هل تجاوز العراق احتمالات التفكك؟.. رجاء حارٌّ من العبادي لأميركا وإيران إذ تحقق قد تنجو بلاد الرافدين

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

لسنوات، اعتبر عدد من الخبراء والسياسيين في واشنطن أن تفكك العراق أمر حتمي، فهل تجاوزت البلاد هذا الاحتمال بعد أزمة كركوك؟

إيشان ثارور الكاتب في مجلة فورين أفيرز الأميركية نشر مقالاً في صحيفة واشنطن بوست يرصد فيه التغيير الذي حدث في تقييمات ونظرة الخبراء والصحفيين للوضع في العراق بعد أزمة كركوك الأخيرة، محاولا فهم شخصية رئيس الوزراء العراقي جواد العبادي.

رأي هؤلاء الخبراء أن الحكومة المركزية العراقية ضعيفة وعداوتها العِرقية والطائفية وحركات التمرد المستعصية ضدها هي أعراض لدولة فاشلة لم ترسم خططها بشكل جيد وخرجت من رماد إمبراطورية مهزومة وأصبحت الآن محكومة بالانهيار وسط الاضطرابات التي شهدتها الحقبة الجديدة.


تقسيم


في عام 2006، حين كانت الولايات المتحدة تصارع للتعامل مع الفوضى التي سببها اجتياحها العراق في عام 2003، كتب جو بايدن، الذي أصبح فيما بعدُ نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما، مقالاً يدعو إلى تقسيم العراق على غرار الاتحادات الإثنية في البوسنة.

ويؤيد العديد من الديمقراطيين والجمهوريين التطلعات التي تم قمعها فترة طويلة إلى منطقة الحكم الذاتي الكردية والتي شكلّت لوبياتٍ قوية في واشنطن.

وفي عام 2014، عندما استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على الموصل، المدينة الأكبر من حيث عدد السكان في شمال العراق، اعتبر المراقبون أن سياسة البلاد أصبحت ضعيفة بحيث لم يعد بالإمكان إصلاحها. وحتى الآن، ومع قيام القوات العراقية بدوريات في الموصل مرة أخرى، هناك مخاوف مبررة بأن بغداد لن تكون قادرة حقاً على توحيد أمة مزقتها الحرب.


البطل


لكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي له وجهة نظر مختلفة، فبعد أن أصبح بطل استعادة الموصل، تعامل العبادي بقوة خلال الشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول 2017)، مع محاولة الاستقلال الكردية، حيث وسع نطاق وصول الحكومة العراقية إلى المناطق المتنازع عليها التي كانت الميليشيات الكردية تسيطر عليها منذ سنة 2014.

وأصبح العبادي، الذي كان يُعتبر قائداً ضعيفاً، الآن أكثر شعبية من أي وقت مضى، حسب صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وكتب الصحفيون: "بالنسبة للولايات المتحدة، فإن شعبية العبادي المتزايدة هي على الأرجح إشارة أمل لحل أزمةٍ حرضت اثنين من أقرب حلفائها السياسيين والعسكريين -الحكومة العراقية والأكراد- بعضهم ضد بعض". وأضافوا أن "العديد من السياسيين العراقيين يقولون إن العبادي قد ضمِن إعادة انتخابه العام المقبل".

وقال العبادي في تصريح آخر -نشرته "واشنطن بوست"- في بغداد: إن "العراق يزداد قوة ويتوحد"، وأضاف: "أعتقد أن الآخرين، أو تدخُّل الآخرين في شؤون العراق، سوف يقل أكثر فأكثر"، لافتاً إلى أن هذه هي الثقة المبنيّة حديثاً بين العراقيين، والشعور القومي العراقي، قائلاً: "هدفنا هو زيادة ارتباط الناس ببلدهم".

وعلى الرغم من أن الغالبية الساحقة من الناخبين في استفتاء كردستان العراق في 25 من سبتمبر/أيلول 2017، اختاروا الاستقلال، فإن الاستفتاء غير الملزم فشل في تأمين المزيد من الحريات للمنطقة الكردية.

وبدلاً من ذلك، فاز العبادي بدعم الدول المجاورة للعراق والولايات المتحدة، التي شجبت كل الجهود التي يبذلها الأكراد، وشددت على دعمها وحدة الأراضي العراقية. ثم انتقلت القوات العراقية، ومن بينها الميليشيات المدعومة من إيران، إلى كركوك الغنية بالنفط، والتي كانت في أيدي الأكراد على مدى السنوات الثلاث الماضية، وجرى بها الاستفتاء على نحو مثير للجدل.


