على مستوى تراجع قيمة الصادرات خلال يونيو/حزيران، سرعان ما تضافرت جهود القطاعات الاقتصادية لتعود وتيرة الصادرات إلى طبيعتها.


مزيد من المحفزات


ويتحدث رئيس غرفة قطر بلغة الأرقام، قائلاً: "إن الصادرات غير النفطية، أو حجم التجارة الخارجية للقطاع الخاص لشهر يوليو/تموز 2017، بلغ 1.3 مليار ريال، وهي نفس قيمة الصادرات في أبريل/نيسان الماضي؛ أي ما قبل الحصار".

ويؤكد الشيخ خليفة بن جاسم أن ذلك يعني "أن الصادرات بعد الحصار لم تتأثر سلبياً، كما أن الصادرات خلال أغسطس/آب 2017، وصلت إلى 1.8 مليار ريال مقارنة بـ1.5 مليار ريال في الفترة المناظرة من 2016".

وخلال الشهر الماضي، بلغت الصادرات غير النفطية 1.6 مليار ريال، مقارنة بنحو 1.1 مليار ريال خلال الشهر نفسه من 2016.

"قدمت دولة قطر قبل فترة الحصار الكثير من المحفزات التي تشجع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى السوق القطرية"، كما يقول الشيخ خليفة. وأضاف: "هذه الحوافز تمثلت في التشريعات والقوانين، وتسهيل إجراءات إقامة الأعمال، والإعفاءات الجمركية والضريبية، وغيرها من المزايا والمحفزات".

وأشار إلى أن قطر أصبحت "من أكثر الواجهات الجاذبة للاستثمار في العالم، بفضل السياسات الرائدة للدولة"، بحسب وصفه.

وصدّقت الدوحة على العديد من الإجراءات الاقتصادية بعد الحصار، منها "الموافقة على قانون إنشاء المناطق الصناعية وإحالته إلى مجلس الشورى، إضافة إلى القرارات الهادفة إلى دعم الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص ودعم القطاع الصناعي".

وشملت الإجراءات الإضافية، لتقديم المزيد من التسهيلات، خفض إيجارات المناطق اللوجيستية بنسبة 50 في المائة خلال عامي 2018، و2019.

أيضاً، أعلنت الدوحة إعفاء المستثمرين من القيمة الإيجارية خلال 2018 في حال استخراج رخصة البناء قبل نهاية يناير/كانون الثاني المقبل، إضافة إلى تسهيلات القروض لأصحاب المشاريع الصناعية وزيادة نسبة شراء المنتجات المحلية من 30 في المائة إلى 100 في المائة للأجهزة والجهات الحكومية كافة.

ويؤكد الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني أن "كل هذه التسهيلات تحفز الكثير من المستثمرين، على زيادة استثماراتهم في قطر دون الالتفات إلى الحملات الإعلامية التي تستهدف إعطاء صورة مغلوطة؛ لدفع المستثمرين بعيداً عن القطاع الصناعي لدولة قطر".