يصل عددهم يومياً 153 حالة.. جدل "أطفال خارج إطار الزواج" يتفجَّر من جديد بالمغرب

تم النشر: تم التحديث:
MOROCCAN STREET
صورة تعبيرية | Damir Sagolj / Reuters

صدور أوّل حكم قضائي في المغرب يقضي بنسب طفلة مولودة خارج إطار الزواج، لوالدها، ثم إلغاء الحكم في الاستئناف، فجَّر الجدلَ من جديد، حول ملف شائك تتقاطع عنده العديد من المعطيات بالغة الحساسية بالمملكة.

ففي أبريل/نيسان الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية بطنجة أقصى شمالي المغرب، أول حكم قضائي في تاريخ البلاد، يقرُّ بحق طفلة مولودة خارج إطار الزواج بالانتساب لوالدها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ألغت محكمة الاستئناف بالمملكة هذا الحكم.
وما بين التاريخين، طفا ملف "أبوة الأطفال خارج إطار الزواج" إلى واجهة الجدل من جديد بالمملكة.


بين البعد الإنساني والخصوصية الدينية


8 أشهر فصلت بين الحكم الأوّلي والاستئنافي، غير أنها كانت كافية لتزلزل المنابر الحوارية في مختلف وسائل الإعلام بالمملكة.

جدل وضع في الواجهة معارضين لما يعتبرونه "ضرباً للخصوصية الدينية وللأعراف"، وشق ثان يدافع عن "حق أطفال لا ذنب لهم" في الحصول على نسب، مستحضرين "البعد الإنساني" للمسألة.

ورغم الأهمية الاجتماعية المحورية لهذا الملف الشائك، إلا أنه غالباً ما يظل مركوناً في زاوية يخشى الكثيرون بالمملكة الاقتراب منها، لما يثيره الموضوع من حساسيات على مختلف الأصعدة.

إلا أنّ سيدة مغربية مقيمة في مدينة طنجة كسرت الصمت المخيم -ظرفياً- على الموضوع، حيث لجأت إلى المحكمة لإثبات نسب مولودتها، فكان أن تصدّر الملف اهتمام الرأي العام المحلي من جديد.

علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع بالمغرب، يرى أن "ردود الفعل من قبل مكونات المجتمع المغربي تجاه الموضوع متضاربة".

وقال، إنّه "في الوقت الذي ترفض فيه بعض الأطراف قرار محكمة الاستئناف من منطلق قناعتها بحقّ نسب الطفل إنسانياً لأبيه، إلا أن بعض الأطراف الأخرى تؤيّد قرار المحكمة، استناداً لـ"خصوصية المجتمع الإسلامي ومرجعيته الثقافية والأخلاقية".


"ثوابت اجتماعية"


رغم "البعد الإنساني" الذي يستند إليه المدافعون عن حقّ المولود خارج إطار الزواج في الحصول على نسب والده، فإن الشعباني يعترف بوجود "جوانب سلبية تمس العلاقة بين الأبناء والآباء، والأسرة" عموماً.

وأوضح أن "المنظومة الاجتماعية مبنية على العديد من الثوابت المتعلقة بالحضانة ورعاية الأبناء والتربية والإرث، ولذلك، فإن جميع هذه المفاهيم يمكن أن تندثر أو تتغير في حال تبدّل بعض الثوابت المؤطرة للمجتمع".

ودعا الخبير الاجتماعي إلى ضرورة فتح نقاش علمي حول الظاهرة، يشمل جانبها القانوني والاجتماعي والديني.

ووفق الشعباني، فإن المجتمع المغربي يقف اليوم بين خيارين؛ إما "التمسك بالإرث الاجتماعي، وعدم فتح أي مجال لأي تغيير في بنية المجتمع والأسرة، وإما إحداث تحوّل جذري في بعض المرتكزات الاجتماعية والعلاقات الأسرية".

وخلص المختص الاجتماعي إلى أنه يتعيّن "على المجتمع تحمّل مسؤولية هذا التغيير".


النقاش والتوعية


عائشة الشنا، رئيسة جمعية التضامن النسوي في المغرب (غير حكومية)، رأت من جانبها، أنَّ "القانون فوق الجميع، إلا أن المجتمع في حاجة إلى نقاش بخصوص الأطفال خارج إطار الزواج".

وأضافت، أنه من "الضروري أن تحصل تلك الولادات على بعض الحقوق مثل الانتساب إلى آبائها، خصوصاً في حالة ثبوت نسبهم".

وقدّرت، استناداً لدراسة نشرتها جمعية "إنصاف" بالمغرب (غير حكومية)، في 2011، بالتعاون مع الأمم المتحدة "عدد الولادات خارج إطار الزواج بالمغرب بـ153 مولوداً يومياً"، مشيرة أن "هذا الرقم شهد ارتفاعاً (لم تحدده) في السنوات القليلة الماضية".

ودعت الشنا إلى ضرورة التوعية، وتدريس التربية الجنسية، للحدِّ من ظاهرة الأمهات العازبات والأطفال خارج إطار الزواج.

وقالت إن المشكل ببلادها يتعلق بـ"العقلية"، خصوصاً في ظل غياب النقاش حول الموضوع.

ودعت إلى ضرورة إدماج الأطفال والشباب خارج إطار الزواج في عدد من المجالات، بما فيها سوق العمل، لأن بعض القطاعات ترفض تشغيلهم.


الإطار القانوني


في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية بطنجة، أوّل حكم قضائي في تاريخ البلاد، يقضي بحق طفلة مولودة خارج إطار الزواج، في الانتساب لوالدها البيولوجي.

كما قضت المحكمة بتعويض الأم عن الضرر الذي لحقها، جراء إنجاب ناتج عن هذه العلاقة.

واعتمدت المحكمة في قرارها على بعض الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بحقوق الطفل، التي صادق عليها المغرب، بينها حق الطفل الطبيعي في معرفة والديه البيولوجيين.

وفي 21 يونيو/حزيران 1993، صادق المغرب على اتفاقية تنصّ على أنه يتعيّن على القضاء منح الأولوية لمصلحة الأطفال في النزاعات المتعلقة بهذه الفئة.

وتنص المادة 7 من الاتفاقية على أن الطفل يسجّل عقب ولادته فوراً، ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.

فيما تنص المادة 148 من مدونة (قانون) الأسرة بالمغرب، على أنّه "لا يترتّب عن البنوّة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية".

والشهر الجاري، أصدرت محكمة الاستئناف بطنجة حكماً ألغى قرار المحكمة الابتدائية، بنسب الطفلة لوالدها البيولوجي.