أكثر من مجرد لعبة.. كيف وحدت "الركبي" بين اللبنانيين في أستراليا رغم انقساماتهم العميقة!

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

على مدار السنوات الماضية وفي كل موسم لرياضة الركبي، كان كريس صعب يعمل لساعات طوال في أعمال الردم والحفر أثناء النهار، ويخصص 3 ليالٍ أسبوعية للتمرين والتدريب، فيما يقضي عطل نهاية الأسبوع في لعب الركبي ضمن كأس (رون ماسي) الأسترالي.

يبلغ صعب 35 عاماً من العمر، وهو العمر البدني والنفسي للتقاعد والتوقف عن ممارسة هذه الرياضة؛ حتى أنه كان على استعداد لتقاعد مبكر عام 2015 بعد الإنجاز الذي حققه بمساعدته الفريق اللبناني الوطني على التأهل للمرة الثانية في تاريخه لبطولة كأس العالم للركبي، بيد أنه لم يقوَ على مقاومة إغراء متابعة اللعب بجانب صديقه روبي فرح، فعدل عن التقاعد، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

يقول فرح: "إنه يواصل مشواره الرياضي. أعرف أنه أحياناً يفكر بالاعتزال، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يشارك في كأس العالم هذه. اللعب بجواره سيكون من ألمع لحظات مشواري الرياضي، فقد بدأت مشواري مع الفريق اللبناني عندما كنت في الـ18 مثله، ومنذ ذاك الوقت ونحن خير صديقين. افترقت طرقنا من وقتها وما عدنا نلعب سوياً في نفس الفريق منذ تلك المباراة الأولى لنا".

ساقت الرياح فرح ليربح بطولة الدوري الوطني الأسترالي للركبي ويلعب ضمن منافسات دوري State of Origin لأفضل الفرق الأسترالية ممثلاً عن مقاطعة نيو ساوث ويلز، أما صعب فقادته قدماه إلى التخلي عن حلمه في اللعب ضمن الدوري الوطني الأسترالي للركبي قبل سنوات ويلعب في سيدني في فرق ومستويات أدنى دون مستوى الاحتراف وعن هذا قال أنه واصل اللعب على أية حال "لأني أريد أن ألعب للبنان وأن أتأهل لكأس العالم".


قوانين البطولة بين الاستهجان والاستحسان


شروط وقواعد أهلية اللعب ضمن دوري الركبي أثارت جدلاً كثيراً ضمن فعاليات كأس العالم لعام 2017، ذلك أن القوانين تسمح للاعبين مثل فرح الذي سبق له تمثيل أستراليا أن ينضم إلى فريق دولة من الدرجة الثانية كلبنان؛ والجدل محتدم بهذا الصدد منذ انتقل الأسترالي آندرو فيفيتا ليلعب في فريق جزيرة تونغا القريبة من فيجي بعدما كان قد اختير لتمثيل أستراليا في الفريق الأسترالي الوطني.

تنقسم الآراء بين مستهجنٍ يرى في هذه القوانين مصدراً لهزالة البطولة، وبين مستحسن يراها ضرورية لترويج اللعبة عالمياً.

أكثر الدول التي تأهلت لبطولة هذا العام للركبي تزدحم صفوف لاعبيها بلاعبين أستراليي الجنسية، فمثلاً في مباراة أستراليا ولبنان في سيدني، ستكون المباراة أشبه بلقاء بين تشكيلتين (أ) و (ب) من الفريق الأسترالي نفسه لأن وجوهاً لبنانية من الدوري الوطني الأسترالي –كفرح وميشيل موسى وتيم مناع مثلاً- ستخوض المباراة ضمن الفريق اللبناني لا الأسترالي.

يقول تاس بيتييري، مسؤول التطوير في اتحاد دوري الركبي الدولي: "لدى هؤلاء اللاعبين قدرٌ من الفخر والاعتزاز بتربيتهم وأهلهم وبالكفاح الذي خاضوه حين هاجروا إلى هذا البلد. كثيرون يلعبون بدافع الاحترام، وكما تعلمون فإن الشعور بالاحترام ليس شيئاً سيئاً بالنسبة لشباب اليوم".

قصة صعب هي مثال بسيط على ذلك، فأبوه (جو) هاجر إلى أستراليا دون أن يكون في جيبه سوى دولارين مع حقيبة من الملابس. لم يكن قط يريد لابنه أن يلعب في دوري الركبي.

يقول صعب: "بدأت اللعب في عمر السابعة. كانت مباراة لمن هم دون العشر سنوات أو الاثتني عشرة سنة، وأذكر أن أبي حضر لمشاهدتي، فأصبت يومها برضة وكدمة فظيعة في ساقي طرحتني أرضاً وأنا أتلوى وأبكي ألماً، فقفز والدي من فوق السياج -وكان أبي ضخماً طوله متران- فحملني على كتفه وأزاح المدرب عن طريقه وأخذني خارج الملعب، ومن يومها وهو لا يحبذ كرة القدم هذه".

