حسناً، "نيوم" ستكون شبه دولة وراتب الموظف لن يقل عن 6 آلاف دولار.. المشكلة: لن يكون فيها سعوديون

تم النشر: تم التحديث:
NEOM
Hamad I Mohammed / Reuters

ربما تكون أحلام استقلال كردستان وكتالونيا في طريقها إلى الفشل، لكنَّ هناك دولة شبه مستقلة على وشك أن تُقتَطَع من أراضي دولة عربية كبرى.

وفقاً للبيانات الرسمية، ستكون نيوم مركزاً عالمياً للتكنولوجيا الفائقة والترفيه يبرز من الصحراء القفر في شمال غرب المملكة. وسيقطنها المستثمرون، ورواد الأعمال، والمسؤولون التنفيذيون، ورجال الأعمال.

وجاء في صحيفة وقائع المشروع: "نيوم مصممة لتصبح مجتمعاً طموحاً يُبشِّر بمستقبل الحضارة الإنسانية من خلال توفير نمط حياة مثالي لسكانها في ظل مجتمعٍ يقوم على العمارة الحديثة، والمساحات الخضراء المُورِقة، وجودة الحياة، والأمان، والتكنولوجيا المسخرة لخدمة البشرية، كل هذا مع توفير فرص اقتصادية ممتازة".

تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية اعتبر أن من يقرأ ما بين سطور تلك الكلمات الوردية سيرى الخطوط العريضة لشبه دولة في طور التشكيل.


أكبر من إسرائيل


من الناحية الجغرافية، لن تكون نيوم كبيرةً فحسب، بل بالتأكيد ستكون عملاقة بمعايير المناطق الاقتصادية الحرة. وستُغطِّي مساحة 26 ألف كيلومتر مربع.

ومن الناحية الاقتصادية، من المقرر أن تُحقِّق نيوم ناتِجاً محلياً إجمالياً سنوياً يبلغ 100 مليار دولار بحلول عام 2033. وبمعايير عام 2016، سيجعلها ذلك تحتل المرتبة الـ59 ضمن قائمة أكبر اقتصادات العالم، أو بعبارةٍ أخرى، سيجعل اقتصادها بحجم اقتصاد المغرب تقريباً.

وبافتراض أنَّ الفرد فيها سيتمتع بنصيبٍ سخيّ من الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 70 ألف دولار سنوياً (نحو 6 آاف دولار شهرياً)، فإنَّ ذلك سيجعل مجموع سكانها يصل لأكثر من 1.4 مليون نسمة، وهو ما يُمثِّل حجم دولةٍ صغيرة.

وعلاوةً على ذلك، ستُصبح نيوم قانونياً "منطقةً خاصة مستقلة"، وهو ما يعني أنَّها ستمتلك نظامها، وقوانينها، وتشريعاتها القضائية الخاصة (على الرغم من أنَّ السعودية ستظلّ مسيطرةً على السياسة الخارجية والجيش).

ومن الناحيتين الاجتماعية والثقافية، يبدو أنَّ نيوم ستتجاهل القواعد الإسلامية الصارِمة الخاصة بالسعودية.

وتعلن صحيفة وقائع مشروع نيوم أنَّ "المعايير الاجتماعية ستتبنَّى ممارساتٍ رائدة من أجل تحسين معايير الحياة لسكانها وزائريها"، الأمر الذي يبدو وكأنَّه يقول إنَّ لباس السباحة "البكيني" والخمور ستكون متاحة، في حين سيكون ارتداء النقاب اختيارياً.

وفي ظل هذه القوانين والمعايير الاجتماعية المختلفة، يصعب تصوُّر أنَّ السعودية لن تفصل نيوم عن بقية المملكة بنقاطٍ حدودية.

ويُلقَّب الرجل الذي يقف خلف هذه المبادرة، ولي العهد محمد بن سلمان، بأنَّه خليفة الملك عبد العزيز. لكن لماذا قد يفعل شيئاً كهذا؟


عقبة واحدة


علينا إدراك أنَّ نيوم هي آخر مبادرة من ولي العهد لفِطام السعودية عن النفط. فهو يُعدِّل القواعد والقوانين لتشجيع السعوديين على العمل في القطاع الخاص وبدء أعمالهم الخاصة. ويُخطِّط لطرح حصصٍ في الشركة النفطية العملاقة أرامكو للبيع، وتخفيض الدعم، وتقليص الميزانية الحكومية المُتضخِّمة. وقد أنهى للتو أيضاً حظراً سيء الصيت على قيادة المرأة للسيارات في البلاد.

