يونيفورم النساء في كنائس مصر.. أسقف أسيوط متهم بالسلفية بعد فرض "الجاكيت والجونيلة"

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT CHURCH WOMEN
social media

"كنت أقف في الجانب الأيمن المخصص للسيدات استعداداً للتناول من الأسرار المقدسة، ونضع (إيشارب) أبيض، كما تعلمنا واعتدنا، قبل أن ينبه الكاهن على ملابس النساء والفتيات، التي اعتبرها لا تليق، ليُخرج البعض من الصف".

تتذكر مريام الموقف الذي حدث منذ عدة سنوات في كنيستها بالإسكندرية وهي تقرأ القرار الأخير للأنبا يوأنس أسقف أسيوط (صعيد مصر) عن ملابس النساء بالكنائس. الأنبا يوأنس فرض "جونلات" و"جواكت" على السيدات عند دخول كاتدرائية الملاك ميخائيل بأسيوط، وأغلب الكنائس في المحافظة، خاصة عند حضور صلاة الأكليل "الفرح".

ولا تفهم مريام تهديد الأنبا يوأنس منذ عدة أيام، بأن "أي سيدة أو فتاة ترفض ارتداء الجواكت أو الجونيلة، المعَدة من قِبل خادمات الكنيسة، عليها الانصراف من الكنيسة بمنتهى الهدوء". وتذكرت تهديد الكاهن بكنيستهم في الإسكندرية، بالطريقة نفسها منذ عدة سنوات، الأمر الذي دفعها هي وبعض صديقاتها لاتخاذ قرار استبدال الكنيسة والذهاب لأخرى.

"هاف بوست عربي" يتساءل في هذا التقرير عما إذا كانت القيود التي يفرضها أسقف أسيوط جديدة على تعاليم الكنيسة القبطية، أم لها سوابق من النوع نفسه، وعما إذا كان شعب مصر المسيحي، خاصة في أسيوط، على استعداد لقبولها والعمل بها.


لماذا رفض شعب أسيوط القبطي قرار الأنبا يوأنس؟


في الاجتماع العام بكاتدرائية الملاك ميخائيل في أسيوط الأسبوع الماضي، قال الأنبا يوأنس إنه "سعيد بردود الفعل بشأن قرار ضوابط ملابس النساء اللائي يحضرن الصلوات والمناسبات الطقسية بكنائس أسيوط الأرثوذكسية"، وإنه تلقى اتصالات عديدة من أماكن كثيرة بمصر وخارجها، أكد لأصحابها أن "ناس أسيوط تملؤهم الحشمة والوقار، ولكن ملابس الأفراح هي التي عليها ملحوظات"، فإن القرار أثار حالة من الجدل بين المتابعين لصفحة أبراشية أسيوط على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

ونشرت الصفحة خبراً بعنوان: "جواكت وجونلات" طويلة للنساء قبل القداسات في أبراشية أسيوط.

ووضعت معه استطلاع رأي.. هل أنت (مع/ أو ضِد) هذه الخطوة؟

هناك من أيد القرار واعتبره متأخراً، وقالت تيريز: "طبعاً مع الأرواب علشان الناس تحترم نفسها وتلبس لبس محتشم إن كان في فرح أو خطوبة أو قداس أو دخول الكنيسة بصفة عامة".

لكن البعض رفض، مثل مارينا نخلة التي طالبت بتغيير الفكر والقلب، "ليسوا في مدرسة، والملابس حرية شخصية، بهذه الطريقة المراهقون لن يذهبوا للكنيسة، وستزيد الفجوة لديهم مع الكنيسة، هذا القرار لم يُطرح منذ 50 عاماً أيام الميكرو والميني جيب، فيصدر الآن في عصر التكنولوجيا الحديثة".

ورأى باسم أن الالتزام بالخشوع والزي اللائق من المفروض أن "يكون من داخلنا، وليس فرضاً، فهذا ما تربينا عليه في أسيوط، ولكن ليس بهذه الطريقة التي يريدون أن يفرضوا الأمر بها".

ودعا البعض إلى مقاطعة الكنائس التابعة للأسقف يوأنس صاحب القرار، والصلاة في أبرشية مجاورة.

ومن بين أكثر الردود عنفاً ما كتبه كيرولس عبد الملاك، مطالباً الأسقف بالاحتشام السياسي، بدلاً من دعم النظام السياسي داخل الأديرة والكنائس.


ولماذا رد الكُتاب المسيحيون على القرار بكل هذا الغضب؟


انتقدت الكاتبة والباحثة القبطية ميرفت ميخائيل النمر قرار أسقف أسيوط بأنه محكمة تفتيش، وبأنه يقطع الصلة بين المسيحي وربه للصلاة، وحذرت من تيار السلفية الجهادية الذي يغزو الكنيسة المصرية.

ووصف الباحث والسياسي القبطي جمال أسعد القرار بأنه سلفية مسيحية، وربطها بالمد السلفي الوهابي في المنطقة، وطالب بتطبيق القوانين المدنية التي لم تحدد زياً للمصريين لدى دخولهم الكنيسة أو المسجد.

وعلقت الصحفية كارولين كامل بمقال غاضب، ضد رجال الدين وقد اختاروا عدم الزواج والتفرغ للعبادة، لكن تشغلهم أمور المرأة، يجلسون في خلوتهم للتفكير في جسدها من حيض وإنجاب وصولاً لما ترتديه!

