أكبر قضية فساد في مصر تزداد غموضاً.. بدأت ببيع البترول لبشار الأسد وانتهت باختفاء مليار دولار من حسابات الشركة

تم النشر: تم التحديث:
DOLLARS
KevinHyde via Getty Images

محمد محفوظ الأنصاري، متهم رئيسي في قضية فساد تحمل رقماً مصرياً عادياً: القضية 433 لسنة 2016. لكنه أصبح حديث الجميع في مصر؛ لأن حجم القضية غير عادي، فهي أكبر واقعة فساد بقطاع البترول في التاريخ، باختلاسات تقترب من مليار دولار عبر التلاعب بحسابات الشركة، كما تقول أوراق الدعوى.

المتهم الذي كان نائب رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي لشركة تراي أوشن للطاقة، دافعت عنه تقارير أخرى، ووصفت الاتهامات بأنها مفبركة في إطار حملة تصفية حسابات يقودها رجال أعمال للنيل من الرجل "الخلوق" في قطاع الطاقة، فيما أفصحت مصادر مستقلة عن أوراق القضية لـ"هاف بوست عربي"، أن ثمة "أموالاً" حصل عليها الأنصاري عبر نشاط الشركة بشكل غير مباشر، وأن الأزمة ظهرت للعلن عندما رفض الأخير اقتسام المال مع شركائه.


لماذا تبدو القضية غامضة وغير عادية إلى هذه الدرجة؟


في العادة، لا تخرج إلى الإعلام قضايا فساد بهذا الحجم في القطاع الخاص عموماً وقطاع البترول على وجه الخصوص؛ فشركات القطاع الخاص تمتلك أدوات حسابية ورقابية للكشف على الإيرادات والمصروفات كل 3 أشهر على الأقل، ولديها من الأدوات ما يمكنها من كشف الفساد في مراحل متقدمة.

لكن القضية الحالية تتحدث عن اختلاسات بمليار دولار تمت لـ3 سنوات متواصلة ولم تُكتشف سوى في عامها الثالث، وهو ما يرجح سيناريو وجود عمليات خارج الإطار القانوني تمت على مرأى ومسمع الجميع، لكن اختلافاً في اقتسام الأموال أدى إلى نهاية غير سعيدة بين للشركاء.

كذلك، فإن قطاع البترول، على وجه الخصوص، يتعامل بشكل كبير مع المستثمرين الأجانب الذين يوفرون التكنولوجيا التي تفتقر إليها الشركات المحلية والعربية، وهو ما يترتب عليه رقابة لا ترحم فيما يتعلق بالفساد.

كما أن قطاع البترول بمصر يتسم في الغالب بسرية الاتفاقات بين الشركات ومدى الامتيازات التي تحصل عليها من الدولة والتسهيلات التي يتم توفيرها لها، ومعظم الشركات الخاصة العاملة في القطاع غير ملزمة بالكشف عن ميزانياتها؛ لكونها غير مدرجة في البورصة.

سارعت مصادر قطاع البترول بتأكيد أن "الاختلاس الذى حدث لا علاقة له بوزارة البترول أو أي من قطاعاتها، وأن هناك قلقاً لدى قيادات القطاع من تأثير هذه القضية على القطاع وسُمعته".

حمدي عبد العزيز، المتحدث السابق لوزارة البترول والثروة المعدنية، قال لـ"هاف بوست عربي" إن التلاعبات في "تراي أوشن" تخص الشركة وحدها ولا تخص قطاع البترول؛ "لأن قطاع الرقابة في هيئة البترول يراقب الشركات الأجنبية التي تشترك مع القطاع في كيانات مشتركة فقط".


من هو المتهم الأول في هذه القضية؟


محمد محفوظ محمد الأنصاري، نجل محفوظ محمد عوض الأنصاري الرئیس السابق لمجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط (منذ 1998 إلى 2005) ورئيس تحریر جریدة الجمھوریة (منذ 1984 إلى 1998).

الأنصاري الابن، يشغل منصب عضو مجلس إدارة شركة ناقلات البترول "ETC"، وهو خريج كلیة إدارة الأعمال بجامعة ھارفارد وجامعة ماساتشوستس، وسبق له العمل بمجموعة شركات شل. وهو يحمل الجنسية الهولندية إلى جانب الجنسية المصرية.


ماذا قال من يدافعون عن موقف الأنصاري بالقضية؟


يرى المدافعون عن الأنصاري أن الاتهام الذي تقدمت به شركة تراي أوشن تجاه الأنصاري "ينطوي على قدر كبير من افتراض السذاجة في أعضاء مجلس إدارة الشركة الأم (المصرية الكويتية) وهم من المخضرمين في عالم التجارة الدولية، وعلى رأسهم معتز الألفي رجل الأعمال المصري الذي يترأس مجلس إدارة (المصرية الكويتية) إلى جانبه منصبه رئيساً لمجموعة أميركانا للمنتجات الغذائية، وشركة الدلتا للتأمين، والقاهرة للدواجن، وهو أيضاً نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة الأميركية بالقاهرة، وعضو مجلس إدارة مؤسسة مجدى يعقوب للقلب".

