الخاسر والرابح من أزمة كردستان.. كيف استطاعت إيران وروسيا زيادة نفوذهما في الإقليم؟

تم النشر: تم التحديث:
KIRKUK
1

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة The Nation الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

تسبَّبَت أحداث الأسبوعين الأخيرين بالعراق في إضفاء المزيد من القلق والريبة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية بالشرق الأوسط، وأثارت الشكوك في قدرة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على السعي في تنفيذ وعوده بالحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة.

إذ أدى استيلاء الجيش العراقي في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين العراق وكردستان، بمساعدة الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران والمعروفة باسم قوات الحشد الشعبي- إلى تغييرٍ جذري داخل حكومة إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق. والآن، يستعد وكلاء إيران الأكراد لممارسة مزيدٍ من التأثير على السياسات المحلية، بقدرٍ أكبر من تأثيرها طوال السنوات العشرين الماضية، بحسب ما ذكرته مجلة The Nation الأميركية.

منذ عام 1997، بعد انتهاء الحرب الأهلية العراقية-الكردية بين الاتحاد الوطني الكردستاني وخصمه الحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي انتهت بانتصار الأخير، تعرَّض هؤلاء الوكلاء للتهميش داخل حكومة إقليم كردستان، وخاصةً الاتحاد الوطني الكردستاني؛ إذ هيمن الحزب الديمقراطي على البرلمان، وسيطَرَ على منصب الرئاسة، ونَسَجَ علاقات عمل وثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وتركيا، وإسرائيل، حسب قول البعض.

ولكنَّ الأحداث التي صاحبت سقوط كركوك، غيَّرت هذا الوضع بطريقةٍ ستؤدي -على الأرجح- إلى زيادة نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني وإيران، اللذين نتيجةً لذلك سيكون لهما تأثيرٌ أكبر على سياسات إقليم كردستان، على الأرجح على حساب الحزب الديمقراطي الكردستاني والولايات المتحدة.

ونتج بالفعل عن الضغط السياسي والعسكري الذي بذله وكلاء إيران على الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، نتائج ملموسة: ففي مساء يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت حكومة إقليم كردستان، التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني، أنَّها قرَّرت تجميد نتائج استفتاء الاستقلال المثير للجدل الذي أجرته يوم 2 سبتمبر/أيلول الماضي، ومشاركتها في حوارٍ مفتوح مع الحكومة العراقية ببغداد. وحدث هذا بعد أيامٍ فقط من إعلان قادة الاتحاد الوطني الكردستاني استنكارهم الاستفتاء، وهو ما يعد اتفاقاً مع الموقف الإقليمي والدولي فيما يتعلق بشرعيته.

ورغم أنَّ هذه التطورات ربما تلقى ترحيباً من واشنطن، التي تُعارض الاستفتاء كذلك، فإنَّها بالكاد تُعد انتصاراً للولايات المتحدة. فالدبلوماسيون الأميركيون، ومن ضمنهم وزير الخارجية الحالي ريكس تيلرسون، عبَّروا للسياسيين الأكراد بوضوحٍ عبر السنين عن معارضتهم انفصال الإقليم، بلا أيّ تأثيرٍ يُذكَر. ولكنَّ قوة ودبلوماسية وكلاء إيران كانتا هما السبب في تغيّر موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وليس الولايات المتحدة.

وربما تتدهور كذلك، علاقة الحزب الديمقراطي الكردستاني بواشنطن جزئياً؛ لأنَّ الولايات المتحدة فشلت في تقديم الدعم العسكري، أو الدبلوماسي، أو السياسي للقوات الكردية بكركوك، وأيضاً لأنَّ إدارة ترامب عارضت استفتاء الاستقلال.

وقال روبرت فورد، الدبلوماسي السابق وسفير الولايات المتحدة لدى العراق عقب غزو العراق، لمجلة ذا ناشن الأميركية: "عندما كنتُ أخدِم في العراق، كان هدفنا هو موازنة مسؤولياتنا والتزاماتنا باستمرار ناحية كلٍ من العراق وحكومة إقليم كردستان دون أن نبدو كأنَّنا نُفضِل أحدهما على الآخر. ولكنِّي أعتقد أنَّ هذا سيكون أصعب بكثير حالياً".