مع ذلك وعندما لعب صعب لأول مرة مع لبنان في مباراة تجريبية ضد فرنسا عام 2002، سافر أبوه خصيصاً إلى طرابلس لمشاهدة ابنه يلعب، ويومها فاز لبنان بـ36 مقابل 6، فانقلب جو تماماً وتغيرت وجهة نظره بالأمر، وعن هذا يقول صعب "كانت تلك المرة الأولى التي يعود فيها ليرى أخته وعائلته لأول مرة منذ 33 سنة".

ولما توفي جو في الحادي والثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2010 وضع ابنه صعب سترته الرياضية التي ارتداها في مباراته الأولى تلك داخل كفن أبيه، ثم كان بعد 5 سنوات من ذلك التاريخ تماماً أن هزم لبنان فريق جنوب إفريقيا على أرضهم في بريتوريا متأهلاً بذلك إلى كأس العالم لأول مرة منذ عام 2000؛ وبعد الاحتفالات العارمة هدأ صعب الذي كان كابتن الفريق يومها واختلى بنفسه قليلاً ليتذكر المرحوم أباه هنيهة.

الآن بعد 3 محاولات فاشلة في التأهل إلى كأس العالم وبعد مشوار مهني في فرق الدرجات المتدنية، لا يعد اسم صعب اسماً مشهوراً بين المحترفين الأستراليين، إلا أنه عضو هام في الفريق اللبناني. يقول عنه زميله فرح إنه "قلب وروح" الفريق، أما ريموند صافي الرئيس التنفيذي لدوري الركبي اللبناني فيصفه بأنه "العمود الفقري"، وكذلك يناديه بـ"الريّس" زميله في الفريق عدنان الزبيدية الملقب بـ(إيدي).

عام 2015 وقبل أسابيع فقط من تصفيات كأس العالم أصيب زبيدية (25 عاماً) في كتفه وغرق في اكتئاب عميق، ورغم كونهما من دينين مختلفين إلا أن صداقة صعب الماروني وزبيدية المسلم كانت فاعلة في تماثله للشفاء، وبعدما تأهل فريق الأرز وسافر إلى لبنان لقضاء العطلة كان صعب دوماً يوقظ زبيدية ليؤدي صلاة الفجر مع بقية اللاعبين المسلمين في الفريق، وحتى رغم استبعاد اسم زبيدية مؤخراً من تشكيلة فريق كأس العالم نظراً لإصابة جدية، فإن اسمه مازال مدرجاً للمشاركة في جميع أنشطة الفريق.

يقول زبيدية: "لا نخوض في من منا مسلم ومن مسيحي ومن كاثوليكي ومن أرثوذكسي هنا، فكلنا لبنانيون وأهلنا من نفس الوطن، فكلهم جاؤوا هنا لنفس الهدف الذي هو تهيئة حياة أفضل لنا وتحقيق أحلامنا الكروية".

لطالما قسمت الاختلافات السياسية والطائفية لبنان، وحتى عندما هاجر آلاف اللبنانيين إلى أستراليا ظلت بعض تلك الانقسامات والشروخ ترافقهم، ثم برز قلق آخر وسط الطيف الأوسع للمجتمع الأسترالي من الهجرة اللبنانية إلى أستراليا، حيث كان أسوأ حادث ذاك الذي حدث عام 2005 عندما استُهدِف أستراليون من أصل لبناني في أحداث شغب كرونولا، ومن المعروف عن نقاد التعدد العرقي الأسترالي مقولتهم الشهيرة "إننا لا نريد أن ينتهي بنا الأمر مثل لبنان".

ثم صرح وزير الهجرة الأسترالي بيتر داتون عام 2016 أن دعوةَ اللبنانيين إلى البلاد كانت "غلطة".

طبقاً لآخر البيانات الإحصائية الصادرة عن مكتب الإحصاءات الأسترالي فإن 71% من المهاجرين اللبنانيين الأستراليين البالغ عددهم 79 ألفاً تقريباً يعيشون في سيدني فيما يعيش 20 ألفاً في ضواحٍ صغيرة جنوب غرب سيدني عند طريق M7 السريع وطريق باراماتا وطريق كانتربيري و طريق M5 السريع.

أما ضاحية غريناكر فقد استحقت لقب "لبنان الصغير" مع سكانها اللبنانيين البالغ عددهم 3389 نسمة، ثم تأتي ضاحية تقع بين غريناكر وبنشبول المجاورة هي ثاني أكثر ضاحية من ناحية أعداد اللبنانيين، حيث تقع فيها كنيسة مار شربل المارونية، ومدرسة النوري الإسلامية، وكنيسة القديس نيكولاس الأرثوذكسية.