هل يتنحى برزاني؟


وكتب محرر "المونيتور" أمبرين زمان، أن الوضع "ترك الأكراد العراقيين مهانين للغاية ومنقسمين في أضعف موقف تفاوضي لهم منذ فشل اتفاق الحكم الذاتي مع بغداد سنة 1975".

يتركز النقد على الرئيس الكردستاني مسعود بارزاني؛ إذ يصر خصومه على أنه صمم على الاستفتاء لتحقيق مكاسب سياسية خاصة به. ويبدو أن هذه الجهود أثمرت نتائج عكسية، حيث إن فصيلاً كردياً آخر ساهم في تسليم كركوك إلى بغداد، وأدت المغامرة إلى مناوشات دامية استهلكت مرة أخرى الأكراد العراقيين.

ويلاحظ زمان، أن بارزاني قد يضطر إلى التنحي في الأسابيع المقبلة.

وقال برهم صالح، المسؤول الكردي السابق، لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية: "لقد أهدرت النخبة السياسية الفرصة في الوقت الذي كنا نحظى فيه بدعم المجتمع الدولي، حين كنا نمتلك اقتصاداً وحكماً ذاتياً لا مثيل لهما".

وكتب ريناد منصور، الباحث في تشاتام هاوس، مركز الأبحاث بلندن: "استند الاستفتاء إلى قراءة أساسية خاطئة للسياسة الأميركية. فبالنسبة لواشنطن، يمثل العراق فرصة نادرة للنجاح في الشرق الأوسط"، مشيراً إلى أن بارزاني وحلفاءه قد أساءوا فهم انتشار التعاطف مع الأكراد بين الساسة الأميركيين واعتبروه دعماً حقيقياً".


هل ينصاع العبادي لأميركا؟


يحرص العبادي كذلك على استثمار ذلك النجاح وإخراج العراق من حطام الحرب. إلا أن هذا لا يعني ميله إلى تحقيق الطلبات الأميركية. رفض العبادي هذا الأسبوع طلباً من وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بحل قوات الحشد الشعبي، وهي القوات شبه العسكرية ذات الأغلبية الشيعية التي مثلت جزءاً أساسياً من مواجهة تنظيم داعش. وترى الولايات المتحدة بعض هذه القوات باعتبارها وكلاء لإيران.

وكتب السيناتور جون ماكين في افتتاحية "نيويورك تايمز" هذا الأسبوع: "لأكون واضحاً، إن لم يكن بوسع بغداد ضمان الأمن والحرية لأكراد العراق وتوفير الفرص التي يرغبون فيها، وإذا اضطرت الولايات المتحدة إلى الاختيار بين الميليشيات المدعومة من إيران وحلفائنا الأكراد، فسأختار الأكراد".

على الرغم من ذلك، أعلن العبادي أن هذه الوحدات هي "مؤسسات عراقية"، وأضاف أنه "يجب تشجيعها؛ لأنها ستمثل أمل البلاد والمنطقة". وهو ما سمح لوزير الخارجية الإيراني بالسخرية من واشنطن بسبب هذا المطلب.


الرجاء الأخير.. هل هو عميل لإيران؟


إلا أن العبادي ليس عميلاً إيرانياً كذلك؛ إذ التقى مؤخراً قادة عدد من الدول المعادية لطهران، بما في ذلك السعودية ومصر؛ في محاولة منه للفوز بالمزيد من الاستثمارات للعراق. والتقى كذلك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أنقرة يوم الأربعاء؛ لبحث استئناف صادرات كركوك من النفط، بالإضافة إلى عدة قضايا استراتيجية أخرى.

في الوقت نفسه، أكد استعداده للحوار مع الأكراد وغيرهم من الأقليات العراقية. وأشار مايكل نايتس، الباحث في مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن "احتمالية المصالحة الإثنية والطائفية وتوحيد القيادة تزداد ظهوراً باعتبارها موضوعاً رئيسياً في الانتخابات العراقية القادمة، المقرر انعقادها في أبريل/نيسان أو مايو/أيار من عام 2018". ويأتي العبادي في صدارة المدافعين عن هذه القضايا.

يرفض العبادي كذلك، قبول فكرة أن بلاده ساحة للألعاب الجيوسياسية بالمنطقة. وقال في لقائه مع صحيفة الواشنطن بوست، موجهاً حديثه إلى الولايات المتحدة وإيران: "نرغب في العمل مع كل منكما. لكن رجاءً لا تجلبا مشاكلكما إلى داخل العراق. يمكنكما حلها في مكان آخر".