وربما تسمح صفقةٌ أخيرة بمليارات الدولارات بين روسيا ومسؤولين في الحزب الديمقراطي الكردستاني لموسكو بجذب حلفاء أميركا التقليديين بعيداً عن دائرة نفوذ واشنطن.

جاءت هذه الأحداث بعد أيامٍ من إعلان ترامب يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بخصوص تصنيف وزارة الخزانة الأميركية الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية وفرض عقوباتٍ جديدة عليه. وهدَّد ترامب في خطابه كذلك بأنَّ واشنطن ربما تقرر الانسحاب من جانبٍ واحد من الاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرِمَ عام 2015.

ولكنَّ إيران أوضحت من خلال أفعالها على الأرض وأفعال وكلائها، أنَّها إما أن ترد على خطاب ترامب العدائي بالمزيد من التصعيد، وإما أنَّها لا تأخذ تهديداته بجدية فيما يتعلَّق بعملياتها العسكرية الخارجية. وفي الأيام الأخيرة، دعت الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران قوات الاتحاد الوطني الكردستاني إلى العودة لكركوك. وفي الوقت نفسه، لم يعبأ زعماء الاتحاد الوطني الكردستاني بتمركز قوات الحكومة العراقية في المؤسسات العامة المحلية والمنشآت بإقليم كردستان شمال الخط الأخضر، والمُعتَرَف به دولياً منذ عام 2003 بأنَّه يمثل الحدود الرسمية بين إقليم كردستان والحكومة العراقية المركزية.

يأتي كل هذا في الوقت الذي يختلف فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني مع تركيا، أقرب حلفائه الإقليميين؛ بسبب استفتاء الاستقلال، حتى والحزب يعاني آثار أزمةٍ اقتصادية ممتدة منذ فترة. وبينما يبدو الحزب الديمقراطي الكردستاني معزولاً، ومفتقراً إلى المال، وضعيفاً، يبدو الاتحاد الوطني الكردستاني قوياً، ومستقراً، ومتحداً مع جيرانه. وبعيداً للغاية عن هدفها في احتواء نفوذ إيران في الشرق الأوسط، شاهدت إدارة ترامب الأسبوع الماضي قطعة دومينو أخرى تسقط أمام الزحف الإقليمي للجمهورية الإسلامية.


الاتحاد الوطني الكردستاني يقدم تنازلات ويحصل على أخرى


في عام 2014، وفي أعقاب استيلاء تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) السريع على جزء كبير من شمال العراق وتسرُّع الجيش العراقي في التراجع باتجاه الجنوب، تمكَّنت قوات البيشمركة الكردية، التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، من الاستيلاء على كركوك. والأسبوع الماضي، انسحبت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني وتخلَّت عن سيطرتها على المدينة لقوات الحشد الشعبي وقوات الجيش العراقي بعد مقاومة لم تدم طويلاً كلَّفتها حياة ما يقرب من 100 جندي، وفقاً للاتحاد الوطني الكردستاني. وبالإضافة إلى ذلك، زعمت تقارير أن هذا الاستيلاء قد جاء بعد التوصل إلى اتفاق بين الاتحاد الوطني الكردستاني وبغداد بوساطة من قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم السليماني، الذي شوهد بانتظام خلال الأعوام القليلة الماضية يقود الميليشيات الشيعية الأفغانية والعراقية واللبنانية المدعومة من إيران في العراق وسوريا ضد داعش والجماعات السورية المعارضة المعتدلة التي تحارب قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

هذا وقد أفادت تقارير بأن اللواء سليماني قد قدَّمَ للاتحاد الوطني الكردستاني مجموعةً من التنازلات مقابل الانسحاب من كركوك، بعد ظهوره علناً في وقت سابق من الشهر الجاري (أكتوبر/تشرين الأول)، في مدينة السليمانية، الواقعة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، لزيارة قبر جلال طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني سابقاً والأب الروحي للحزب منذ زمن طويل.

