الأسرار الدفينة لأولى منارات العالم.. قصة المعلم الأثري في الإسكندرية الذي "دفع أحد اليونانيين لادعاء الإسلام كي يصل إليه"

تم النشر: تم التحديث:
LIGHTHOUSE OF ALEXANDRIA
UNSPECIFIED - JUNE 06: Lighthouse at the waterfront, Alexandria, Egypt (Photo by De Agostini Picture Library/De Agostini/Getty Images) | De Agostini Picture Library via Getty Images

الإسكندرية أو كما يلقبونها عروس البحر المتوسط، كانت وما زالت مركزاً حيوياً على مدار التاريخ، في الماضي كانت محطَّ اهتمام القادة والقياصرة، أما في الحاضر فيعتبرونها العاصمة الثانية لمصر.

حتى قبل ميلاد المسيح بوقتٍ طويل، كانت الإسكندرية مركزاً حيوياً للإبداع التكنولوجي والتجارة، جذب بعضاً من أعظم العقول في العالم، كما يقول موقع The Daily Beast الأميركي.

ويمكنك أن تتخيل شعور قيصر، ومارك أنطوني، والكثير من قادة ذلك الزمان حين سافروا إلى الإسكندرية -بعضهم من أجل الإلهام وبعضهم مدفوعاً بطموحٍ سياسي خبيث- وفجأةً أبصروا أضواء فاروس، منارة الأمل والنور، بعد رحلةٍ طويلة في البحر المتوسط.

لآلاف السنين، ظلَّت المنارات ترشد البحارة الباحثين عن علامةٍ على الوطن، أو أولئك الذين يكافحون بحثاً عن النجاة في المحيط الواسع.


قصة المنارة


أُنشِئَت أول منارة على الإطلاق في الإسكندرية بمصر، عام 280 قبل الميلاد، بعد عقودٍ عديدة من وفاة الإسكندر الأكبر.

وقفت المنارة منتصِبةً لمدة 1600 عام على ساحل البحر المتوسط، ترشد السفن إلى ميناء الإسكندرية، أولاً اليونانيون، ثم الرومان، وأخيراً العرب، قبل أن يدفع زلزال بهذا البناء الثوري -الذي اعتُبِر واحداً من العجائب السبع للعالم القديم- إلى قاع البحر.

لكن قبل أن تهبط المنارة إلى القاع، كانت قد أصبحت نموذجاً لكل المنارات التي تلتها.

وقد كتب الرحَّآلة العربي القديم "ابن جبير"، أنَّ ضوء الفنار كان يُرى من على بُعد 70 ميلاً، في البحر. وهناك رواية تُفيد بأن مرآة الفنار، وكانت أحد الإنجازات التقنية الفائقة في عصرها، قد سقطت وتحطَّمت في عام 700م، ولم تُستبدل بغيرها، وفقد الفنار صفته الوظيفية منذ ذلك الوقت، وقبل أن يدمِّره الزلزال تماماً.


أساطير حول المنارة


تقول الأسطورة إنَّه بعد فتح الإسكندر الأكبر لمصر، ظهر له هوميروس في المنام واقتبس أبياتاً من الأوديسة، ذكر فيها جزيرة فاروس المصرية.

وفي اليوم التالي، زار الإسكندر الجزيرة، وقرَّر أنَّها أفضل بقعة لبناء مدينته العظيمة.

وكتبت كلير برايس لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية عام 1923: "ربما كان غرض الإسكندر من وراء تطوير جزيرة فاروس هي أن تحل، إلى الأبد، محل الموانئ السورية التي دمَّرها. ومن أجل هذا الغرض ربط الجزيرة بالبر الرئيسي عبر بناء حاجزين طويلين للأمواج، أصبحا منذ وقتٍ طويل جزءاً من الأرض الصلبة".

وبينما أنشأ الإسكندر هذه العاصمة الكبرى، يُعتَقَد أنَّ خليفته، بطليموس الأول، هو مَن بدأ بخطط بناء هيكلٍ طويل في فاروس، ليرسل إشاراتٍ إلى السفن التي تقترب إلى اليابسة.

وكما كانت الحال مع كل المباني في العالم القديم، فقد كان الغرض من المنارة أن تكون نصباً تذكارياً للآلهة والملوك، لكنَّها أُقِيمت أيضاً لأسباب عملية. إذ كان الساحل المصري منخفضاً ومسطحاً، وهو ما يشكل خطراً على السفن القادمة حال صعوبة الرؤية. وكانت هذه السفن بحاجة إلى منارةٍ للمساعدة على إرشاد هذه السفن بأمان إلى الميناء.

ومن الروايات التي تداولها الناس عبر العصور، نعرف أنَّ الهندسة المعمارية لأول منارة على الإطلاق كانت رائعة. فكانت جدران كل مستوى تنحدر بشكل طفيف لترشد العين إلى النقطة الكائنة بالأعلى، حيث انتصب تمثال ضخم في وضعية الانتصار (يقول البعض إنَّ هذا التمثال كان لإله الماء بوسيدون، ويقول آخرون إنه كان لإله الشمس هيليوس). لكن ما جعل فاروس شديدة النفوذ حقاً كانت هي التكنولوجيا.