يقول نيفيل طنوس (42 عاماً) وهو من سكان غريناكر: "مجتمعنا متنوعٌ ولدينا الكثير من الأطياف الدينية هنا، ومع الزمن ساء الأمر مقارنة بالأيام الأولى التي لم يكن المرء يلحظ فيها شيئاً، ولكن كلما تقدم بك العمر غدا الأمر يؤثر فيك أكثر، فالمجتمع هنا منقسم، ولدينا جيران مسيحيون ولدي جيران موارنة وأرثوذكس وسنة وشيعة؛ جيراني رائعون ولا تهم خلفيتهم الدينية، ولكن في مرات معينة ولأننا مسيحيون فقد علقت بيننا مسائل مع المسلمين".

لكن دوري الركبي هو قوة دافعة لتوحيد الجالية اللبنانية من كل الأطياف الدينية، ومثل العديدين من سكان ضاحيته يشجع طنوس فريق Canterbury Bulldogs، غير أن ثمة لبنانيين أستراليين آخرين يفضلون تشجيع فرق أخرى كـParramatta Eels وSt George-Illawarra Dragons وWests Tigers وSouth Sydney Rabbitohs، فيما ستكون كأس العالم المقبلة أول فرصة للبنانيين الأستراليين كي يتحدوا خلف فريق وطني واحد في بطولة هامة كهذه.

والحقيقة أن معظم البنية التحتية للدوري اللبناني للركبي هي من تأسيس أستراليين، فريموند صافي الرئيس التنفيذي في دوري الركبي اللبناني -ومقره جونية- هو من مواليد سيدني وترعرع في ضاحية كانتربيري، ويقول إن الثقافة الأسترالية "مغروسة في دوري الركبي اللبناني".

حالياً تشارك 6 أندية في بطولة دوري الركبي اللبناني، فضلاً عن 10 فرق جامعية موزعة على دوريين من درجتين، وكذلك ثمة فرق مدرسية. لكن دوري الركبي اللبناني لم يسلم من النزاعات السياسية، فحسبما قاله صافي لقد أدت النزاعات وانعدام الاستقرار في المنطقة إلى خسارة دوري الركبي اللبناني لـ50% من لاعبيه الأعضاء لأنهم فروا من البلاد، لكنه مع ذلك يرى أن تأثير الإدارة "ذات العقلية الغربية" قد حافظ على علمانية دوري الركبي في لبنان.

ويشير صافي إلى أشهر لاعب لبناني، جناح فريق الـBulldogs الأسترالي سابقاً حازم المصري الذي هو أكبر هدافي الدوري الأسترالي والكابتن السابق لفريق الأرز الوطني، وهو مسلم متدين، ولأن طنوس يشجع كلاً من فريقي الـ Bulldogs والمنتخب اللبناني، فهو أيضاً يحب المصري دون النظر إلى الاختلافات الدينية بينهما.

يقول طنوس: "لست مؤمناً بصوم رمضان، أما هو فكان يلعب أثناء ذلك الشهر من دون نقطة ماء واحدة، وهذا بحد ذاته إنجاز ليس هيناً ويبوح بالكثير أيضاً عن معدن شخصيته، فأنت لا تملك إلا الإعجاب بحازم ومن مثله عندما تراهم".

في الـ29 من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري سوف ينطلق المنتخب اللبناني في مشوار البطولة العالمية بمواجهة الفريق الفرنسي بملعب كانبرا، قبل أن يخوض مباراتين كبيرتين مرتقبتين بعدها، واحدة ضد إنكلترا والثانية ضد أستراليا بمدينة سيدني، وسوف تكون مباراة المجموعة الأخيرة المزمع خوضها ضد أستراليا هي المرة الأولى منذ أحداث شغب كرونولا التي سيلعب فيها لبنان وأستراليا ضد بعضهما في مباراة تنافسية هامة بسيدني.

بالنسبة لصعب وفرح اللذين جمعتهما الصداقة منذ عام 2002 فإن هذه فرصة تاريخية لتمثيل بلد أهاليهما ووطنهما الأصلي، وبالطبع هي أيضاً فرصة أخيرة لهما كي يلعبا سوياً، حيث يصف فرح ذلك بأنه كدائرة رسمها القدر وعادت من جديد إلى حيث بدأت، فاللاعبان لعبا مباراة أولى ثم فرقتهما الأيام ليلعبا لعبتهما الأخيرة الآن.

ويقول "لا يسعني أن أصف مدى الأثر الكبير الذي تركه فيّ دوري الركبي اللبناني وعلى مشواري حينما كنت في الـ18، فقد منحوني فرصة للسفر واللعب في بطولات دولية، وهذا أحدث فرقاً هائلاً في تطوير مهاراتي وجعل مني اللاعب الذي أنا عليه اليوم".

أما عندما تنتهي بطولة كأس العام فسيتسنى لصعب أخيراً أن يخلع حذاءه ويفتح صفحة جديدة وفصلاً جديداً في حياته، ويختم قائلاً "لقد كان أوج مشواري هو اللعب لصالح المنتخب اللبناني، وستكون هذه الطريقة هي مسك الختام قبل الاعتزال".