واعترف العديدون داخل كردستان، بعضهم داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، بحقيقة تلك المزاعم. فقد قالت ريواز فايق، رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في برلمان حكومة إقليم كردستان: "إن مسؤولية الكارثة التي أصابت كركوك تقع على عاتق الطالبانيين؛ لأن عشيرة طالباني التقت عدة مرات قاسم السليماني في مدينتي السليمانية وكركوك؛ لوضع مسودة خطة لتسليم المدينة مقابل الحصول على امتيازات خاصة".

وفي ضوء تلك التصريحات الكاشفة، بدأت ريواز فايق وآخرون داخل الاتحاد الوطني الكردستاني ينأون بأنفسهم عن الطالبانيين. تعقيباً على ذلك، قالت ريواز فايق: "ذلك القرار لم يؤخذ بدعمٍ من صفوف الحزب الوطني الكردستاني، ونحن لا ندعمه".

مع أن وسائل الإعلام قد صوَّرت خسارة كركوك على أنها خسارة للأكراد، تشير أحدث التقارير إلى أن قوات الاتحاد الوطني الكردستاني لم تنسحب من المنطقة. في هذا الصدد، قال مايكل نايتس، الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن عشيرة طالباني تهيمن على هيئات صنع القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني؛ ومن ثم فهناك احتمال كبير أنهم كانوا على علم بهجوم قوات الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي الوشيك قبل حدوثه، وحصلوا على تنازلات لصالحهم بناءً على ذلك؛ لطالما كان تلقي رواتب من بغداد وتشغيل شعبهم في المنشآت النفطية داخل كركوك وفي المنطقة المحيطة بها، خصوصاً المنشآت النفطية التي كان يسيطر عليها فيما مضى الحزب الديمقراطي الكردستاني، هدفاً للاتحاد الوطني الكردستاني لسنوات".

تأكدت فكرة أن بغداد سوف تسمح لمقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني بالبقاء في كركوك بعد سقوطها عملياً في يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول، حين ظهرت آلاء طالباني، وهي عضوة برلمانية عن الاتحاد الوطني الكردستاني وابنة أخ الرئيس الراحل جلال طالباني، الذي كان بدوره عضواً في الدائرة القيادية المسؤولة عن صنع القرارات داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، في لقاء أذاعه التلفزيون العراقي مع رئيس ميليشيات عصائب أهل الحق الشيعية التابعة لقوات الحشد الشعبي التي شاركت في معركة كركوك، قيس الخزعلي.

وكان الخزعلي، الذي كان قد اعتُقِلَ عام 2007 وحُكِمَ عليه بما يقرب من 3 سنواتٍ من السجن من قِبَل قوات التحالف الغربي بتهمة تدبير مقتل جنودٍ أميركيين في كربلاء، قد لخص اللقاء الذي عُقد بين الاثنين قائلاً: "يجب أن نبذل أقصى جهودنا سعياً لاستقرار الوضع، ولتقويض كل المساعي والمحاولات التي يبذلها أولئك الساعون نحو الانفصال عن العراق... وبقول هذا، فإننا نطالب باتخاذ بعض الخطوات، من بينها… إدارة مشتركة لكركوك سيشارك فيها بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني".

وتتضمَّن تنازلاتٌ أخرى، مزعومٌ منحها للاتحاد الوطني الكردستاني، دفع رواتب كوادر الحزب من ميزانية الحكومة المركزية، وضمان بقاء المنافذ الحدودية وخطوط الطيران بين بغداد وإيران والأراضي الخاضعة لسيطرة الاتحاد في ظل حكومة إقليم كردستان مفتوحةً خلال المستقبل القريب.

