كيف هدمت رواية "أمريكانلي" مسلمات "أرض الأحلام" عند المغتربين العرب؟

تم النشر: تم التحديث:
PIC
SOCIAL MEDIA

صدرت رواية "أمريكانلي"، أو "أمري كان لي"، للكاتب صنع الله إبراهيم عام 2003، وهو العام نفسه الذي رفض فيه استلام جائزة الرواية العربية. صدرت الرواية عن دار المستقبل، وأعيد طبعها مع دار الثقافة الحديثة.

في البداية، تظن أنه كتاب مقالات سياسية أو تاريخية، ثم تبدأ تلمس فقرات الرواية، لتنتهي بمذكرات مغترب.


نقد المسلمات


يتحدَّث الكاتب هنا عن أرض الأحلام أميركا، ويلعب الكاتب بالعنوان لعبة لفظية جميلة، مستخدماً النسب المستخدم قديماً في عهد الخلافة العثمانية، العثمانلي.

تدور أحداث الرواية حول البروفيسور المصري شكري عند وصوله إلى ولاية سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، فيصطدم بواقع بلده الأم وما تعانيه اقتصادياً وسياسياً.

وقد أتى تلبية لدعوة من معهد مشبوه يهتم بدراسة التاريخ المقارن يملكه ثري عربي، ليقوم فيه بتدريس مادة التاريخ المقارن لمجموعة من الطلبة الأميركيين من أصول مختلفة وثقافات متعددة وأعراق متباينة، بين سود وبيض وآسيويين، وهذا هو التنوع الذي بدأ به الكاتب سرده التاريخي والسياسي؛ فقد تمكن صنع الله إبراهيم في هذه الرواية من تنويع السرد بين سرد بسيط وعميق وتغيير في صيغة السرد والحوار.

وهذا التعدد عدد الرؤية والفهم والاقتناع أيضاً بمضمون الرواية وقضاياها، خاصةً أنه تناول قضايا اختلف حولها المؤرخون والمفكرون ويختلف حولها القراء مثل الموقف من أميركا ونكسة 67 وحرب 73، وكذلك بعض التراث العربي والموروثات الثقافية، والذي ينتقده هنا بالطريقة نفسها، فيشكك دون أن يعطيك رأياً يؤثر عليك، وإنما يطلعك على كل ذلك بنظرة محايدة متفتحة قابلة للتفكير والنقاش وإعمال العقل، فقد ناقش تاريخ مصر القديم والحديث منذ الفراعنة، مروراً بالفتح الإسلامي، وحتى عصر ناصر والسادات.


عوالم مختلفة


يقرر البروفيسور المصري شكري أن لحصول الطلبة على الماجستير عليهم دراسة مادة خارج منهجهم الدراسي، ثم تمتد الدراسة بهم لتصبح بحثاً يتشعَّب في أمور شتى؛ التاريخ وتطوراته والشعوب والجغرافيا، حتى يضع النهاية على ورق أبحاث هؤلاء الطلاب.

وقد جعل النقاش يدور بين هؤلاء الطلاب المختلفين أيديولوجيا بشكل راقٍ وثري رغم اختلافهم، إلا أن الحوار قد شابه بعض الملل لطول المعلومة على لسان الطلاب، ومنه تتضح كذلك خلفية الكاتب السياسية القومية العربية والاشتراكية.

سنرى الراوي يتحرك بين عوالم مختلفة بين الماضي والحاضر وبين شخصيات متنوعة من القاهرة إلى أميركا بشوارعها ومتاجرها ولوحاتها الإعلانية، وبكثير من التفاصيل التي لا تتوقف ولا تشعر معها بالملل تجعلك تقرأ وكأنك تعيش داخل هذا العالم، فهو يصف الشوارع والأرصفة وألوان البنايات والمواطنين المارين والأماكن العامة والمهمة وأكشاك الباعة، ويرسمها في لوحات متقنة الوصف.


هوس جنسي


لكن يعاب على الكاتب الحبكة الدرامية المنقوصة، وكذلك هو لا يدع حدثاً إلا وتطرق معه إلى بعض التفاصيل الجنسية، ربما كان هدفه في ذلك إيضاح أكبر لصورة هذا العالم، والهوس الجنسي للعربي الساذج المسافر وهو فوق الستين، ويظن أنه مرغوب من النساء.

فنجده يتطرق إلى مغامراته وعلاقاته الفاشلة، بينما تجده في موضوع آخر يعرفنا في الرواية على سيدة تدرس الدراسات الجنسية، واصفاً جسدها بشكل مثير، كذلك ذكر أن هناك زوجة مصرية قبلت أن يُنسب إليها أنها تعرَّضت إلى الاغتصاب، بعد أن وجدت أنها الطريقة الأسهل للبقاء في الولايات المتحدة.

وفي ذلك يتضَّح الربط بين عالمين، رغم أن موقع أحداث الرواية هو أميركا، أرض الأحلام، فيكشف لنا أنها ليست مثلما يظنها البعض، فالكاتب يهدف إلى هدم هذا الوهم، وكذلك هدم المسلَّمات الثقافية والتاريخية على مرِّ العصور.