تنافُس بين العراقيين والإيرانيين على انتصار كركوك.. والغارديان تكشف خبايا لقاء آلِ طالباني وبارزاني

تم النشر: تم التحديث:
S
s

عندما خَفَتَ صوتُ الرصاص على الطريق بين كركوك وأربيل، بعد ظهر يوم الجمعة الماضي 20 أكتوبر/تشرين الأول، كانت حدودٌ حديثة قد حُفِرَت في الأراضي الغنية بالنفط، ورُسِمَ خطٌّ جديد للنفوذ في شمالي العراق.

وفيما لا تزال فوَّهات بنادقهم ساخنة، بدأ أفراد قوات البيشمركة الكردية المهزومة في الانسحاب مرة أخرى من منطقةٍ على بعد أميال قليلة من مقر الحكومة في إقليم كردستان العراق، الذي انكمشت حدوده للغاية في الوقت الراهن، حسب وصف تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وعلى بُعد بضعة أميال في الجنوب بالقرب من كركوك، كانت القوات العراقية تتوغل، فقد انتهى غزوها للإقليم بأكمله، وأسفرت عملياتها التي استمرت خمسة أيام في بقية أنحاء الشمال حتى الآن عن الاستيلاء على ما يصل إلى 14 ألف كيلومتر مربع من أراضي الأكراد، بأقل قدرٍ ممكن من المقاومة.

استعادت بغداد الآن سلطتها على الأراضي التي استولى عليها الأكراد خارج حدودهم المقررة، والتي سيطروا على معظمها خلال القتال الذي دام لثلاثة أعوام ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

هذا الاستسلام الاستثنائي لقوات البيشمركة، الذي تلى استفتاءً على استقلال إقليم كردستان كان من المفترض أن يُعزِّز قوة الأكراد وسلطتهم على أراضيهم، لم يحطم فقط الطموحات الكردية في الحصول على دولةٍ مستقلة لدى جيلٍ واحد على الأقل، إلا أنَّه كشف النقاب أيضاً عن صراعٍ متزايد على السلطة في العراق، وديناميات إقليمية بدأت تتشكل سريعاً في أعقاب انهيار ما عُرِف باسم الخلافة الإسلامية، التي أعلنها زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي منتصف عام 2014.


من صاحب النصر: عبادي أم سليماني؟


اصطفَّ لإعلان هزيمة الأكراد كلٌّ من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وقاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الموجود في كل مكانٍ تقريباً، والذي مثَّل نفوذه في الأيام التي سبقت هجمات الأسبوع الماضي عنصراً رئيسياً في تحديد نتيجتها حتى قبل إطلاق رصاصةٍ واحدة.

كان مسؤولو الحكومة الإيرانية يحتفلون أيضاً بالنصر الذي تحقَّق في كركوك، التي ضمَّها الزعيم الكردي مسعود بارزاني في الواقع ضمن الحدود التي أُجرِيَ فيها الاستفتاء على الاستقلال.

وقال قائدٌ رفيع المستوى في قوات الحشد الشعبي الشيعية: "لم نكن لنسمح أبداً لمشروعٍ صهيوني مثل هذا أن يستولي على كركوك. كركوك محورية لاقتصاد العراق، ولن تنتمي أبداً لبارزاني".


موطن لمن؟


كركوك، التي كانت محل نزاعٍ على مدى التاريخ، هي موطن للأكراد والعرب والتركمان، فضلاً عن حقول نفط ومطار وقاعدة عسكرية استراتيجية، وعلى الأقل 8 مليارات برميل من النفط الجوفي.

وكانت تدعم الاقتصاد الكردي المعتمد على النفط خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بتصدير ما يصل إلى 600 ألف برميل يومياً، من خلال خط أنابيب شيَّدته بينها وبين تركيا، الأمر الذي سبب الضيق لبغداد.

