رحلة سرية لم توقفها الحرب والحظر.. هكذا تدخل البضائع التركية عبر مناطق المعارضة ولبنان إلى دمشق

تم النشر: تم التحديث:
TURKISH GOODS SYRIA
Umit Bektas / Reuters

رغم سنوات القطيعة والحظر، ما زالت البضائع التركية تلقى إقبالاً من المستهلك السوري، وما زالت تجد طريقها لأسواق دمشق رغم أنه ممنوع دخولها رسمياً.

عدد كبير من المحلات في العاصمة السورية يعرض البضائع التركية وإن كان كثير منها بسعر مرتفع، بينما يشكو كثير من المصنّعين من المنافسة السعرية للمنتجات التركية.

غالبية الزبائن لا يعرفون من أين جاءت هذه البضائع، وهل هي تركية فعلاً أم لا، ولكنهم يشترونها رغبة في اقتناء بضاعة أجنبية بديلة عن الوطنية.


هوس


وأمام هذا الهوس الذي لم تذهبه الحرب ولا حتى تدهور قيمة الليرة السورية، كثرت الشابات الناشطات على الفيسبوك واللاتي أسسن صفحات خاصة ببيع البضائع التركية.

وتقول يارا الحلبي، صاحبة إحدى هذه الصفحات والتي تملك معجبين بالآلاف وتعرض صور ملابس نسائية وأحذية لمختلف الأعمار، لـ "هاف بوست عربي"، إنها فوجئت بحجم الطلب الكبير على البضائع التركية التي تعرضها؛ الأمر الذي دفعها لتكثيف مرات توصيل الطلبات لزبائنها السوريين.

وعن طريقة إدخال هذه المنتجات رغم المقاطعة مع تركية، توضح أنها تعتمد على سائقين يعملون على خط دمشق-لبنان.

إذ تقوم بتجميع الطلبات على مدى أسبوعين أو ثلاثة ثم تتسلم "العربون" ( المقدم)؛ لتثبت الطلب، ومن ثم تبدأ بشراء البضائع وإرسالها من تركيا -مكان إقامتها- إلى صديقة لها في لبنان، تسلمها بدورها لسائق معتمد يُدخلها هو إلى دمشق، ومن هناك تقوم بتوزيع الطلبات لأصحابها.

وتوضح أنه إضافة للملابس، بدأت بعرض منتجات أخرى مثل أدوات التجميل ومستزمات منزلية، وهي تفكر في إدخال خط الأزياء الشبابية بعدما أدخلت أزياء الأولاد وحققت نسبة مبيعات جيدة.

وعن سبب الإقبال على بضاعتها، توضح الشابة العشرينية أن رغبة الناس في التجديد والاختلاف هي التي تدفعهم لزيارة صفحتها أو صفحات أخرى تبيع المنتجات التركية؛ لأنها تقدم خيارات غير متوافرة في السوق السوري التقليدي، حسب قولها.

تاجرات الشنطة مثل يارا -كما درجت العادة على تسميتهن- لا يؤثرن عادة على الاقتصاد، فالبضائع التي يدخلنها محدودة، ولا تشكل خطراً على الصناعة السورية، التي يبدو أنها تواجه مشكلة أكبر.


صراع بين مُصنّعي الأقمشة والملابس


اشتعلت مؤخراً حرب كلامية بين مُصنّعي الأقمشة ومُصنّعي الملابس في سوريا؛ إذ طالب مُصنّعو الأقمشة بضرورة وقف الاستيراد؛ لحماية منتجاتهم وتأمين أسواق لتصريفه، في حين أصر مصنّعو الملابس على فتح باب الاستيراد.

وقال أسامة زيود، مصنّع ورئيس لجنة صناعة الأقمشة، لـ"هاف بوست عربي"، إنه قبل الأزمة كانت البضائع جميعها تدخل تحت بند جمركي هو الأقمشة النسيجية المسنرة (الخيوط الشبيهة بالتريكو) ولها رسوم مختلفة، وكان ثمة تسهيلات تخص هذه الدولة الجارة (تركيا).

ولكن بعد الحرب الأخيرة، صدر مرسوم جمهوري بفرض 30% كضرائب ورسوم، بالإضافة لرسوم الاستيراد العادية التي تعادل 10%، وهي ضرائب تُطبق على البضائع التركية التي تدخل إلى سوريا.


