مسؤولون أكراد: 100 ألفٍ خرجوا من كركوك.. وواشنطن بوست ترصدُ واقع الحياة داخل المدينة

تم النشر: تم التحديث:
KIRKUK
Azad Lashkari / Reuters

قال مسؤولون أكراد، الخميس 20 أكتوبر/تشرين الأول 2017، إن آلافاً فروا من كركوك خوفاً من الاضطهاد منذ سيطرة قوات الحكومة العراقية على المدينة المتنازع عليها بعد الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق الذي رفضته بغداد.

يأتي ذلك في وقت بدأت بعض الأخبار المُهيِّجة للمشاعر تنتشر على الصفحات الرئيسية للمؤسسات الإعلامية الكردية على الشبكات الاجتماعية أمس الأربعاء، وأفادت معظم هذه الأنباء بتنامي غضب الأكراد بسبب سيطرة الجيش العراقي على بلداتهم ومدنهم، وأنَّهم يطاردون القوات العراقية، وفقاً لما ذكرته صحيفة The Washington Post الأميركية.

وأضاف المسؤولون إن ما يقدر بنحو 100 ألف خرجوا من المدينة لكن هذا العدد لم يتسن التحقق منه بشكل مستقل وبدت الحياة طبيعية في أحياء عديدة من كركوك، بحسب وكالة رويترز للأنباء.

وتعرض قنوات التلفاز الكردية بلا انقطاع مقاطع فيديو غير واضحة مصورة بالهاتف الخلوي لشبابٍ يهرعون عبر شوارع كركوك، وينشر مستخدمو تويتر، بدءاً من مدينة أربيل ووصولاً إلى بغداد وواشنطن، تعليقاتهم دون توقف، ويقولون فيها إنَّ عملية القصاص التي طال انتظارها قد بدأت.

وعلّق أحد مستخدمي موقع تويتر، ويدعى علي خضيري، على الأحداث قائلاً: "تخيل إذا اقتحم الجيش الأميركي ولاية تكساس وحرق علمنا. ما الذي سيشعر به المواطنون في تكساس؟ أراهن على أنَّه سيندلع تمرد".

ونشر هيمن هورامي، وهو مساعد رفيع المستوى للرئيس الكردي مسعود برزاني، تغريدةً تشير إلى انتشار المظاهرات واندلاعها في مدينة خانقين.

وكتب هورامي على موقع تويتر: "انتفض الشعب الكردي في مدينة خانقين ضد ميليشيا عصائب أهل الحق. ورفعوا علم كردستان في المدينة وحملوا الميليشيا على الخروج منها"، في إشارةٍ إلى الميليشيا الشيعية المتحالفة مع الحكومة العراقية.

وعبرت الأمم المتحدة عن قلقها اليوم الخميس من تقارير عن تهجير قسري لمدنيين أغلبهم أكراد من مناطق سيطرت عليها القوات العراقية وتدمير ونهب منازلهم وشركاتهم في شمال العراق وحثت بغداد على وقف مثل تلك الانتهاكات.

ويرى بعض الأكراد ومؤيدوهم في واشنطن أنَّ الاضطرابات الآخذة في الانتشار، والتي حظيت بإذنٍ ما من السلطة بعد تغريدة هورامي، تؤكد توقعاتهم بأنَّ اجتياح القوات العراقية للمناطق التي يزعم الأكراد تبعيتها لهم سيؤدي إلى انتشار الفوضى، وأنَّ الولايات المتحدة كان ينبغي عليها استباق الأحداث لمنع اشتعالها.

لكنَّ صحيفة واشنطن بوست شككت في مصداقية مثل هذه الأخبار، حيث ترى أنها لم تكن حقيقيةً تماماً. إذ كانت هناك بعض الحوادث الفردية بالفعل في مدينتي كركوك وخانقين، لكنَّها انتهت بسرعة.

وترى الصحيفة أن أحداث الأربعاء، آخر النماذج الصارخة التي تُظهِر كيف أنَّ رهان الأكراد على الاستقلال عن العراق قد اصطبغ بسيلٍ من التقارير الإخبارية المُهيِّجة للمشاعر، التي قوَّضت مصداقية المؤسسات الإخبارية الكردية بعد أن كانت تُعَدُ مصادرَ موثوقاً بها. وضعت أيضاً الأحداث الأخيرة المدن العراقية وسط جدلٍ دولي حول ما إذا كانت إيران قد تفوقت على إدارة ترامب في مدينة كركوك، في ظل استخدام كل طرفٍ الأحداث الإخبارية المشكوك في صحتها لدعم حجته.

وتتابع الصحيفة: "لم تظهر خلال الزيارات إلى مناطق الانتفاضات المزعومة في مدينتي كركوك وخانقين المتنازع عليهما أمس الخميس، 19 أكتوبر/تشرين الأول، سوى أدلةٍ قليلة على وجود ثورة مستمرة أو إشارات على تفاقم التوتر هناك".

ففي خانقين، وهي مدينة كردية تبعد 110 أميال شمالي بغداد، جاب عشرات الشباب الميدان الرئيسي بالمدينة ملوحين بالأعلام الكردية، ومرددين هتافاتٍ تطالب بعدم تجول قوات الشرطة العراقية الفيدرالية في شوارعهم. وكانت التظاهرة صغيرة لكن مفعمةً بالحماس، وانتهت بأن رقص بعضهم قبل رحيلهم جميعاً. وقال العديد منهم إنَّهم يريدون فقط أن تتواجد الشرطة المحلية في المدينة، وأنَّهم غير مهتمين بالصراع السياسي الأكبر بشأن استقلال الأكراد عن العراق.