وانتقدت أيضاً من يلبسون أفخم الثياب والحُلي باسم الزي الكهنوتي، ثم يهاجمون النساء بترديد "لا تكن زينتكن الزينة الخارجية، من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب" (رسالة بطرس الأولى 3: 3)، ولكن هل تكفي زينتهم لمداراة القبح والزيف والموت الذي تغلغل في أوصال الكنيسة؟


وهل التضييق على ملابس النساء موجة جديدة بين الأساقفة؟


الأنبا يوأنس ليس الأول من بين الأكليروس (الكهنة والأساقفة) الذي يطلق مثل تلك التصريحات، فاجتهادات الكنيسة المصرية ضد المرأة بدأت من القرن الثالث الميلادي.

في مايو/أيار 2012، طلب الأنبا بيشوي، مطران دمياط وكفر الشيخ (الدلتا شمال مصر)، من الفتيات المسيحيات، "الاقتداء بالفتيات المسلمات في الحشمة". وقتها، كان مر على وفاة البابا شنودة شهران فقط، وكان الأنبا بيشوي ينوي الترشح للانتخابات الباباوية.

وأثار مقطع الفيديو الصغير عاصفة غضب ضده، ونظمت مجموعة من النساء والفتيات مظاهرة ضده بالكاتدرائية المرقسية في العباسية (مقر البابا وسط القاهرة)، قادتها دكتورة ماريز تادرس، أستاذة العلوم السياسية بجامعة "سوكس" بإنكلترا، وأعلنت رفض التوظيف السياسي للمرأة القبطية للوصول إلى أغراض سياسية.

عاد الأنبا بيشوي في يوليو/تموز 2014 إلى الملف نفسه، لكن من زاوية البنات فوق 11 عاماً، فأصدر قراراً بمنعهن من ارتداء البنطلونات والبلوزات ووضع المكياج، عند التقدم من الأسرار المقدسة. ومرة أخرى، قوبل بيشوي بعاصفة من النقد على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع إعادة نشر فيديو تصريحاته قبل عامين والمطالبة للمسيحيات بالاقتداء بالمسلمات.

انتقلت حمّى رجال الدين والنساء في أغسطس/آب 2015 إلى السويس (شرق مصر)، فأصدر الأنبا بموا منشوراً يخص التعامل مع صلاة الإكليل "الفرح" في كنائس السويس، ومن ضمن المطالب احتشام السيدات عند حضور الأفراح بارتداء "برنص طويل" يغطي الجسد كله.


ما مشكلة رجل الدين في نظرته العامة للمرأة؟


قرار الأنبا يوأنس يأتي في سياق له علاقة بـ"نظرة رجل الدين للمرأة باعتبارها أصل المشاكل، وحالة المحافَظة الدينية والمزايدة أو التزيد في إظهار التشدد"، في رأي إسحاق إبراهيم مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي مؤسسة حقوقية مصرية ذات سمعة دولية.

إسحاق قال لـ"هاف بوست عربي"، إن مساحة المنفتحين التي كانت موجودة بجانب التشدد في المجتمع المصري بدأت تضيق في آخر 3 سنوات، لصالح المحافظين والمتشددين. "من الطبيعي أن ينصح الأسقف ويعلّم الناس وفقاً لتعاليم الكتاب المقدس فيما يخص الوقار، لكن دون إعلان الحرمان من دخول الكنيسة أو إجبار الناس على زي معين، ودون أن يطلب ممن ترفض ارتداء الزي الذي حدده، مغادرة الكنيسة. كان الأسقف غير موفَّق في استخدام السلطة، فالكنيسة ملك لكل الناس، هدفها تقديم الأمور الروحية".


وكيف استجاب نشطاء وصحفيون يسخرون لقرار يوأنس؟


في الموعظة الأسبوعية للبابا شنودة الثالث، أثير الموضوع ذات يوم عبر سؤال شائك. سؤال عن "بنات بقوا يلبسوا لبس مثير يا سيدنا، والأصعب أن صدرهم مكشوف والصليب عليه". أجاب البابا برد عبقري في صيغة سؤال: "هو أنت بتبص على صدرهم ليه؟!".

الصحفي المتابع لملف الكنسية، جرجس فكري، استعرض هذه الذكرى؛ ليضيف أن البابا الراحل لم يقل إنه "لازم زي موحد للبنات ولا نوعية الكلام ده، ولا جاب العيب على البنت؛ بل تعامل مع جوهر الموضوع".

وقال رامي كامل: "كان نفسى نيافته يقف يتكلم عن الحشمة في إكليل بنت رجل الأعمال فلان الفلاني، اللي كانت الكنيسة فيه عبارة عن أتيلييه فساتين سهرة".

وسخر عمرو باقلي؛ لأن "الكنيسة هتلبّس الستات يونيفورم، مش الوهابية يعني؟".

بينما أعاد مجموعة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي نشر مقطع فيديو صغير لبدء صلاة إكليل "الفرح" ابنة القمص داود لمعي، أحد أبرز الكهنة المشهورين بالوعظ وله مريدون يحضرون له في كنيسة مار مرقس بحي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطالبوا بتطبيق تعليمات الأنبا يوأنس على الكهنة أولاً.


على أبواب الكنيسة.. هل "إحنا كلنا ملايكة"؟!


يتذكر مينا عادل، الطالب في المرحلة الثانوية، حينما كان يذهب للكنيسة في الصغر، أن الخادم المسؤول عنهم كان يعلّمهم الآية التي بسفر المزامير والتي تقول "ببيتك يا رب تليق القداسة"، وترتيلة تقول "إحنا كلنا ملايكة.. كلنا نعمة وكلنا بركة.. ندخل بشويش للكنيسة.. من غير دوشة ومن غير هيصة"، فاعتدنا أن نذهب للكنيسة بهدوء كما تعلمنا في الصغر، فما الذي تغير؟