ويقول السفير السابق فورد: "إبقاء طرق المواصلات مفتوحةً يعد مكسباً عظيماً للاتحاد، وفي ضوء الإجراءات الراهنة المتخذة ضد حكومة إقليم كردستان ككل، فإن ذلك سيعد حافزاً كبيراً لقادة الاتحاد الوطني الكردستاني للوصول إلى تسويةٍ مع الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي حول وضع كركوك". ويتابع: "أُتيح للاتحاد الوطني الكردستاني أن يحيا ليقاتل في يومٍ آخر، وقد بحثوا كيفية حماية مصالحهم في الوقت الراهن".

تعد وعودٌ كهذه بارزة الأهمية، فيما تتخذ إيران وتركيا خطواتٍ منذ استفتاء الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول لعزل حكومة إقليم كردستان عن دول الجوار، سواء عبر إغلاق المجالات الجوية، أو عبر فرض حصارٍ اقتصاديٍ على التجارة الصادرة من المنطقة. ورغم ذلك الكشف، فإن آلاء وبافيل طالباني (وبافيل هو ابن جلال طالباني) وغيرهما قد أنكروا وجود اتفاقٍ صريحٍ لتسليم كركوك في مقابل بعض الحقوق الخاصة. وقد عزوا الانسحاب خلال ليلةٍ وضحاها إلى تفوُّقِ وهيمنةِ الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي مقارنةً بقوات الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني.

ويقول واسطة رسول قائد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بكركوك: "انسحابنا من كركوك كان تكتيكياً، لقد خسرنا ما يقرب من 100 جندي في الساعات الأولى من القتال ووصلنا إلى نتيجة أنها لم تكن تستحق المخاطرة بأضرارٍ فادحةٍ وأرواح الآلاف من قوات الاتحاد من أجل معركةٍ خاسرةٍ على الأرجح". وتدعم هذا الادعاء حقيقةُ أن قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني -التي لم تتهم بأنها توصلت إلى اتفاقٍ مع إيران وبغداد- قد انسحبت من مواقع أخرى متفرقة مثل سنجار وجوير وديبيس، أمام تهديد التفوق العسكري للجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي.

ومع ذلك، فقد تمادى بافيل وآلاء طالباني في الأيام التي تلت سقوط كركوك متملّقَين نفسيهما لدى المجتمع الدولي والمحلي -ولا سيما في تركيا وإيران اللتين لدى كلتيهما أقلياتٌ كرديةٌ ضخمةٍ- عبر التحدُّث صراحةً ضد الاستفتاء الذي قاده الاتحاد الوطني الكردستاني، بالإضافة إلى المطالبة بتنازلاتٍ لبغداد لم تكن مطروحةً من قبل.

وكان بافيل طالباني قد ظهر في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول، في لقاءٍ على قناة "فرنسا 24"، وصف خلاله الاستفتاء بأنه "خطأٌ جسيم". وقبل ذلك بيومين، كانت آلاء طالباني قد صرَّحت خلال لقاءٍ أجراه معها التلفزيون العراقي، قائلةً: "لا أنكر أن قاسم سليماني وجارتنا إيران لهم يدٌ في أكثر ما يجري بالمنطقة. هم يلعبون دوراً إيجابياً بتقديم الاستشارات والنصح لنا. وقد نصحنا قاسم سليماني بنفس ما نصحنا به رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وهو أن نصل إلى تفاهمٍ وأن نتخلى عن عنادنا، وأن ننسى فكرة الاستفتاء".

وفي لقاءٍ آخر أُجرِيَ في اليوم نفسه، استمرت آلاء في دعم فكرة تمركز قوات الحكومة العراقية بالمطارات الكردية، والمعابر الحدودية بين حكومة إقليم كردستان والأراضي الخاضعة للحكومة المركزية العراقية. تصريحٌ كهذا من مسؤولةٍ كردية يعد أمراً غير مسبوقٍ، وقد يعني قبول وجودٍ لقوات الحكومة العراقية شمال خط 2003 الأخضر. وإذا نُفِّذ اقتراحٌ كهذا، فإنه قد يمثل أول حادثةٍ لوجود قواتٍ عراقيةٍ في أقليم كردستان منذ عام 1997، حين تدخل حرس صدام حسين الجمهوري لدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحرب الأهلية العراقية-الكردية.

