صار مَعلماً ثقافياً ودينياً في غزة.. "مقام الخِضر" يتخلص من الخرافات

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

على مدخل مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يرى المرء مشهداً أثرياً مغايراً للبنايات الأخرى من حوله، حيث يقع مبنى معماري قديم بعيداً عن أصوات المركبات والضجيج، يتهافت عليه الأدباء والقراء من مختلف الأعمار، حتى أصبح موقعاً ثقافياً بامتياز، بعد أن كان مكاناً لممارسة طقوس الخرافات على مدى زمن طويل.

يعود المبنى إلى عام 278 للميلاد، وهو "مقام الخِضر"، حيث يُخيَّل للمرء في الوهلة الأولى عند سماعه هذا الاسم، أنه مأوى سيدنا الخِضر عليه السلام، وهو بالفعل ما يعتقده اهل غزة، ونفاه العديد من المختصين.

فقد اعتاد الناس، على مدى عقود ماضية، وضع المال وزيت الزيتون وبعض الملابس داخل هذا المقام بقصد التبرك والعلاج، ومنهم من كان يقصده للإنجاب ويضع عنده بعض الطعام وما أوتي من رزق.

من هؤلاء، زياد أحمد الذي اعتاد حمل زيت الزيتون وبعض القماش والنقود ووضعها بجانب المقام، وذلك بطلب من والدته، التي كانت ترى أن في المقام بركة، حيث رأى في شبابه طفلاً يُضرب بالقباقيب على فكه لعلاج مشاكل باعوجاج في فمه، الأمر الذي منعه من التوجه للمقام مرة أخرى.

لكنّ كل هذه الخزعبلات بدأت تندثر بالتزامن مع إغلاق الحكومة هذا المقام قبل 10 سنوات، حيث أُعيد فتحه حديثاً؛ لتحويله إلى مقر ثقافي وتعليمي.



s

ويقول محمد السبعاوي -أحد سكان المنطقة- إنه توجد امرأة عجوز -ما زالت على قيد الحياة- كانت تحرس هذا القبر وتقيم فيه باعتبار أن الخِضر جدُّها، وكانت تتقاضى نقوداً من كل من يقصد المقام للعلاج أو لحل مشاكله، وكانت تدّعي أنها الوسيطة بين سيدنا الخضر وقاصده.


تاريخ المقام


ولفت مؤرخ تاريخ فلسطين الدكتور سليم المبيض لـ"هاف بوست عربي"، إلى أن هذا المقام يرجع إلى فترة الحكم البيزنطي لفلسطين في زمن القديس هيلاريون، كما تظهر على جدرانه بعض الكتابات الإغريقية واللاتينية.

وأضاف: "وقد يكون القبر المدفون بداخله للقديس جيسروس، حيث يُطلق عليه بالعربية (الخضر)، كما أن هذا اللفظ يرمز إلى فارس كان يرتدي اللباس الحربي القديم، ويحمل رمحاً وهو يقود جواده أبيض اللون، حيث تقول الروايات الخيالية إنه المنقذ من أي شرٍّ أو مصيبة"، مشيراً إلى أنه لا علاقة لهذا الاسم بالخضر الذي ذُكر بالقرآن الكريم.

وما إن جاء الحكم الإسلامي لفلسطين حتى سيطروا على هذا المقام، وحوّلوا جزءاً منه إلى مسجد، بينما بقي الجزء الآخر كنيسة حتى هذا اليوم، وهي إشارة تدل على التسامح الديني في فلسطين وحرية الديانات، كما يوضح المبيض.

ويقول خبير الآثار الفلسطيني الدكتور غسان وشاح، إن المقام يعود للقرن الثالث ميلادي، ويقع في أول مدينة فلسطينية تسقط بيد الإمبراطورية الرومانية.



s

هذا المقام كان بيت القديس جيسروس وهو فلسطيني الأصل، ولكن مع تعريب الاسم أصبح "الخِضر". وهذا الاسم هو ما جعل في مخيلة أهالي جنوب غزة أنه مأوى مُعلّم سيدنا موسى وأنه أقام هناك، مما جعلهم ينسجون حوله خرافات بدأت في العهد الفاطمي واستمرت حتى سنوات قريبة، مثل الخزعبلات التي تم ذكرها مسبقاً بالإضافة إلى "أربعاء أيوب"، وهو ذهاب النساء يوم الأربعاء من كل أسبوع للاغتسال بالمياه الموجودة داخل المقام بقصد التخلص من بعض المشاكل؛ كالسحر والعقم والعنوسة وغيرها، وكذلك ذبح الشاة على باب المقام.

وأوضحت المنسقة العامة لهذا المجمع الثقافي ميساء العكلوك، أن المقام يتكون من 3 قِباب، بُنيت جميعها من الأحجار الجيرية القديمة، حيث تم تقسيمه إلى 3 زوايا: يضم الطابق الأرضي الذي كان مسجداً مكتبة علمية وثقافية ومَرسماً ترفيهياً، وبئر المياه التي كان يُستخرج منها قديماً الماء العذب، وتسمى باللهجة الشامية "المزيرة"، ولا تزال البئر موجودة حتى الآن.

بينما يحتوي الطابق العلوي، الذي كان كنيسة، على مجلس عربي قديم مخصص للحكواتي، الذي يتميز بقصصه ورواياته القديمة الشائقة، حيث يتوافد عليه الأطفال للاستمتاع إلى قصصه المأخوذة من الواقع.

وأشارت العكلوك إلى أن فكرة تحويل هذا المقام لمكان ثقافي،نشأت من قِبل مبادرات شبابية من سكان دير البلح، بالتعاون مع البلدية وبعض المؤسسات الأخرى ووزارة السياحة والآثار الفلسطينية ومنظمة اليونيسكو الدولية، حيث تمت إعادة ترتيب المتروكات الأثرية بداخله وترميمه بشكل يُنهي الجهل ويعود بالنفع الثقافي على الأجيال الجديدة والناشئة.