أهدافٌ كبيرة وعقباتٌ أكبر.. خطة السعودية للتخلص من إدمان النفط قد تحمل عوامل تدمير ذاتي للاقتصاد

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

حذرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية من أن "رؤية السعودية 2030"، التي طرحها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تبدو طموحة وبرَّاقة، ولكنها تحمل في طياتها عواقب قد تدمر الأعمال التجارية بالمملكة، حسب الصحيفة.

واستعرض تقرير للصحيفة الأميركية وقائع التجمُّع اقتصادي الباذخ الذي أقامته السعودية هذا الأسبوع، والذي عُرِضَ خلاله مقاطع فيديو مُنتجَة ببراعة تُبشِّر بإنشاء مدينةٍ برَّاقة، بتكلفة 500 مليار دولار، وتعمل بالطاقة الشمسية وتُدار بالروبوتات.

ونوّه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مؤخراً بـ"الإسلام المعتدل" الذي يحتضن العالم. فيما حضر بعض صفوة رجال الأعمال العالمية جلساتٍ ترويجية مزدحمة بالحضور حول الطاقة المستدامة ومستقبل التحضُّر.

وكان مفاد الرسالة الموجهة إلى المصرفيين ورجال الأعمال والمستثمرين المتداوِلين واضحاً: المملكة التي كانت معزولة في الماضي صارت مفتوحةً لاستقبال المشروعات، وفقاً للصحيفة.

وقال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في مؤتمرٍ صحفي عقده يوم الثلاثاء، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2017: "لدينا اليوم شعبٌ مقتنع بإمكانية وصول المملكة العربية السعودية وجميع مشروعاتها وبرامجها إلى آفاقٍ جديدة في العالم عن طريق التعاون القوي".

y


لحم الضأن


ولكن الصحيفة تعلق قائلةً: "على الرغم من الطرح الملكي، الذي شمل عشاءً فخماً يحتوي على السوشي، ولحم الضأن، وأطباقٍ تفيض بِكُرات الشيكولاتة، تسير خطط الأمير الكبرى ببطءٍ شديد".

وصحيحٌ أن جهود الحكومة، بقيادة ولي العهد البالغ من العمر 32 عاماً، أسفرت عن بعض التغييرات الاجتماعية الملحوظة مؤخراً، بما في ذلك السماح للمرأة بقيادة السيارات، والحدّ من صلاحيات الشرطة الدينية، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنَّها فشلت حتى الآن في إحراز تقدمٍ كبير فيما يتعلق بتحويل اقتصاد المملكة من اقتصادٍ معتمد على النفط إلى اقتصادٍ متنوع، ومُنتِج، وقادر على النمو في زمن النفط الرخيص.

ولا يزال من غير الواضح مدى مساهمة المراسيم الصادرة من السلطة والتصريحات المفاجئة، في تحفيز تغيير هادفٍ في مجتمعٍ لطالما اتسم بالتزمُّت الديني والاعتماد الشديد على الدولة.

ومع ذلك، يأخذ العديد من الناس الحملة الجديدة على محملٍ أكثر جدية من الجهود السابقة؛ إذ توافدَ أكثر من 3500 مستثمرٍ من مستثمري الأسهم الخاصة، ومسؤولون تنفيذيون بارزون في بعض الشركات، ورؤساء منظمات عالمية، ومسؤولون حكوميون من عشرات الدول- إلى مؤتمر هذا الأسبوع، مما جعل الرياض من أبرز وجهات رجال الأعمال الدوليين الذين يدرسون احتمالات جني الأموال في المملكة.


العراقيل


من الناحية التاريخية، جعلت احتياطيات النفط الهائلة في البلاد، التي تقدر بنحو خُمس احتياطيات العالم، الحكومة السعودية المحركَ الأساسيَّ للاقتصاد؛ إذ وظَّفت الدولة معظم العمالة السعودية، وموَّلت مشروعاتٍ مُتقَنة، وهو ما يعني أنَّه حتى القطاع الخاص يعتمد اعتماداً كبيراً على الإنفاق الحكومي.

لكنَّ انخفاض أسعار النفط أسفر عن تقويض هذا النموذج؛ مما أدى إلى تقلُّص ميزانية الدولة في وقتٍ يشهد دخول مئات الآلاف من الشباب السعوديين سوق العمل كل عام. فضلاً عن تباطؤ النمو بشدة، وتعليق مشروعاتٍ كبرى، وصارت البطالة مصدر قلقٍ متزايد.

وللتغلب على هذه التحديات، اقترح الأمير محمد مجموعة من التغييرات، لم يكن من الممكن تصوّرها من قبلُ وطرحها تحت راية "رؤية 2030" .

وتتمثل في زيادة عدد السعوديين بالوظائف الخاصة، بما في ذلك النساء، واجتذاب الاستثمار الأجنبي، وبيع بعض أسهم شركة "أرامكو" السعودية، وهي الشركة الحكومية المُحتكرة للنفط؛ من أجل جمع رأس المال للاستثمار في مجالاتٍ أخرى.

y


تدمير الأعمال التجارية


ولكنَّ العقبات أمام التغيير الاقتصادي كثيرة، بدءاً من الثقافة المنتشرة في السعودية والتي غالباً ما تُثبط المخاطرة والابتكار.