وتبدو خطط بن سلمان معقولة، لكنَّها محفوفة بالمخاطر. فهي تهدِّد العلاقة التكافلية بين الأسرة المالِكة وعامة السعوديين، الذين يجري فِطامهم عن اقتصاد المُربِّية (الذي تعرف فيه الدولة "المُربِّية" مصلحة الشعب وتُحدِّدها) وإجبارهم على قبول تقلُّبات النظام الرأسمالي، والاضطرابات الاجتماعية التي يُرجَّح أن تنشأ عن مجتمعٍ أكثر حرية وليبرالية.

وللمساعدة في تخفيف المخاطرة، تهدف نيوم لخلق دولة سعودية جديدة جنباً إلى جنب مع السعودية القديمة. لكنَّ الأمير يواجه مشكلةً أساسية في سعيه للقيام بذلك.

إذ يستحيل أن يتمكَّن من بناء نيوم يقطنها فقط السعوديون، حسب تقرير الصحيفة الإسرائيلية.

فحتى بعد عقودٍ من الإنفاق على التعليم والبنية التحتية، تفتقر المملكة إلى المهارات والقدرات الإبداعية اللازمة لتطوير القطاعات التي تتطلَّع إليها نيوم، كالتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع المُتقدِّم، أو حتى الترفيه عالميّ الطراز.

فـ26% فقط من السعوديين في سن 25-34 سنة حصلوا على تعليمٍ عال، وهي نسبة تقل كثيراً عن نسبة الـ42% التي تُمثِّل المتوسط في البلدان المتطورة. ولم يُنهِ ما يقارب ثلث السعوديين المدرسة الثانوية. ويُسجِّل الطلبة السعوديون أدنى المعدلات في اختبارات القبول الدولية.

والطريقة الوحيدة التي يمكن أن تُوجَد بها نيوم هي أن يسكنها الأجانب، وهؤلاء لن يأتوا إن لم يتمكَّنوا من العيش وفق نمط حياةٍ غربي، مع وجود أماكن للترفيه، وتوافر الكحوليات، وغياب شرطةٍ دينية تفرض الأخلاقيات العامة. المشكلة هي أنَّ ذلك يُعَد أمراً بغيضاً بالنسبة للشخص السعودي العادي، بل وأكثر حتى بالنسبة للمؤسسة الدينية في البلاد، لدرجة أنَّ قِلَّةً سعودية شجاعة هي فقط مَن ستستقر هناك على الأرجح.


دبي نموذجا


يبدو أنَّ نيوم ستكون دبي كبيرة. فقد ازدهرت دولة المدينة الخليجية عن طريق مزيجٍ من المناطق الاقتصادية الحرة، والسياحة الفاخرة، والتنمية العقارية المستمرة بقوة، ومناطق جذب الطبقات العليا مثل منحدر التزلُّج الداخلي العملاق وأطول برج في العالم. وعلى ما يبدو، تهدف نيوم لمحاكاة ذلك، مُضيفةً مَسحةً من وادي السيليكون إلى ذلك المزيج.

المشكلة هي أنَّ دبي ناجحة لأنَّ الأجانب يسكنونها؛ فالسكان المحليون يُمثِّلون نحو 15% فقط من السكان. وبالتالي، إذا كانت نيوم ستحصل على نفس المزيج الموجود في دبي، فإنَّنا نتحدث عن مدينة تضم 200 ألف سعودي، ولهذا لن تقدم المدينة الكثير لاستيعاب ما يُقدَّر بـ5 مليون شاب سعودي سيدخلون إلى قوة العمل السعودية على مدار العقد المقبل، ناهيك عن أولئك الذين يجري تسريحهم من القطاع العام.

علينا نسب الفضل لابن سلمان، وفقا للصحيفة الإسرائيلية، فهو يعلم أنَّ السعودية كما هي الآن لن تتمتع بالاستدامة الاقتصادية، ويمتلك الدافع والشجاعة لرسم مسارٍ جديد. وعن طريق إنشاء شبه دولة نيوم، يأمل أن يجلب القرن الـ21 إلى ركنٍ بعيد من البلاد دون قلقلة مركزها. لكن حتى لو نجح في ذلك، وهو أمرٌ محل تساؤل كبير، فإنَّ ذلك لن يفعل الكثير لحل مشكلات المملكة.