كشف سقوط كركوك أيضاً صدعاً في قلب قرار إجراء الاستفتاء على الاستقلال، الذي حظيَ بتأييد 93% من الأكراد الذي أدلوا بأصواتهم في الاقتراع، لكن لم تؤيده بصدق قط جماعة السياسي الكردي والرئيس العراقي السابق الذي توفي مؤخراً جلال الدين طالباني، التي كانت قوات البيشمركة التابعة له مسؤولةً عن الدفاع عن حدود كردستان الجنوبية.

وقال دبلوماسي أوروبي بالعراق: "لن يتمكنوا أبداً من تجاوز الأمر في ظل قيادة بارزاني لهم، وبعيداً عن ذلك، كان الأمر سيضعهم دائماً في موقفٍ صعب مع إيران، التي كانت ستغزو العراق قبل أن تخسره. وأعتقد أنَّهم في أعماقهم، ربما رأوا أنَّ ذلك ليس شيئاً يمكن حله من خلال إعلانٍ أحادي الجانب".


إنكار لدور إيران


وفي بغداد، أنكرت السلطات مراراً ادعاءات الإيرانيين بأنَّهم كان لهم دورٌ مركزي في تحقيق النصر.
وقال وزيرٌ عراقي رفيع المستوى: "الأسطورة الشائعة هي أنَّ قائداً عسكرياً إيرانياً بعينه لديه يدٌ في كل ما يدور داخل هذا البلد، كما لو أنَّه نائب الملك، هذا ليس حقيقياً. هذا بلد مرَّ بالكثير، ويعود للوقوف على قدميه بدماء شهدائه وتضحيات مواطنيه".

وعند سؤاله عن سبب رفضه ذكر اسمه في تلك التصريحات، أرجع الأمر إلى "حساسية منصبه". وأضاف عقب ذلك: "ليس من الحكمة إثارة غضب (المسؤولين الإيرانيين)".


ما دور الجيش العراقي؟


بينما لعب الجيش العراقي في الواقع دوراً بارزاً في استعادة السيطرة على كركوك، كان هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للجماعات الشيعية التي ترسل تقاريرها إلى سليماني وقادة قوات الحشد الشعبي هادي العامري وأبو مهدي المهندس.

فقبلَ أيام من الاستفتاء، كان العامري هو من أرسل مبعوثاً إلى بارزاني، مهدداً ببدء "الحرب" إذا مضى في قراره.

ووفقاً لمسؤولين أكراد رفيعي المستوى، جلس سليماني كذلك قبالة بارزاني الرئيس الكردي الفعلي، في محاولةٍ لردعه. وعندما لم يفلح ذلك، طلب لقاءً ثانياً مع بارزاني، لكن طلبه رُفِض.
وعلى مدار الأسبوعين الماضيين كان زائراً منتظماً للمعسكر السياسي المنافس في شمال كردستان، عائلة طالباني، في مدينة السليمانية، ثاني أكبر مدن الإقليم.


موقف ترامب


وأصرَّت الولايات المتحدة الأميركية، التي عارضت بشدة قرار الاستفتاء، وخاصةً قرار تضمين كركوك، على أنَّه رغم التحرك العراقي الأخير فإنَّ المناطق التي "سيطرت عليها" الحكومة العراقية المركزية لا تزال محل نزاع.

ونأت واشنطن بنفسها عن اشتباكات، الأسبوع الماضي، حتى حين كانت القوات الشيعية الموالية لسليماني تساعد في قيادة الهجوم على كركوك.

المفارقة أن شبح هيمنة إيران كان محور خطاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في الأسبوع الماضي، حيث أعرب فيه عن تفكيره في تمزيق الاتفاق النووي الإيراني، والذي كان محور الانفراجة في العلاقات بين واشنطن وطهران، خلال عهد سلفه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.


صراع بين قم والنجف


وقال دبلوماسي أميركي سابق بالعراق: "يجب أن تقول إنَّ هذا التحدي (من قبل العراق) كان خلاف ما حدث بوضوح، نعم لقد قاتل العراقيون، ولم يكونوا بالمرتبة الثانية من حيث النفوذ. لكنَّ الدور الإيراني هنا لا يمكن نكرانه. ولا يمكن إنكار حقيقة أنَّ هذا مثالٌ أساسي على صراعٍ أكبر يدور للفوز بالشارع العراقي. هذا الصراع بين النجف وقم (قاعدتي النفوذ الشيعي في العراق وإيران) واضح كل الوضوح".

