حيلة تسويقية: واشنطن بوست تكشف هدف بن سلمان الحقيقي من دعوته للإسلام المعتدل، وكيف أسكت المتشددين

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

شكَّك تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية في جدية إعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أنه يريد أن تعود المملكة إلى "الإسلام المعتدل"، ناقلاً عن متخصصين في الشأن السعودي قولهم، إن الإصلاح الديني لا يعني ببساطة السماح للنساء بأن يقدن السيارات، أو يرتدين المايوهات البكيني.

وقال التقرير: لقد أحيا البيان الآمال بأن المملكة المحافظة ستمتثل أخيراً لرأي النقاد الذين يطالبون منذ فترة طويلة بمزيد من الحريات والتسامح، لكن آخرين حذَّروا من أنه ليس من الواضح على الإطلاق كيف سيكون "الإسلام المعتدل" في المملكة العربية السعودية.

في الواقع، قد يكون الإعلان أكثر ارتباطاً بتعزيز اقتصاد المملكة منه بتغيير الممارسات القديمة، حسب التقرير.

وتشير تصريحات ولي العهد، يوم الثلاثاء، في مؤتمر، وفي لقاءات لاحقة إلى أنه ملتزم بمكافحة التفسيرات المتطرفة للإسلام، والتركيز على الإصلاحات الاقتصادية. قال الأمير في مؤتمر حضره مستثمرون عالميون "أعمار 70% من السعوديين أقل من 30 عاماً. إننا لن نهدر 30 عاماً من حياتنا في مكافحة الأفكار المتطرفة، وسوف ندمرها الآن وعلى الفور".

وأضاف: "إننا ببساطة نعود إلى ما نتبعه: الإسلام المعتدل المنفتح على العالم وعلى كل الأديان".


إيران


في مقابلة لاحقة مع الغارديان، اتهم بشكل غير متوقع إيران الشيعية، عدو السعودية الرئيس، بتحويل المملكة نحو الوهابية التي يتم الترويج لها من قبل الرياض محلياً وخارجياً، على حد سواء.

"ما رأيناه في السنوات الثلاثين الماضية ليس السعودية. ما رأيناه في المنطقة خلال الثلاثين عاماً الماضية ليس الشرق الأوسط. بعد الثورة الإيرانية في عام 1979، أراد الناس استنساخ هذا النموذج في بلدان مختلفة، وكانت المملكة العربية السعودية إحداها. لم نكن نعرف كيف نتعامل مع هذا الأمر. وانتشرت المشكلة في جميع أنحاء العالم. لقد حان الوقت للتخلص من هذا الوضع".

ارتبطت الدولة السعودية ارتباطاً وثيقاً بالوهابية. كان محمد بن عبد الوهاب، الزعيم الديني الذي أسس هذا المذهب منذ نحو ثلاثة قرون، حليفاً رئيساً لمحمد بن سعود، الذي يعتبر مؤسس الدولة السعودية.

مع تأسيس الدولة السعودية الحديثة في القرن العشرين، أصبح الإسلام دين الدولة، وأصبح جميع رجال الدين تقريباً يتبعون المذهب الوهابي المحافظ، الذي تدعمه الدولة وتموله. تم الترويج لهذا المذهب على نطاق واسع في البلدان الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وذلك بفضل الجيوب العميقة للدولة السعودية.

أثار هذا الانتقاد الملكي المفاجئ للممارسات الدينية في المملكة التي تمسكت بهذه الممارسات لفترة طويلة شكوكاً بين منتقدي القيادة السعودية.


التشدد هو مسوغ شرعية الدولة السعودية


تقول مضاوي الرشيد، وهي عالمة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، في رسالة بالبريد الإلكتروني، إن المملكة العربية السعودية ليست واحدة من عدة بلدان تحولت من الإسلام المعتدل إلى المحافظ، ولكنها كانت حالة استثنائية.
وأضافت رشيد "أن حالة المملكة هي حالة فريدة أصبحت فيها الراديكالية هي الدين الرسمي للدولة ومسوغ شرعيتها".

وحذرت من أن رجال الدين السعوديين المسجونين هم الذين حاولوا "تقديم إعادة تفسير للنص الإسلامي، على سبيل المثال كيف يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية".

وتساءلت رشيد عما إذا كانت الإصلاحات الدينية المعلنة ستنفذ حقاً. وأضافت: "إن الإعلانات موجهة بالتأكيد لاجتذاب المستثمرين وخلق عامل جذب للمملكة التي كانت تتمتع بسمعة سيئة للغاية".