وحقيقة أن ممثلي الاتحاد الوطني الكردستاني يطالبون القوات العراقية بعبور خط 2003 الأخضر، فيما تطلب الميليشيات الشيعية، المدعومة من إيران، من قوات بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني المساعدة في إدارة كركوك- لا تترك مجالاً واسعاً للشك في المسار الحالي للجغرافيا السياسية للمنطقة في حكومة إقليم كردستان.

وفي الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، دعا وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، علناً، ميليشيات الشيعة المدعومة من إيران لمغادرة العراق؛ إذ قد انتهت مهمتهم المتمثلة في قتال داعش. وقد ردَّ رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بإصراره على أن قوات الحشد الشعبي هي قواتٌ وطنيةٌ وأن جهودهم كانت ملهمةً و"أملاً للبلاد والمنطقة".

بعد ذلك بيومين وخلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي لرئيس الوزراء لوسائل الإعلام العراقية، حثَّ العبادي مرةً أخرى السياسيين العراقيين على "البقاء بعيداً عن الأجندات الأجنبية"، الأمر الذي فسره الكثيرون بأنه انقلابٌ على تيلرسون. ويبدو أن إيران وحلفاءها العرب والأكراد يكسبون أرضاً شمال العراق.


الحزب الديمقراطي الكردستاني يخسر نفطه


بينما حقَّق الاتحاد الوطني الكردستاني مكاسب في كركوك وما حولها، تكبَّدَ الحزب الديمقراطي الكردستاني خسائر كبيرة. ففي منتصف أكتوبر/تشرين الأول، فرضت قوات الأمن العراقية سيطرتها على حقلَي باي حسن وأفانا للنفط في كركوك وحولها، الأمر الذي سبق سيطرة قوات الحزب الديمقراطي التي تعمل من خلال شركة كار النفطية.

ويُنتِج الحقلان وحدهما 280 ألف برميل يومياً، ويُمثِّلان 45% من العائدات النفطية لحكومة إقليم كردستان. وفي يوم الخسائر التي تكبَّدتها حكومة إقليم كردستان، زُعِمَ أن صادرات النفط التي تُرسَل عبر خط أنابيب "طق طق" التابع للحكومة قد انخفضت من 600 ألف إلى 300 ألف برميل في اليوم.

وفي تلك الأثناء، أعلنت الحكومة العراقية خططاً لاستغلال هذه الحقول في المستقبل من خلال تسيير صادرات النفط عبر خط أنابيبٍ ثانٍ تتحكَّم بغداد حصرياً في تشغيله، معروف باسم خط أنابيب كركوك-جيهان. وبالفعل، أعلن جبار اللعيبي، وزير النفط العراقي، في 18 أكتوبر/تشرين الأول، أنه قد تواصَلَ مع شركة بريتش بتروليوم؛ من أجلِ إجراءِ تقييمٍ لاحتياطات الحقول. ويجري خط الأنابيب هذا من كركوك عبر محافظات صلاح الدين ونينوى -وهما يُمثِّلان منطقةً بعيدةً عن سيطرة حكومة إقليم كردستان- قبل أن يمر شمالاً إلى الأراضي التركية عبر معبر فيشخابور الحدودي.

وبعد تمدُّد داعش في عام 2014، دُمِّرَت أجزاءٌ من خط أنابيب كركوك-جيهان بواسطة التنظيم الإرهابي. وبينما تتراجع داعش عن شمال العراق، يمكن لبغداد أن تبدأ في إجراء إصلاحات على البنية التحتية لخطِ الأنابيب. وكل ما يتبقى أمام القوات العراقية هو أن تنتزع السيطرة على معبر فيشخابور الحدودي، الذي يقع حالياً تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهي حملةٌ بدأتها قوات الحشد الشعبي بالفعل.

