27 عاماً على الحرب الأهلية اللبنانية ومازال أسوأ مخلفاتها موجوداً.. يدوس عليه أهل بيروت يومياً

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
ي

انتهت الحرب الأهلية في لبنان منذ 27 عاماً، ولكن مازال أحد أكثر مخلفاتها مدعاة للتقزز موجوداً بل ويزداد بكثافة.

في شارعٍ هادئ وثري من شوارع بيروت، يبدأ مُنَزِّهو الكلاب بالظهور، بينما تسقط ظلال الأزهار الجميلة على كتلٍ متراصةٍ على الرصيف، كأحجارٍ ترسم درباً جبلياً.

وعند تفحُّص تلك الكُتل عن كثب، تجد أنَّها في الحقيقة تلالٌ من البراز، حسبما ورد في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.


اشمئزاراً


توقّف جاد نوفل، 34 عاماً، أثناء تنزُّهه مع كلبه، بويكو، من فصيلة جيرمان شيبرد. وفيما كان الكلب يشمشم كومةً من البراز، نظر صديقه البشريّ تجاه لافتةٍ جديدة نسبياً تقول: "من فضلك! نظِّف المكان وراء كلبك".

وقال نوفل، مبدياً الاشمئزاز على وجهه: "بالنسبة للّبنانيين، من المُحرِج بعض الشيء أن تلتقط البراز عن الأرض".

لكن ماذا عن مرورهم ببراز كلابٍ في الشوارع؟

وأوضح نوفل أنَّ الشارع ليس مِن ممتلكاتهم الشخصية: "هُم لا يهتمون وحسب".

وقالت كارول بابيكيان إنَّ تلك هي المشكلة تحديداً. وكارول هيَ عضوةٌ في فريقٍ من البيروتيين الذين يحاولون جذب مدينتهم لتنضم لعالم القرن العشرين المعنيّ بالتقاط براز الكلاب.

وقالت كارول: "إذا كُنت تشعر أنَّك تنتمي لوطن ما، فإنَّك ستعتني بهذل الوطن. لكن هُنا كُلٌّ لديه فكرته الخاصة عن لبنان".

وكتب مستخدمٌ باسم "لبنانيّ غاضب" تغريدةً على موقع تويتر قال فيها: "شوارع بيروت: 1- براز كلاب 2- أبواق سيارات 3- بشرٌ غاضبون" .


العنصرية


يقول تقرير نيويورك تايمز اسأل أيَّ شخصٍ هُنا عن فضلات الكلاب وسرعان ما ستتحرَّك المحادثة في اتجاه مفاهيم المواطنة، والقومية، والانتماء، والنظام السياسي الطائفي في لبنان، وصولاً إلى الحرب الأهلية التي غيَّرَت شكل البلاد بين عاميّ 1975 و1990.

ويقول النشطاء المدنيون إنَّ سنوات العُنف الطائفي وغياب القانون تلك، وما أسفرت عنه من انتفاء الثقة لدى اللبنانيين، قد دمَّرَت حسَّ المساحات العامة المشتركة في لبنان، ماديةً كانت أم سياسية.

وقال جاد شعبان، وهو أستاذ جامعيّ وعضو بمجموعة "بيروت مدينتي" التي أثارت جدلاً العام الماضي 2016 عندما اتَّخذت خطوةً جذرية بالترشّح في انتخابات البلدية ببرنامجٍ يهدف لتحسين الخدمات العامة، إنَّ إعادة تعمير لبنان بعد الحرب قد جرت مع "تجاهلٍ شبه تام" لمشاهد الشوارع العامة.

وأضاف: "لا يشعر الناس بامتلاكهم أي شيء. لا يمتلكون الشارع. وبهذا فهُم لا ينتمون له. إنَّ الرصيف مجازٌ ملائم للوضع اللبناني ككل".

وبرغم ذلك، أو ربما بسبب ذلك، فقد نشأ ائتلافٌ فضفاض -يمكن القول بأنَّه حركةٌ من المستضعفين- لمجابهة مشكلة الشوارع الملوَّثة.

وتتألَّف الحركة فقط من بضعة أشخاصٍ: كارول بابيكيان وغيرها من أنصار الأحياء، ونشطاء معنيون بحقوق الحيوان، وطبيب بيطريّ، وسياسي هوَ ابن رئيسٍ لقي حتفه في عملية اغتيال.


