الأمر ليس متعلقاً بالمتعة والراحة.. عطلة الأسبوع تقسم اللبنانيين وتُشعل معركة نفوذ في بلدهم

تم النشر: تم التحديث:
MUSLIMS AND CHRISTIANS LEBANON
Lebanese Muslim Shiite women walk past Maronite Christian women (C) as they pay a visit to the shrine of Our Lady of Lebanon in the town of Harissa north east of the Lebanese capital Beirut, marking the start of the Holy Month of Virgin Mary, on May 1, 2016. Virgin Mary is considered one of the most righteous and greatest women in Islam and is venerated by both Islam and Christianity. / AFP / PATRICK BAZ (Photo credit should read PATRICK BAZ/AFP/Getty Images) | PATRICK BAZ via Getty Images

هُناك جدلٌ قائم في بيروت حول موعد بدء عطلة نهاية الأسبوع. وبحسب ما ذكره موقع وكالة Bloomberg الأميركية يوم الجمعة 20 أكتوبر/تشرين الثاني 2017، لا يجب أن تتعجّل في الحكم على الأمر بالتفاهة.

وتقول الوكالة أن ما قد يبدو تافهاً نسبياً بالنسبة لبلد عرقلت الحرب المجاورة في سوريا اقتصاده ليس كما يبدو على الإطلاق. فبالنظر إلى توازن القوى الطائفي الحساس في لبنان، يُعد الخلاف حول موعد انتهاء عمل الأسبوع شأناً سياسياً ودينياً. فالأمر متعلّق بالطائفية، وليس متعلّقاً بالسعي وراء المتعة.

فقيادة المجتمع المسلم السنّي تريد أن تستعيد يوم الجمعة كيومٍ للراحة والصلاة، وصادقت على حملة للضغط على رئيس الوزراء السُنّي أيضاً، سعد الحريري، من أجل إلغاء قانون يُنظم ساعات العمل للموظفين المدنيين.

أما المسيحيون والمُسلمون الشيعة، والكثير من السياسيين السنيين قد أداروا دفّة الحوار بوضوح باتجاه تخصيص أيام السبت والأحد كعطلة أسبوعية -وهو أمر فريد بين البلدان العربية في الشرق الأوسط- من أجل تجنّب تأجيج التوترات الطائفية.

امتحان للتسوية


ويقول أمين الجميل، رئيس لبنان السابق في الفترة الممتدة بين عامي 1982 و1988، في لقاء أجراه في بلدته بكفيا المسيحية المارونية الواقعة في المنطقة الجبلية شرق بيروت: "عندما تكون مُستنزَفاً، تثير هذه الصراعات، وتُصبح المُشكلة الصغيرة نزاعاً كبيراً".

وأضاف "لقد اضطررنا دائماً إلى النضال، لمقاومة ما يجري في المنطقة. وفي لبنان؛ ما زلنا قادرين على المقاومة حتّى الآن. البُعد الديني يصبح معقداً، وسبباً للريبة والنزاعات".

ويُعتبر الخلاف امتحاناً آخر للتسوية السياسية التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، عن طريق توزيع السلطة بين الطوائف الدينية. ويأتي في الوقت الذي يشهد فيه لبنان تقلّباً إقليمياً غير مسبوق عبر الحدود.

وجرت العادة في بيروت، المدينة المُطِلّة على البحر المتوسط، والمليئة بالحانات والمقاهي والمطاعم التي تتناول فيها الشابات المقبِّلات، بينما ينادي المؤذنون في آخرين ليحضروا إلى المسجد، أن تكون في مهب الريح. حيث تتكئ القوى الخارجية دائماً على التجربة اللبنانية، سواء كانت تلك القوى ممثلة في النظام السوري أو الإسرائيليين الذين يحتلون الجنوب.

وتتصارع الطوائف المختلفة في المدينة من أجل المزيد من النفوذ، فالشيعة تشجعهم حركة حزب الله المدعومة من إيران، أما السُنّة، فقد تزايد عددهم بتدفق أكثر من مليون لاجئ من سوريا، ويقولون إنهم مُهمّشون، بحسب وكالة "بلومبيرغ".

واقترح عضو في حزب رئيس الوزراء سعد الحريري، في أغسطس/آب، أن يجعل موظفي الخدمة المدنية يعملون لمدة 15 دقيقة إضافية لأربعة أيام من الأسبوع، والسماح لهم بالعمل لثلاث ساعات فقط يوم الجمعة، حتّى يتمكن المسلمون من حضور الصلاة.

ولكن هذا ليس كافياً لأولئك الذين يطالبون بتخصيص أيام الجمعة والأحد كعطلة مع العمل خلال أيام السبت. فتبدو ملصقات صور المفتي الأكبر في أنحاء المدينة إلى جانب رجال راكعين أثناء أداء الصلاة مرفقة بشعار "عطلة الجمعة حق يجب إقراره".