وفي الأيام الأخيرة، انتزعت قوات الحشد الشعبي السيطرة على الكثير من المناطق الرئيسية بالقرب من معبر فيشخابور من الحزب الديمقراطي، بما في ذلك منطقة جبل سنجار، وهي تلك المنطقة التي حفَّزَت فيها مذابح داعش بحق الإيزيديين صيحةً دوليةً في أغسطس/آب 2014؛ ما دَفَعَ الولايات المتحدة وغيرها من القوى الأجنبية لشنِّ حملتهم لتدمير التنظيم الإرهابي. وبينما لا تزال مجلة ذا ناشن تحت الطبع، لا يزال القتال دائراً في المنطقة.

وابتُلِيَت حكومة إقليم كردستان بأزمةٍ ماليةٍ حتى قبل سقوط كركوك، جزئياً بسبب الانخفاض الحاد الأخير في أسعار النفط. خسارة تلك المدينة، بما فيها من حقولِ نفطٍ، سيزُج بالإقليم الكردي إلى ركودٍ اقتصادي أسوأ بكثير. وفي الوقت الراهن، فإن حكومة إقليم كردستان مَدينةٌ بـ20 مليار دولار لدائنين محليين ودوليين، وكنتيجةٍ لذلك فإنها تستطيع دفع فقط 25% من رواتب الموظفين المدنيين. وبينما أمَّنَ الاتحاد الوطني الكردستاني بعض المنافع لنفسه في أعقاب الهجمة على كركوك، يبدو من المُرجَّح أن الحزب الديمقراطي الكردستاني هو من سيتحمَّل عبء الأزمة الاقتصادية الحالية والمستقبلية لحكومة إقليم كردستان.


طوق النجاة للحزب الديمقراطي: موسكو وانشقاقات الاتحاد الوطني الكردستاني


ورغم التراجعات قصيرة المدى، فهناك الكثير من الأحداث التي يمكن أن تخدم مصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني على المدى المتوسط والبعيد. ولعل أبرز هذه الأحداث هو الصفقة التي جرى التوصُّل إليها في سبتمبر/أيلول الماضي بين شركة كار التابعة للحزب الديمقراطي وشركة روسنفت، وهي شركة النفط الكبرى المملوكة للدولة الروسية والتي يُعتَقَد أن علاقاتٍ وثيقة تربطها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبموجب الصفقة، ستستثمر "روسنفت" مليار دولار في خط أنابيب "طق طق" التابع لحكومة إقليم كردستان والواصل إلى تركيا، على أمل رفع القدرة التصديرية إلى مليون برميل في اليوم.

وهذا يرفع إجمالي الاستثمارات التي تتعهَّد بها روسيا في قطاع النفط لحكومة إقليم كردستان إلى 4 مليارات دولار منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهي موجةٌ استثمارية هائلة لأربيل، ومن شأنها ربما أن تجعل موسكو المستثمر الدولي الوحيد والأكبر في منطقة حكومة إقليم كردستان. وبالإضافة إلى إمداد حكومة إقليم كردستان بشريانِ حياةٍ هي في أمسِّ الحاجةِ إليه، يُعد انخراطُ روسيا في المنطقة ملحوظاً بكون موسكو هي القوة الدولية والإقليمية الوحيدة التي تظل محايدةً فيما يتعلَّق باستفتاء الاستقلال الذي عقدته حكومة إقليم كردستان في سبتمبر/أيلول الماضي.