حليف للغرب


وقال سيباستيان سانس، الزميل في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية والمهتم بشؤون المملكة العربية السعودية: "ليس واضحاً كيف سيبدو الإسلام المعتدل في السعودية، ولكن أعتقد أن ما يحاول محمد بن سلمان تحقيقه هو إرسال رسالة علاقات عامة، بأنه حليف غربي في الحرب ضد الإرهاب، وأنه يمثل المستقبل المواكب لروح العصر".

يحاول محمد بن سلمان (32 سنة)، أن يسوق لنفسه في أوساط الشرائح الأصغر سناً في المملكة، الذين هم أقل تمسكاً بالدين من الأجيال الأكبر سناً، ويواجهون معدلات بطالة مرتفعة.

وكانت تصريحات الأمير، يوم الثلاثاء، حول الإسلام في المملكة جزءاً لا يتجزأ من الإعلان عن إقامة مدينة مستقبلية جديدة فى غربي المملكة العربية السعودية، بالقرب من الحدود الأردنية والمصرية. وقد تم تصميمها لتكون مركزاً لشركات التكنولوجيا، وسيتم تمويل المدينة بمبلغ 500 مليار دولار من صندوق الثروة السيادية في المملكة. وهو جزء من خطة إصلاحية كبرى، أطلق عليها اسم الرؤية السعودية 2030، ويقودها ولي العهد بنفسه لتنشيط الاقتصاد السعودي.

في المقابل، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد السعودي ركوداً هذا العام، وفقاً لصندوق النقد الدولي، بعد أن انخفضت أسعار الطاقة العالمية بأكثر من 50%. واعتمدت المملكة العربية السعودية منذ فترة طويلة على ارتفاع أسعار النفط كمصدر رئيسي للدخل. ومع الهبوط المفاجئ وغير المتوقع، اضطرت قيادة المملكة إلى إجراء إصلاحات جذرية، في إطار زمني قصير قبل نحو ثلاث سنوات.


إفلاس


وقد تكون الحاجة إلى الإصلاحات قد غيرت بالفعل بعض المواقف المحافظة السابقة لدى القيادة العليا. في الشهر الماضي سبتمبر/أيلول 2017، فاجأت المملكة العالم عندما أصدرت مرسوماً ملكياً طال انتظاره يسمح للنساء بالحصول على تراخيص القيادة. في ذلك الوقت، تم تفسير هذه الخطوة على نطاق واسع على أنها علامة على أن مؤيدي الحداثة داخل الحكومة السعودية قد تفوقوا على المتشددين.

إن النساء السعوديات متعلمات تعليماً جيداً، ولكنهن عاطلات عن العمل، وأصبحت مشاركتهن في القوى العاملة هدفاً رئيسياً من أهداف برنامج محمد بن سلمان للإصلاح.

ويتعرَّض المتشددون السعوديون لضغوط متزايدة، للموافقة على مثل هذه المقترحات، حيث إن المشكلات الاقتصادية في المملكة أصبحت تزداد صعوبة.

إذا فشلت هذه الإصلاحات، فقد تُفلس المملكة، مما يشكل خطراً سياسياً كبيراً على قيادة مملكة يعمل فيها الكثيرون في وظائف حكومية، أو يعتمدون على إعانات الدولة بحكم الأمر الواقع. بعد عقود من الإحجام عن تبنِّي التغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية، يبدو أن المملكة العربية السعودية الآن تسعى إلى تحقيق كلتا الخطتين.


لماذا يصمت الوهابيون؟


ويشير سانز إلى أن "هذا لا يعني أن السعودية سوف تتحول إلى مجتمع تعددي تماماً، حيث يتعايش أتباع الديانات المختلفة على قدم المساواة. فلا توجد دلائل على أن قمع الشيعة سيتوقف، أو أن الدولة ستلغي نظام الوصاية"، مشيراً إلى تبعية المرأة للرجال في المملكة.

وأضاف: "على الرغم من أن رجال الدين السعوديين لهم تأثير أقل بكثير اليوم مما كان عليه الحال قبل 10 أو 15 عاماً، وأنهم لم يعترضوا على الإصلاحات، فإنني لا أستطيع أن أتخيل أن ولي العهد سيخاطر بالتخلي تماماً عن هذا الرابط". استمرار القمع ضد الشيعة في المملكة والرسائل المعادية لإيران، على سبيل المثال، قد يسترضي رجال الدين الوهابيين. كما أن إحجامهم عن النقد العلني قد يكون بسبب المخاوف من الاعتقال.

وقد حذرت مضاوي رشيد، من أن "الإصلاح الديني لا يعني ببساطة السماح للنساء بالقيادة أو ارتداء البيكيني".