الاستيراد من تركيا محظور


ويتابع زيود أن وزارة الاقتصاد السورية أعلنت منذ فترة ليست بعيدة، أنها لم تمنح إجازات (تراخيص) استيراد من تركيا منذ سنتين ونصف السنة مضت، مما يؤكد أن البضائع التركية الموجودة في السوق حالياً هي بضائعة مهربة.

ويقول إن البضائع التركية تدخل إلى سوريا بطريقتين؛ إما عبر المعابر النظامية من خلال تغيير شهادة المنشأ وتزويرها وإدخالها على أنها مُصنّعة في الصين أو بلغاريا أو أوزبكستان أو اليونان أو لبنان، متهربين بذلك من دفع ضريبة الـ30%، ولكن بعد التشديد الجمركي تحولت غالبية البضائع إلى لبنان، حيث يتم تغيير شهادة المنشأة في المنطقة الحرة هناك.

ويتابع زيود قائلاً إن الوسيلة الثانية لدخول هذه المنتجات هي التهريب، الذي كثُر بعد الحرب، وخاصة في المنطقة الشمالية؛ إذ يوجد منفذان؛ الأول هو عزاز والفوعة، ومنه تدخل إلى حلب ويوضع عليها ملصقات على أنها مصنّعة في سوريا ثم تُطرح بالسوق، كما يوجد منفذ ثانٍ وهو من خلال سرمدة، عفرين ومن خلال المناطق التي يسيطر عليها من وصفهم بالإرهابيين تنتقل إلى دمشق أو غيرها من المحافظات، وما ساعد على ذلك هو عدم وجود ضابطة جمركية في تلك البقعة.


أضرار


ويقول زيود إنهم تعرضوا لضرر كبير بسبب دخول الأقمشة التركية المهربة، الأمر الذي اضطرهم إلى خفض معدلات إنتاجهم، حتى إن معاملهم وورشهم تعمل يومين أو ثلاثاً في الأسبوع بدلاً من 5 أيام، وهي تبحث عن الزبون قبل العمل؛ كي تغطي طاقة الإنتاج.

ويرفض زيود أن يكون مبرر من يُدخل الأقمشة التركية المهربة هو ضعف جودة المنتج المحلي، بالأخص الأقمشة المسنرة التي تُصنّع بشكل واسع في دمشق وحلب وريف دمشق وهي تغطي السوق أكثر من حاجة السوق بكثير.

ويقول: "نحن كنا نصدّر قبل الحرب إلى غالبية دول العالم كأميركا وأستراليا وكندا والعديد من دول أوروبا، ولم نكن نعاني أي مشكلة في مجال الجودة، حتى إن بضاعتنا كانت تنافس التركي، والخيط عندنا كان من النخب الأول الممتاز".

ويضيف: "ولكن خلال الأزمة وبسبب الضرر الذي تعرضت له المصانع وتناقص اليد العاملة الخبيرة بالإضافة لهجرة أصحاب الأعمال، وتدهور وضع القطن في سوريا- تراجع إنتاجنا في بداية الأزمة، وهذا ما دفع صنّاعي الملابس للبحث عن الجودة الأفضل".


أخلُّوا بالاتفاق وهذا سبب أسعارها الرخيصة


وقال: "لقد اتفقنا معهم على الاستيراد خلال فترة النقص؛ لأننا كنا غير قادرين على تغطية حاجة السوق، ولكن في الفترة الحالية وبعد تحسن الوضع الاقتصادي وعودة الكثير من المصانع للعمل، أصبح إصرار مصنّعي الملابس على استخدام الأقمشة الأجنبية غير مبرر؛ لهذا دخلنا في خلافات معهم وجدالات لم تُحسم حتى اليوم".

ويضيف: "طالبنا بضبط التهريب؛ لأنه لا يأتي من مصانع نظامية، وإنما هي بضائع ستوكات مخلفات منتجات سابقة، والدليل انخفاض سعرها بشكل كبير، فكيلو القماش يبلغ نحو دولار واحد رغم أن كيلو الخيط سعره نحو 3 دولارات؛ ومن ثم منافستنا لهم مستحيلة، في حين أن سعر كيلو القماش في المصانع النظامية الخارجية يبلغ نحو 7 دولارات، ويضاف إليها أجور نقل ورسوم جمركية فيصبح سعرها نحو 8 دولارات أو 9؛ ومن ثم يمكن أن ننافس".