كما يرون أن تبنّي صحف قريبة من النظام وليس معروفاً عنها شن حملات جادة ضد الفساد الحقيقي، رواية واحدة هي رواية خصوم الأنصاري- يلقي مزيداً من الشك حول الأسباب الحقيقية للنزاع، لا سيما أن تلك الصحف تورطت في الترويج لقرار "تقليدي" من النائب العام بالتحفظ على أموال المتهم، بحسبانه دليلاً على إدانة الأنصاري.

للأنصاري، على ما يبدو، رجاله وخطته لحسم النزاع، فالرجل حرص على عدم الرد شخصياً على كل ما أثير ضده؛ بل ولم تجب هيئة الدفاع عنه عن أسئلة "هاف بوست عربي"، لكن كُتاب رأي ومسؤولين بقطاع الطاقة تولوا حملة للدفاع عنه في المواقع الإلكترونية وعلى السوشيال ميديا، اعتمدت قبل كل شيء على رصيد الرجل من "حسن الخلق"!


ماذا تقول الأوراق الرسمية عن الشركة؟


يشير حساب شركة "تراي أوشن" على موقع "لينكد إن" إلى أنها تأسست عام 2006، وتعود ملكيتها لعدد قليل من الأشخاص، وتعمل في مجال التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما وتسويقهما، بينما يوضح بروفايل الشركة على موقع "زاوية" أنها توظف نحو 60 شخصاً.

وبحسب بيانات صادرة عن الشركة، فإن "تراي أوشن" هي إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة المصرية الكويتية التي تمتلك عائلة الخرافي الكويتية الجزء الأكبر منها، كما يمتلك بنك "سي آي بي-CIB" حصة فيها، واستحوذت في 2014 على حقلين للغاز الطبيعى في البحر الأبيض المتوسط شمال سيناء؛ هما "كاموس"، و"تاو" اللذان يحتويان على احتياطيات تزيد على 200 مليار قدم مكعب.


2013: التجارة السرية مع بشار الأسد


في عام 2013، أصدر الاتحاد الأوروبي قراراً بوضع شركة "تراي أوشن تريد" تحت الحظر، وتجميد كل ما يتعلق بالشركة من أعمال وأموال، بعد اتهامها بخرق العقوبات المفروضة على نظام بشار الأسد عبر إمداد سوريا بشحنات من النفط.

ونشرت رويترز في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، تحقيقاً قالت فيه إن وثائق كشفت تلقي نظام الأسد واردات كبيرة من النفط العراقي من ميناء سيدي كرير المصري في أول 9 أشهر من 2013 ضمن تجارة سرية، وقالت إن تلك التجارة التي تنكرها الشركات المعنيّة "تدرُّ أرباحاً طائلة؛ إذ تطلب الشركات مبالغ كبيرة فوق التكلفة المعتادة للنفط مقابل تحمُّل مخاطرة شحنه إلى سوريا".

وأضافت أن الوثائق كشفت أن شركة تراي أوشن للطاقة كانت ضمن من تولّوا تحميل شحنات نفط إلى سوريا، ونقلت عن مصدر حكومي في إحدى دول الاتحاد الأوروبي قوله إن الولايات المتحدة تتحرى أمر "تراي أوشن".


لكن "تراي أوشن" نفت في بيان للصحافة أصدرته في الشهر ذاته، تورُّطها في إرسال أي شحنات إلى سوريا، وقالت إنه لم يحدث بتاتاً أن قامت الشركة بتوريد خام نفط إلى سوريا، وأنها لا ولم تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع أي من الشركات الإيرانية أو السورية.

فيما تحدثت تقارير إعلامية عن "وسيط تركي" كان يشتري الشحنات من "أوشن" ثم يعيد بيعها مرة أخرى إلى سوريا، مع شكوك حول دور الأنصاري في تنسيق تلك الصفقات، "محمد الأنصاري أصبح محل شك لدى الملاك باعتبار أنه سهّل وصول الشحنات إلى المستورد التركي، ورتّب معه وصول الشحنات إلى سوريا، مع وضع اسم تركيا كمستورد".


البلاغ رقم 1: اختلاس 962 مليون دولار


في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحدثت تقارير إعلامية لأول مرة عن "أكبر قضية فساد بقطاع البترول المصري في التاريخ".

بدأت الحكاية ببلاغ للنيابة من "تراي أوشن" يفيد باكتشافها اختلاس 962 مليون دولار من حساباتها خلال الفترة من 2014 إلى 2016، متهمةً الأنصاري ومحمد فرحات المدير المالي السابق للشركة بالوقوف وراء الاختلاس.