"إذا لم يجعل الحريري يوم الجمعة عطلةً، فإنه سيخسر" هكذا يقول حسن مكاوي، السُني البالغ من العمر 72 عاماً وهو صاحب متجر لبيع الحلويات، وأضاف قائلاً "السُنّة قد أهمِلوا لفترة طويلة، وسُحِقت حقوقهم، لقد حان الوقت لنبدأ استردادها، وإحدى الخُطى في هذا الاتجاه أن يُخصص يوم الجمعة كعطلة".


"لا يمكن تقسيم العطلة"


بجانب مكاوي، وفي الشارع الواقع فوق التل من منطقة وسط بيروت التي تحتوي على فنادق خمس نجوم وحانات على الطراز الفرنسي ومعارض سيارات رياضية، كان هناك حسين حمود، البالغ من العمر 30 عاماً، وهو شيعي يعمل كهربائياً، ولم يكن يريد أن يتعدّى الدين على التقاليد اللبنانية.

وقال حسن "أنا مُسلم، وأنا غير موافق"، مُضيفاً "ليس بإمكانك تقسيم عطلة نهاية الأسبوع، فهذا يعني عدم القدرة على الاستمتاع بإجازاتنا".

وبيروت الكبرى هي موطن لحوالي ثلث اللبنانيين البالغ عددهم 6 ملايين نسمة. والقاعدة هي أن المسيحيين والسنة والشيعة يمثّل كل منهم ثلث عدد السكان، وذلك على الرغم من أن تلك النسب قد شُوهَت في بادئ الأمر بتدفق الفلسطينيين عقب 1948، وازدادت تشوّهاً في الآونة الأخيرة بتدفق السوريين، ولم يتم إجراء أي تعداد للسكان منذ عام 1932.

وتتواجد المساجد والكنائس بجانب بعضها البعض بين ناطحات السحاب والمجمعات السكنية بالمدينة، إّذ يجد الزائر الذي يصل وسط المدينة ليلاً، مسجد "محمد الأمين" العملاق -الذي موّله رفيق الحريري والد رئيس مجلس الوزراء الحالي والذي اغتيل عام 2005- في استقباله. وإلى جانبه يجد صليب كاتدرائية القديس جورج المارونية مشيراً إلى السماء بجانب مآذن المسجد.


"الإهانة"


آخرون، أيضاً، يتوغلون في أعماق بيروت لتذكير الناس بالطريقة التي يمكن بها للتوتر الطائفي أن يُحوِّل حوادث تافهة إلى صراع مفتوح.

فقد فاز فيلم "الإهانة" للمخرج زياد الدويري بجائزة مهرجان البندقية السينمائي هذا العام. وفيه؛ يؤدي شجار حول أنبوبة صرف بين ميكانيكي سيارات مسيحي ولاجئ فلسطيني إلى نزاع وعنف، ويستعرض فيه كلا الرجلين تعصّبه في المحكمة".

وبعد مشاهدة الفيلم بساحة أسواق في بيروت ذات مساء الأسبوع الماضي، قال فاروق الخليل، الذي يبلغ من العمر 67 عاماً إن الفيلم يظهر انعدام الثقة الراسخ بين اللبنانيين منذ الحرب. وفاروق الخليل من طائفة الدروز، وهي واحدة من خمس مجموعات في البلاد مرتبطة بالإسلام.

وأضاف الخليل "لم يتم تسوية الأمر بعد"، وتابع "ذلك لأن آخرين يحكموننا ويُملون علينا ما ينبغي أن يحدث هنا، وعلى الصعيد الخارجي؛ في بعض الأحيان يكون هؤلاء من الدول العربية، وفي أحيان يكونون أوروبا أو أميركا، نحن حقاً لم نحكم أنفسنا بالكامل أبداً".

وفي مقر حزب الكتائب خارج بيروت، كان الرئيس السابق أمين الجميل يأمل فقط في أن تسود ثقافة الديمقراطية في البلاد، حتى ولو كان الثمن في كثير من الأحيان هو الشلل السياسي.

ويقول الرئيس السابق البالغ من العمر 75 عاماً وقد تسلّم السلطة بعد اغتيال أخيه عام 1982 "هذا هو السبب الذي لأجله تأخذ المطالب الصغيرة بُعداً آخر"، وأضاف "لماذا اليوم وليس بالأمس؟".

وأضاف قائلاً "هناك صراع حقيقي بين ثقافة الديمقراطية وظاهرة النزاع الديني الإقليمية المتفاقمة"، وتابع "هناك سباق، وأنا لا أعرف من سيفوز فيه".

ويشار إلى أن المسلمين في لبنان يطالبون، منذ الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي عام 1946، بـ"المناصفة والتسوية بين اللبنانيين المسلمين والمسيحيين في كل الحقوق الدينية والوطنية"، بحسب وكالة الأناضول.