وبينما تكون الولايات المتحدة قد أغضَبَت الأكراد برفضها التصديق على شرعية الاستفتاء -الذي مُرِّرَ بنتيجة 93%- ربما يكون موقف روسيا قد أكسبها سُمعة المؤيد للحق الكردستاني في تقرير المصير، وهو الأمر الذي يثير استياء واشنطن. وقد تعزَّزَ الموقف الروسي تجاه حكومة إقليم كردستان في 23 أكتوبر/تشرين الأول، حين ذَكَرَ سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أن موسكو و"روسنفت" ستسعيان لزيادة انخراطهما في القطاع النفطي التابع لحكومة إقليم كردستان بالمستقبلِ القريب، مضيفاً أن روسيا "لن تتخلَّى عن الأكراد". وأيضاً في 24 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ديمتري روغوزين، وزير الدولة للإنتاج الحربي، أن موسكو سعت إلى "عودةٍ كاملةٍ" للعراق، دبلوماسياً واقتصادياً، وربما عسكرياً أيضاً.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن صعود الاتحاد الوطني الكردستاني قد ينهار. ومع أن قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني مدعومةٌ من قوى خارجية، فإن قرارها تجميد نتيجة الاستفتاء الشعبي على الاستقلال قد أثار غضب الكثيرين، ليس فقط بالشارع الكردي؛ بل أيضاً في أوساط الصفوف العليا في الحزب.

وأشار كوسرت رسول، وهو عضوٌ في الاتحاد الوطني ونائب رئيس حكومة إقليم كردستان، إلى فقدان كركوك بأنها "حملة الأنفال الثانية"، في إشارةٍ إلى حملة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الوحشية التي هدفت إلى الإبادة العِرقية للأكراد في نهاية الثمانينيات، والتي راح ضحيتها زهاء الـ100 ألف مدني. وانتقد زعماءٌ آخرون في الاتحاد الوطني الكردستاني، مثل محافظ كركوك السابق نجم الدين كريم، ومسؤول المكتب السياسي للاتحاد الوطني ملا بختيار، علانيةً، عائلة طالباني، قائلين إن أفعالهم قد تؤدي إلى حربٍ أهليةٍ بين الأكراد بعضهم وبعض.

وقد اعترفت آلاء طالباني نفسها بالانقسام داخل الحزب، قائلةً في 18 أكتوبر/تشرين الأول عن الاتحاد الوطني الكردستاني: "مما لا يقبل النفي أننا صرنا منقسمين إلى معسكرَين… بعد وفاة جلال طالباني، لم تعد هناك وحدةٌ داخل الحزب فيما يتعلَّق بصُنعِ القرار. وبصدد هذا، فإن مجموعةً داخل المكتب السياسي بدأت في اتخاذ قراراتٍ دون استشارة بقية قيادة الحزب… هؤلاء هم الناس أنفسهم الذين ينعتوننا بالخيانة، و(نحن) هنا عائدةٌ على بافيل طالباني وآخرين".

ومن المُرجَّح أن الغضب تجاه موقف قيادة الاتحاد الوطني من كركوك سيغلي في الشارع الكردي أيضاً. ولمَحَ عضوٌ بقوات الأمن الكردية، طَلَبَ إبقاء هويته مجهولة؛ نظراً إلى حساسية الموقف، إلى أنه بعد سقوط كركوك بدأ أعضاء ميليشيا الاتحاد الوطني الكردستاني انشقاقهم صوب الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهم الآن يساعدون في دعم خطوط الجبهة الجديدة التي تفصل الجيش العراقي ووحدات الحشد الشعبي عن البيشمركة الكردية. وعلى مدار الأسبوع الماضي، خرج الأكراد بأربيل في احتجاجاتٍ أمام السفارة الأميركية ضد التقاعُس الملحوظ من جانبِ واشنطن.

هذه هي الظروف التي يمكن للحزب الديمقراطي الكردستاني أن يحظى في ظلِّها بتعزيز موقفه، وأن يُصوِّر نفسه باعتباره المُدافِع الحقيقي عن مصالح حكومة إقليم كردستان. وربما تكون بغداد قد حقَّقَت بعض المكاسب على مدار الأسبوع الماضي، لكن التعامل مع الشعب الكردي الجامح والغاضب قد يكون أكبر مما يمكنها السيطرة عليه. وبينما ربما تكون إيران ووكلاؤها قد حظوا بمواطئ هامة في كركوك وما حولها، فإن حظوظهم قد تتغيَّر سريعاً أيضاً. غير أن الاحتمالات مفتوحة أمام إذا ما كان ذلك سيخدم مصالح أميركا أم لا.