وقال أحد مستخدمي موقع تويتر، ويُدعى تامر الغباشي: "لم تندلع بالضبط انتفاضةٌ في مدينة خانقين الكردية، بل كانت مسيرة صغيرة مفعمة بالحماس. يقول السكان المحليون إنَّ اشتباكات الليلة الماضية كانت فردية وقصيرة".

وقالت شبكة رووداو، وهي شبكة إخبارية كردية تذيع باللغات الإنجليزية، والكردية، والعربية، إنَّ الاحتجاجات تحولت إلى أحداث عنف، لكن لم يمكن التأكد من صحة التقرير من مصدرٍ مستقل.

وأفاد بعض السكان المحليين بأنَّ بعض الرجال رشقوا سيارات الشرطة الفيدرالية بالحجارة بينما كانت تخرج من المدينة في الليلة السابقة. وكانت الميليشيا الشيعية، التي قال هورامي عنها إنَّ الأكراد طاردوها، قد انسحبت من تلقاء نفسها في واقع الأمر، التزاماً بأمرٍ أصدره رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الأربعاء الماضي بالانسحاب من جميع المناطق المتنازع عليها، التي استعادت القوات العراقية السيطرة عليها في بداية الأسبوع الجاري. وكان قرار العبادي، على الأرجح، رداً على أحداث مضايقة بعض أعضاء الميليشيا للسكان المحليين.

وتزداد احتمالية تفاقم الأوضاع في كركوك، وهي مدينة أكبر من خانقين وبها احتياطات نفطية ضخمة، لكنَّ شوارع المدينة كانت هادئةً إلى حدٍ كبير أمس الخميس، وكان السوق الرئيسي مفتوحاً.

وتنقل الصحيفة الأميركية عن أصحاب المتاجر والسكان في شارعٍ بحي الرحماني، حيثُ أفادت الأنباء عن خروج تظاهراتٍ به مساء الأربعاء الماضي، قولهم: "إنَّ وسائل الإعلام بالغت في وصف الحادثة. وقال حامد رشيد، وهو كردي يبلغ من العمر 58 عاماً ويعمل في كشكٍ صغير لبيع السجائر بجوار الطريق: "لقد كان تجمعاً لعددٍ قليل من الأشخاص هنا". وأضاف بأنَّ الحشد لم يزد عن 30 أو 40 شخصاً.

وقال راشد إنَّ هناك رجلاً انتزع العلم العراقي من فوق إحدى سيارات الشرطة المحلية، ولم يرد الضباط عليه، لكنَّ موكبَ سياراتٍ لاحق أطلق النار في الهواء لإخلاء الطريق من الأشخاص. وتابع: "جاء معظم الأشخاص لمشاهدة ما يحدث فقط. لم يسعَوا إلى إثارة المشكلات، الشباب الصغير فقط هو من أراد اختلاق المشكلات".

تقول الصحيفة الأميركية: "حاول البعض تصوير ما حدث وكأنَّه انتفاضة تمكنت من صد قوات الميليشيا، المعروفة باسم وحدات الحشد الشعبي. لكنَّ راكان الجبوري، محافظ كركوك الذي يشغل المنصب حتى اختيار محافظٍ جديد، قال إنَّ وحدات الميليشيا انسحبت لأسبابٍ أخرى".

وقال الجبوري: "وحدات الحشد الشعبي ليست قوةً موحدة. كانت هناك بعض الحوادث التي تعرض خلالها أشخاصٌ للسرقة والمضايقة. لهذا صدر قرارٌ بسحبهم من الأحياء المدنية تجنباً للفوضى".

وترجع الصحيفة سبب موجات الرحيل الجماعية التي شهدتها كركوك، وأكدها مسؤولون أكراد، إلى التقارير الإخبارية المحمومة على القنوات الكردية، كما ترى أن بعض القنوات الإخبارية العراقية، أغلبها قنواتٌ تابعة للميليشيات الشيعية ذات النفوذ، قد ساهمت في إذكاء التوتر. إذ وصف مراسل قناة العهد، وهي شبكة إخبارية تُموِّلها ميليشيا عصائب أهل الحق، القوات الكردية بـ"الكيان الصهيوني" في إحدى النشرات - في إشارةٍ واضحة إلى حقيقة أنَّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تدعم علناً الاستفتاء الكردي من أجل الاستقلال.

وتعرضت شبكتان إخباريتان كرديتان ممولتان من قبل مسؤولين بارزين في الحزب الديمقراطي الكردستاني المسيطر في أربيل للانتقاد، وذلك بسبب نشر تقارير غير موثقة عن حدوث انتهاكاتٍ في المدينة، ودعوة الأكراد لمقاومة القوات العراقية وفقاً للصحيفة الأميركية.

وفي يوم الأربعاء الماضي، دعت قيادة العمليات المشتركة في بغداد ومجلس مدينة كركوك هيئة الإعلام والاتصالات العراقية إلى سحب تراخيص البث الممنوحة للشبكتين الإخباريتين، رووداو و"كيه 24"، لاتهامهما بنشر أخبارٍ زائفة. وقالت قيادة العمليات المشتركة، التي تُدير جميع عمليات الجيش العراقي، إنَّها ستسحب التصريح الممنوح للشبكتين لتغطية العمليات العسكرية.

وقالت شبكة رووداو إنَّ قوات الميليشيا هددتها، وأنَّها سحبت كل مراسليها وطواقم عملها من مدينة كركوك حرصاً على سلامتهم. وأصدرت الشبكة بياناً لشجب قرار قيادة العمليات المشتركة باعتباره "يتعارض مع الدستور العراقي وحرية الصحافة". ودافعت عن حقها في نشر التقارير الإخبارية، وتعهدت بمقاضاة أي كيانٍ يُشهر بسمعتها.