مشكلة بسيطة لن تحل


ما جمع بين هؤلاء في البدء كان أملاً هشاً بأنَّ مخلَّفات الكلاب -بخلاف الفساد الحكوميّ أو الحرب الدائرة في سوريا المجاورة مثلاً- قد تكون مشكلةً صغيرة كفاية لأن تُحَل فعلاً. لكن ما اكتشفوه لاحقاً هو أنَّها تضُم في ثناياها كُل المشكلات اللبنانية الكلاسيكية.

لقد فشلت الحكومة اللبنانية الضعيفة في تقديم أي خدماتٍ عامة من المفترض أنَّ بإمكانها تحمُّل كُلفة تقديمها، مثل معالجة الصرف الصحي، ومياه الشرب، وتطبيق القانون بشكلٍ ثابت، وتوفير الكهرباء. وبالتالي فإنَّ نظافة الأرصفة ليست على أجندة الحكومة من الأساس.

وغرَّد مستخدمٌ آخر يحمل اسم Dan على موقع تويتر، قائلاً: "يجب أن تكون هُناك رياضة أولمبية تُدعى: تجنُّب الدوس في براز الكلاب على أرصفة بيروت".

ولهذا، تولَّت كارول وعدة أنصار الأحياء، زمام الأمور منذ نحو عامين، وقد تعوَّدوا جميعاً على الشوارع الخالية من البراز أثناء معيشتهم بالخارج.
وبدأت جهودٌ متوازية في كلٍ من الجانب الشرقي ذي الأغلبية المسيحية والجانب الغربي ذي الأغلبية المسلمة، وذلك انفصالٌ هوَ الآخر من إرث الحرب.

وفي كلا الجانبين، لاقت الحملة مقاومةً شرسة.

وقالت كارول إنَّ المسؤولين أخبروا مجموعة الحيّ الذي تنتمي له، أشرفية 2020، والتي تدعو لشوارع صديقة للمارّة في بيروت الشرقية، أنَّ التعاون معهم قد يُغضِب سكَّان الغرب. وأثار هذا استياء النشطاء، الذين تساءلوا بدورهم، لماذا لا نعمل مع كلا الجانبين؟

وسبق أن شهدت البلاد أزمة نفايات عام 2015 أسفرت عن تراكم جبالٍ من القمامة في جميع أرجاء البلاد عام 2015، بسبب عقود الشركات المعنية.

كذلك عانى النشطاء من أجل جذب العُمال المنزليين الأجانب ممَّن يحصلون في الغالب على أجورٍ منخفضة مقابل كمٍّ ضاغطٍ من العمل، وهُم مَن يقومون عادةً بمهمة تنزيه الكلاب في مدينة يُعَد فيها اقتناء الحيوانات الأليفة رفاهية.

وقال الطبيب ماهر يحيى، 42 عاماً، وهو طبيب بيطريّ كان قد بدأ حملةً هو الآخر في بيروت الغربية (الشطر المسلم): "لاقت الحملة فشلاً ذريعاً". كان كاتب التقرير قد قد وجد رقم هاتف يحيى على صندوقٍ مثبَّت على عمود إنارةٍ في أحد الشوارع. وكان من المُفتَرَض أن يحوي هذا الصندوق قفازاتٍ بلاستيكية ليستخدمها مُنزِّهو الكلاب، لكنَّه كان فارغاً.

عندما عاد يحيى إلى لبنان عام 2006 من كندا، حيث كان قد انتقل وهو طفل في أثناء الحرب، اتَّجه بعزمٍ لالتقاط البراز من وراء كلبه التشيواوا. وتابع: "أعتقد الناس أنَّني مجنون".


المشكلة لدى الجانب المسيحي والعلمانية تفاقمها


لم يتبنَّ يحيى القضية إلى حدٍ كبير في البدء. إذ أنَّ الشوارع الملوّثة كانت مشكلةً أكبر في الجانب الشرقي المسيحي، لأن معظم المسلمين المتدينين لا يسمحون بوجود الكلاب في منازلهم. وقال إنَّ 80 بالمئة من المَرضى البيطريين في الجانب الغربي هُم من القطط، بينما في الجانب الشرقي 80 بالمئة منهم كلاب.

لكن مع تنامي التوجُّه العلماني وعودة المغتربين من الخارج، ازداد عدد الكلاب التي ترتاد عيادته إلى ثلاثة أضعافها، وهوَ تغيُّرٌ رآه الطبيب منعكساً تحت قدميه أيضاً.