وقال وزيرٌ عراقي: "الحملات السياسية والعسكرية حول كركوك كان يُنظمها سليماني، لا تنخدع بالتفكير في خلاف ذلك، أي شخص يعتقد أنَّه (سليماني) يخضع لسلطة العبادي لا يعي كيف تسير الأمور في العراق".


خيانة


في يوم السبت 15 أكتوبر/تشرين الأول 2017، بينما كانت القوات العراقية والشيعية تحتشد قرب كركوك، جلست الفصائل الكردية، المكونة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني التابع لجماعة طالباني، لإجراء محادثاتٍ في مقاطعة دوكان الواقعة على نهر الزاب بمحافظة السليمانية في كردستان.

ووصل بارزاني بصحبة نجله منصور ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى. ومن جانب الاتحاد الوطني الكردستاني ترأست هيرو إبراهيم أحمد، أرملة أمين عام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال طالباني الذي توفي فقط قبل أسبوع، وفداً ضمَّ نجلها الأكبر بافيل، ورئيس وكالة الأمن والمعلومات في منطقة كردستان العراق لاهور طالباني.

وقال مسؤولٌ كردي رفيع المستوى: "بافيل قال إنَّه اجتمع مع العبادي، وناقشا السماح لقوات العمليات الخاصة العراقية بدخول كركوك.

وقال إنَّ "الحرس الجمهوري العراقي قد يسيطر على بعض المواقع". وأضاف: "سألناه عمَّا إذا كان قد أبرم اتفاقاً، وقال: لا، كانت فقط نقاطاً محل نقاش. وقلنا إنَّه إذا كان قد وافق على ذلك، سيكون علينا تغيير موقع قواتنا تباعاً".

وتابع: "لقد كذبوا علينا. كانت خيانة تاريخية، فقد أبرم الاتفاق بينما كانوا يستقبلون التعازي في طالباني، بدايةً في السليمانية، ثم في بغداد. الاجتماع الثاني هو المكان الذي أُبلِغَ فيه العبادي أيضاً".

ويعتقد مسؤولون بالحزب الديمقراطي الكردستاني أيضاً أنَّ بافيل ولاهور عقدا اجتماعين سابقين مع قادة قوات الحشد الشعبي، حضر أحدهما سليماني، في مدينة طوزخورماتو العراقية‎‎ على بعد 37 ميلاً (نحو 60 كيلومتراً) جنوب كركوك.

وكان بارزاني قد اعتبر أن "ما حدث في كركوك كان بسبب قرارات فردية من سياسيين أكراد"، مضيفاً أن "استفتاء الاستقلال لن يضيع هباء".


خطأ فادح


وفي حديثٍ له، يوم الجمعة الماضي، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وصف بافيل نجل جلال طالباني قرار إجراء الاستفتاء بأنَّه "خطأٌ فادح. وحتى في القتال في كركوك، كانت هناك فرصة. تواصل معنا رئيس الوزراء العبادي وتوصلنا إلى حلٍّ توافقي مُشرِّف"، مشيراً إلى خطوة سحب قوات البيشمركة.

وفي الوقت الذي أعادت فيه قوات البيشمركة ترسيم دفاعاتها، السبت 21 أكتوبر/تشرين الأول 2017، كانت الحدود الجديدة تقع شمالي كركوك، حيث كان هناك خطٌّ فعلي يشير إلى المناطق المتنازع عليها بين الأكراد والعرب بعد سقوط صدام حسين، مُحصَّنة بصورة مُكثَّفة من قبل القوات العراقية والجماعات الشيعية.

وقال عضوٌ بقوات الحشد الشعبي، موجودٌ على الطريق المؤدي إلى كركوك: "كان هذا أكثر درس مؤلم واجهوه. دعهم يفكرون في ذلك ملياً وفي التاريخ. كركوك لن تكون أبداً كردية".