طاهر الخولي المحاسب المالي والمستشار القانوني للشركة، قدم مستندات ادعى أنها تكشف التحويلات المالية التي أجراها المتهمان لحسابات في الخارج، وتضمنت كشفاً بأسماء شركات وهمية بالخارج تعمل في مجال البترول، أنشأها المتهمان لإجراء توريدات ونقل مواد بترولية.

وأضافت التقارير أن نيابة الأموال العامة العليا أجرت تحقيقاً استدعت خلاله الخولي واستمعت لأقواله، ثم أمرت بتشكيل لجنة ثلاثية من البنك المركزي، وهيئة الرقابة المالية، لفحص أوراق الدعوى وفحص المعاملات المالية كافة للمتهمين فترة عملهما بالشركة، وأمرت بمنعهما مؤقتاً من السفر والتحفظ على أموالهما ومنعهما هما وزوجتيهما وأولادهما القصّر من التصرف فيها. ثم أيدت محكمة جنايات القاهرة قرار النائب العام.

وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2017، قالت الشركة القابضة المصرية الكويتية في بيان للبورصة المصرية، إنها "فقدت السيطرة" على "تراي أوشن" اعتباراً من 25 فبراير/شباط 2016، وإن العلاقة بين الطرفين انتهت. ولم توضح ملابسات هذا الإجراء.

ومنذ 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري حتى اليوم، لم تنشر الصحافة أي جديد عن سير القضية.


اختلاس مليار دولار من شركة دخلها 1.6 مليار دولار؟


على صفحته الرسمية بفيسبوك، كتب أحمد زهران، الرئيس التنفيذي لشركة "كرم سولار" لتكنولوجيا الطاقة الشمسية، محاولاً تفنيد الاتهامات الموجهة للأنصاري، باعتبارها لا تتعدى "تصفية حسابات" من رجال أعمال أقوياء ونافذين في الدولة، على حد قوله.

وأضاف أن الاتهام هو الثالث من نوعه ضد الأنصاري، بعد بلاغين تم حفظهما؛ لثبوت فبركة الاتهامات.

وتابع أن الشركة حققت 1.6 مليار دولار إجمالي دخل (دخل وليس ربحاً) في عام الاختلاس، أي إن الرجل سرق 56% من إجمالي دخل الشركة.

واعتبر زهران الهدف من الحملة الحالية هو ربط اسم الأنصاري بالفساد وعزله عن الناس، "أنا عندي تفاصيل كتير لأسباب الخصومة ولأسباب إصرارهم على كسر أنصاري، لكني مش من حقي أحكيها وهو ممكن يحكيها لو عايز".


أسامة داود رئيس تحرير موقع "طاقة نيوز"، لفت أيضاً إلى أن الأنصاري يحمل الجنسية الهولندية، وهي جنسية ترتب عليه حقوقاً كما يترتب عليها امتيازات، "لو كان قد ثبت ضلوع الانصاري في تهريب شحنات بترول لسوريا، لخضع لعقوبات في الاتحاد الأوروبي لا تمتد فقط إلى تجميد أمواله؛ بل تصل إلى تقييد حريته بالسجن".


وماذا يقول المسؤولون في الشركة؟


يرفض المسؤولون بالشركة الردَّ على أسئلة "هاف بوست عربي"، لكن مصدراً قريب الصلة بشركة "تراي أوشن" اعتبر "القضية بأكملها تصفية حسابات بين قيادات الشركة والأنصاري".

وأضاف: "الرجل كان هو المسؤول عن توريد شحنات من النفط إلى عدد من الدول العربية، من ضمنها سوريا، وحصل خلال فترة عمله في الشركة على عمولة عن تلك الشحنات، ورأت قيادات الشركة أن تحصل على نسبة من تلك العمولة، لكن الأنصاري رفض فقرروا توجيه مقاضاته بهذه التهمة".

مصدر آخر قال لـ"هاف بوست عربي"، إن الأنصاري ترك شركة "تراي أوشن" في النصف الأول من عام 2015، "الاتهام يقول إن الأنصاري قام بالاختلاس خلال الفترة من عام 2014 إلى 2016 فكيف لشخص أن يُتهم باختلاس أموال في شركة لا يعمل بها؟".


لهذه الأسباب تصبح القضية أكثر غموضاً حتى الآن


1- الاتهامات تشير إلى اختلاسات في الفترة بين 2014 و2016 بينما الأنصاري غادر الشركة في 2015.

2- موقع الشركة غير متاح ومسؤولو الشركة ممتنعون تماماً عن الرد على أسئلة الإعلام.

3- مالك الشركة غير معروف بعد بيان "المصرية الكويتية" عن بيع الشركة.

4- البلاغ مقدَّم منذ عام، لكن الإعلام المصري احتفى بالخبر فقط بعد قرار المحكمة 5 في الأسبوع الماضي بالتحفظ على أموال المتهمَين والتحقيق معهما.

5- من غير المعروف إذا ما كان المتهمان قيد الحبس الاحتياطي أم أُطلق سراحهما.

فريقا الدفاع عن المتهمين لا يردّان على اتصالات وأسئلة الإعلام.