ومع اتجاه الحكومة إلى خفض النفقات، يجب على السعوديين الذين كانوا يعتمدون على وظائف الدولة الآمنة أن يتنافسوا الآن على وظائف أكثر تطلُّباً في القطاع الخاص. وقد يتسبب اتجاه الدولة نحو إلغاء الإعانات السخية أو تقليل العمالة الأجنبية، في تدمير الأعمال التجارية المعتمدة على هذه الامتيازات.


الأسرة المالكة


وقد تؤدي زيادة الشفافية إلى حرمان بعض أفراد الأسرة المالكة من سيطرتهم على قطاعات مربحة من الاقتصاد؛ بل حتى السعوديون من الطبقة المتوسطة اعتادوا استخدام الطاقة المدعمة، وهو ما يجعلهم عرضة للتغيرات التي ستطرأ على النظام.

ولفتت الصحيفة إلى أنَّه بعدما حاولت الحكومة خفض مكافآت موظفيها، تسببت في تذمُّرٍ كبير وانخفاضٍ بالإنفاق؛ وهو ما دفع الملك سلمان إلى التراجع عن هذا القرار في أبريل/نيسان 2017، وإعادة فرض الامتيازات الملغاة.

وسرعان ما أُلغِيَت الزيادة في أسعار المياه بعد شكاوى مماثلة، مع أنَّ هناك بنوداً يبدو أنَّها لن تُلغى مثل ارتفاع أسعار الوقود وبعض الضرائب الانتقائية المفروضة على المشروبات السكرية، وغيرها من البنود الأخرى.

وعلى الرغم من التقارير التي تفيد بالعكس، تُصِر الحكومة على طرح أسهم شركة "أرامكو" للاكتتاب العام الأولي في العام المقبل (2018)، على الرغم من عدم وضوح الكثير من التفاصيل عن هذه الخطوة.


خطوات جريئة اجتماعياً.. وماذا بعد؟


وقال كريستيان كوتس أولريخسن، وهو زميل متخصص بشؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس: "أظهر الأمير محمد أنَّه قادرٌ على اتخاذ خطواتٍ جريئة على الصعيد الاجتماعي".

وأضاف قائلاً: "ولكنه يحتاج الآن إلى نقل هذا التركيز بعيداً عن الجوانب الاجتماعية إلى المصالح الاقتصادية المطلقة التى قد تُسفر من ناحية أخرى عن إيقاف بعض التغييرات المنشودة أو عكسها".

ولكي تزدهر المملكة العربية السعودية في عصر النفط الرخيص، سيحتاج المزيد من السعوديين إلى العمل في شركاتٍ خاصة، وتحدث الأمير محمد عن نقل الشباب السعودي إلى مجالاتٍ جديدة ومساعدتهم على أن يصبحوا رواد أعمال.

y


هل يقبل السعوديون بوظائف العمال الأجانب؟


وتحاول الحكومة السعودية دفع المزيد من المواطنين إلى وظائف القطاع الخاص. ولكنَّ جان فرنسوا سايزنيك، وهو زميلٌ بارز في مركز الطاقة العالمي بمؤسسة المجلس الأطلسي، قال إنَّ الإصلاح العملي الحقيقي لن يتحقق إلا باتخاذ بعض الإجراءات، مثل خفض عدد التأشيرات المخصصة للعمال الأجانب، أو إجبار أصحاب العمل على دفع الرواتب التى يقبلها السعوديون.

وأضاف: "سيريد القطاع الخاص تحقيق أرباح، ولكن هل سيقبل التعاون مع السعوديين والتوقف عن توظيف عمالة أجنبية فقط مقابل خُمس الراتب؟ لستُ متأكداً من حدوث ذلك حتى الآن".

المحرك الرئيس للتحول الاقتصادي المقترح وراعي مؤتمر هذا الأسبوع، هو صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يستثمر في مؤسساتٍ سعودية وأجنبية، وأعلن مؤخراً سلسلة مبادرات تُقدَّر بملايين ومليارات الدولارات.

وتشمل هذه الاستثمارات، الاستثمار في بعض شركات كفاءة الطاقة، ومنتجات الألبان، والترفيه، وإدارة النفايات، وتقديم التمويل لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وغيرها من الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا وشركة أوبر لخدمات النقل بالطلب.

وكان التعهُّد بضخ هذا الكمّ من الأموال قد أثار اهتمام مستثمرين دوليين بالرياض في أثناء هذا الأسبوع.



وقال جيفري كوري، الرئيس العالمي لأبحاث السلع في مؤسسة غولدمان ساكس: "هناك تشكُّكٌ كبير في السوق حول قدرة السعودية على تنفيذ رؤية 2030. ولكنني أكثر تفاؤلاً حيال ذلك".