ففي أعلى المنارة، التي كان ارتفاعها يبلغ 350 قدماً أو نحو 106.7 متر (والتي لم يكن هناك ما يفوقها طولاً في ذلك الوقت سوى أهرامات الجيزة)، كان ثمة غرفة تشتعل فيها النيران طول الوقت لإضاءة الطريق لأميالٍ وأميال من حولها (تقول الأسطورة إنَّه كان يمكن رؤية ضوئها على بعد 33 ميلاً (نحو 53 كيلومتراً)، على الرغم من أنَّ المؤرخين في أوائل القرن العشرين اقترحوا رقم 27 ميلاً (نحو 43.5 كيلومتر)، وهو رقمٌ أكثر اعتدالاً).

وفي الليل، كانت الأضواء المنبعثة من النيران ترشد السفن بأمانٍ إلى المرفأ، بينما كان الدخان المنبعث من اللهب بالنهار يقوم بالوظيفة ذاتها.

وقد كان هذا البناء بالغ التأثير، لدرجة أنَّ اسمه، فاروس، على اسم الجزيرة التي بُنِي عليها، قد تبنَّته الكثير من اللغات الرومانية باعتباره الكلمة الرسمية التي تعني "منارة"، وأصبح اسم دراسة المنارات وإشاراتها الضوئية معروفاً باسم الفارولوجي Pharology.

وقد أُشعِلت أولى النيران الإرشادية في يومٍ مشهود، حوالي العام 280 قبل الميلاد.

وعلى الرغم من الاضطراب السياسي، الذي تمثل باستيلاء الرومان على المدينة، ثم بعد ذلك العرب الذين حكموها بدءاً من عام 640 ميلادية، استمر الضوء المنبعث من فاروس في التألُّق باستمرار. وأدركت كل طبقةٍ جديدة من الحكام قيمة المنارة واستخدموها للمحافظة على سفنهم واقتصاداتهم بشكلٍ سليم.

ومع ذلك، كره اليونان رؤية إحدى اختراعاتهم الثمينة وهي تُستخدَم في إثراء المغتصِبين. وبحسب الأسطورة، شعر أحد رجال الحاشية اليونانيين بالسخط الشديد، فوضع خطةً تقضي بتسليم نفسه إلى الخليفة العربي الذي كان يدير الإسكندرية، وزعم أنَّه يريد العيش في المدينة واعتناق الإسلام.

وتدريجياً، حاز هذا الرجل ثقة الحكومة (وبالطبع ساعد في ذلك عطايا الذهب والفضة التي جلبها معه)، ولما اقتنعت الحكومة تماماً أنَّه في جانبها، كشف لهم السر الكبير. أخبرهم أنَّ ثمة كنزاً كبيراً تحت فاروس.

وجاء في المقالة المكتوبة بصحيفة نيويورك تايمز عام 1923: "لم يستطع الخليفة العربي اكتشاف الخدعة إلا بعدما كان نصف البناء قد تهدَّم. ولم يعد البناء قط إلى مجده السابق. ومنذ ذلك الوقت، بقي المصير المشؤوم مرتبطاً بالمنارة".

حاول الحكام العرب تجديد كنزهم الفعلي المتمثل في المنارة، لكنَّ النتيجة لم تكن قط كالسابق.

وبينما استمرت المنارة في أداء دورها، بُنِي مسجدٌ ذو قبة على قمة البناء، حيث يمكن للمؤمنين الصلاة.

لكنَّ سلسلة من الزلازل واصلت إضعاف البناء الهَش بالفعل، وحدث في القرن الـ14 أنْ قَضَى زلزالٌ كبير على المنارة في النهاية. فانهار البرج إلى البحر، حيث ظلَّ هناك.


اكتشافات تحت المنارة


وقال جاي والز لصحيفة نيويورك تايمز عام 1962: "لقد أرسل الصيادون والضفادع البشرية تقارير تفيد باكتشافاتٍ أخرى (قطع رخام، وتوابيت حجرية، وعملات معدنية رومانية وأعمدة من الغرانيت) مدفونة تحت الأعشاب البحرية والأصداف القريبة منها".

لكنَّ الأمر الذي لا يزال يثير اهتمام المؤرخين هو الاكتشافات الأثرية في محيط المكان الذي كانت فيه المنارة سابقاً.

إذ اكتشف مهندسٌ فرنسي عام 1923 ثلاثين لوحاً عملاقاً، يُعتَقد أنَّها ربما كانت من أعمدة المنارة. وفي عام 1962، اكتشف أحد الغطاسين، بينما كان يصطاد بالرمح في المنطقة، تمثالاً ونموذجاً لإنسان، وعموداً مدفوناً في قاع البحر.

وجاءت أكبر الاكتشافات عام 1994 عندما اكتشف عالم الآثار الفرنسي جين إيفس إمبرور الكثير من كتل البناء الضخمة، وتماثيل يُعتَقَد أنَّها تعود للمنارة.

وليست بقايا المنارة قَطعاً هي الكنوز الوحيدة في هذه المنطقة. في الواقع، تُعَد المنطقة شديدة الثراء بالاكتشافات الأثرية، لدرجة أنَّ الحكومة المصرية اقترحت إنشاء متحف تحت الماء من شأنه أن يسمح للزوار برؤية هذه الكنوز المدفونة في قاع البحر، وفي الوقت ذاته المساعدة على الحفاظ عليها بعيداً عن التلوث.