بذلك بدأ يحيى بإزالة "الألغام" الموجودة خارج عيادته. ثم علَّق 300 مُوزِّع أوتوماتيكي للقفازات في أرجاء المدينة. بدأ زملاؤه من الأطباء البيطريين بالاتّصال به - لا لينضموا للقضية، بل لاتهامه بالترويج لنفسه لطباعته اسم ورقم عيادته على الصناديق.

وكان قد تقرَّر عقد اجتماعٍ مع أحد مسؤولي المدينة، ثم أُلغي الاجتماع. كذلك اختفت القفازات، إذ رأى يحيى الباعة على واجهة البحر يستخدمونها لبيع الذرة المشوية.


ما علاقة الحرب الأهلية بمخلفات الكلاب؟


وبالنسبة ليحيى، الطبيب البيطري، فإنَّ ذلك المسلسل بأكمله ذكَّره بسبب عدم وجود قانونٍ ينص على تنظيف الشارع من مُخلَّفات الكلاب بالأساس: التساهل في تطبيق القانون وتفشّي الرشاوى واستخدام العلاقات الخاصة، حكم بالموت أيضاً على قوانينٍ أخرى لمصلحة العامة، مثل إلزام ارتداء حزام الأمان ومنع التدخين في المطاعم.

وقال: "ما صنعته الحرب هو أنَّ لا أحد يحترم القوانين. إذا ما توقفت عند إشارةٍ حمراء، سيصرخون بك قائلين: هل تظنُّ نفسك في أوروبا؟".

وجد يحيى تعاطفاً من جهةٍ واحدة في بيروت: مجموعة كارول. إذ كانوا قد أضافوا قضية براز الكلاب إلى أجندتهم فيما كانوا يقيمون معارض في الشوارع تُروِّج للمشي وركوب الدراجات.

وتحظى مجموعة كارول بعلاقاتٍ سياسية أكثر من الطبيب البيطري، وبجذبٍ أكثر إليها. إذ أسَّسها عضوٌ من البرلمان اللبناني، نديم الجميِّل، ابن الرئيس اللبناني المُغتال بشير الجميِّل.

ونشرت مجموعة الحيّ إعلاناتٍ عبر الشبكات الاجتماعية تُصوِّر رجلاً ذا لحيةٍ على الموضة يسبّ قائلاً: "دُستُ فيه"، ثم صورةً أخرى له يقف فخوراً في شارع أنظف.

وقد وضعت حكومة مدينة بيروت بدورها مؤخراً بعض اللافتات التي تحث الناس على التقاط براز كلابهم. ودعت كارول، بلا جدوى، لشنِّ "حملةٍ حقيقية" مستمرة وأرفع شأناً عبر شاشات التلفاز.


لماذا لا تُفرض غرامات؟


الحل البديهيّ للمشكلة -أي فرض غرامة، وهو الحلّ الذي بدَّل شوارع مدينة نيويورك في عام 1978- سيكون عقيماً هنا. إذ يجري تجاهل الغرامات الأخرى المفروضة على التدخين وخرق قوانين المرور بشكلٍ روتيني.

وقال كبريال فرنيني، وهو عضو ببلدية بيروت، إنَّ المشكلة الأخرى هنا هي أنَّه لا توجد شرطة محلية فعلية بمدينة بيروت، بل قوّة صغيرة من حراس البلدية.

لكنَّ قبساً من الأمل يضيء في حيّ السيوفي حيث كان نوفل يُنزِّه كلبه الجيرمان شيبرد.
بعد نوفل مرَّت جوساين باكارو، 46 عاماً، وبرونو، وهوَ كلب دوبرمان صغير الحجم. وجوساين هيَ عاملة منزل من الفليبين، وكانت ترتدي زياً وردي اللون وقفازاتٍ بلاستيكية.

سألتُها ما إن كانت تلتقط براز الكلب من الأرض، وقالت: "طبعاً. نحن من يدوس عليه!".

تبدَّلت معتقدات جوساين إثر زلَّة واحدة "على الكاكا". وقالت: "هذا يكفي، سألتقط البراز".

تأمَّلت جوساين صفاً من مُخلَّفات الكلاب، مختلفة القِدَم، والمؤدية إلى واحدة من الحدائق العامة القليلة في المدينة. كان الذباب يحوم حولها، مشعاً في ضوء المغيب.

وأضافت: "أحاول أن أقنعهم. لكنَّك تعرف كيف يبدو الأمر. ناسٌ عنيدون!".