وجديرٌ بالذكر أنَّ غولدمان ساكس تتوسع بسرعةٍ في الرياض؛ إذ تضاعف حجم مكتبها المحلي في العام الماضي، ويُقال إنَّ مؤسسة غولدمان تُقدِّم استشاراتٍ حول عددٍ من صفقات الاندماج التي تشمل شركاتٍ سعودية. ويُوظِّف بنك جي بي مورغان، الذي افتتح مكتباً بالرياض في عام 2006، 78 شخصاً، وحاز دوراً كبيراً في عرض "أرامكو" المُخطَّط له.

ومع أنَّه لم يتضح بعدُ إذا ما كانت مؤسسة غولدمان ستحظى بدورٍ في صفقة "أرامكو"، فإنَّ بصمة أعمال إدارة الأصول في المؤسسة واضحةً بالمملكة العربية السعودية؛ إذ بذلت جهوداً في عرض السندات الدولية للمملكة العام الماضي، وحضر رئيسها شوارتز مؤتمر الاستثمار، وتحدَّث في إحدى حلقات النقاش، وعقد أكثر من 12 لقاءً مع عملاء ومسؤولين.

ولا تزال حملة الإصلاح في المملكة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمير محمد، الذي يعتبره الكثيرون حاكم المملكة بحكم الأمر الواقع، بمباركة والده المُسِنّ الملك سلمان.

وبعد عدم ظهوره لافتتاح المؤتمر صباح يوم الثلاثاء كما كان مخططاً، كشف بن سلمان في الظهيرة النقاب عن خطةٍ طموحة لإنشاء مدينةٍ جديدة من الصفر على ساحل البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، ومن المنتظر أن تعتمد هذه المدينة على الطاقة المتجددة، وأن تُمثِّل الروبوتات جزءاً كبيراً من العاملين فيها.

وسيكلف المشروع، المُسمَّى بمدينة "نيوم"، 500 مليار دولار، ويسعى إلى خلق "مركز عالمي رائد يجسد مستقبل الحضارة الإنسانية بتوفير أسلوب حياة مثالي لسكانها، فضلاً عن آفاق اقتصادية استثنائية"، وفقاً للمواد الترويجية التي وزعها الديوان الملكي.

وتحدث يرغن، الخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة، عن المشروع، قائلاً: "طموحه مُذهِل. وهذا يواجه تحدياً كبيراً لن يُقاس على مدار عقود؛ بل على مدار جيلٍ كامل".

y


قصور ومخاوف


ومن الأمور اللافتة في "رؤية 2030"، قولها: "لن نفرض على المواطن أي ضريبة على الدخل أو الثروة"، وهو ما أثار انتقادات، خاصة أن الخطة ترمي إلى تقليل العجز في الموازنة جراء انخفاض أسعار النفط.

وفي هذا الإطار، انتقدت ورقة بحثية نشرها مركز الخليج للدراسات البحثية، غياب الضرائب من الخطة، باعتبار أن الضريبة أداة جيدة لإدارة الاقتصاد العام وتوجيه حركته في الصعود والهبوط، كما أن الضريبة تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فهي تأخذ من الأغنياء وتعطي للفقراء من خلال برامج الدعم والإعانة.

وأوضحت الورقة أن ضريبة الدخل والثروة على الأغنياء والشريحة المرتفعة من متوسطي الدخل، كل بحسب دخله وثروته- هي في معظم الدول الرافد الأساسي للمالية العامة للدولة، وتشكل الأموال من الضرائب المدفوعة لخزينة الدولة القاعدة القانونية والسياسية التي تقوم عليها مساءلة المواطنين للحكومة وإلزامها بإيضاح أوجه صرف المال العام ونشر أرقامه و تفاصيله.

كما يشير سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة بمعهد واشنطن، إلى أن هناك تحدّيَين سياسيين يلوحان في الأفق بالنسبة للخطة؛ أولاً، سوف تكون طبقة رجال الأعمال السعوديين والتكنوقراط هي المستفيد الرئيسي من "رؤية السعودية 2030".

وثانياً -بحسب هندرسون- يُعتقد أن الأمير محمد بن سلمان لا يتمتع بدعم كلي تام داخل العائلة المالكة، فبعض الأمراء يعتبرونه متهوراً وعديم الخبرة، حسبما ورد في تقرير سابق لهاف بوست عربي.

كما شعر مصرفيون أيضاً بالقلق من تركيز جهود الإصلاح، بصورةٍ أكبر من اللازم، على التدابير الهادِفة إلى زيادة الإيرادات، مثل زيادة الضرائب وتخفيض الدعم، بدلاً من التركيز على مبادرات تعزيز النمو، حسب تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية .

ويتوقَّع صندوق النقد الدولي أن يصل النمو الاقتصادي للمملكة هذا العام (2017) إلى 0.1% فقط، متراجعاً عن نسبة 1.7% في عام 2016.