بعد ماركس ولينين وماو تسي تونغ.. "الشيوعية" تستقبل منظّرها الرابع والجديد: إنه الرئيس الصيني

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

يبدو أنَّ الزعيم الشيوعي الصيني شي جين بينغ، قد عزَّز حكمه بصورةٍ أكبر لثاني أكبر اقتصادٍ في العالم، وذلك بعد التأكيد أنَّ مجموعةً من الأفكار السياسية التي تحمل اسمه ستُضاف إلى دستور الحزب.

صحيفة الغارديان البريطانية لفتت في تقرير لها إلى أن الرئيس الصيني يحظى بتمجيد لم يحدث لسابقيه، ويقارن فقط بالتمجيد الذي يوجه لماوتسي تونغ مؤسس الحكم الشيوعي، وودينغ شياو بينغ رائد الإصلاح، متسائلة هل يسعى "شي" للاستمرار في الحكم بعد انتهاء مدة رئاسته؟

ففي اليوم الثاني من المؤتمر السياسي للحزب الشيوعي، الذي يستمر أسبوعاً في بكين، إيذاناً بانتهاء ولاية الرئيس شي جين بينغ الأولى، أعلنت وسائل الإعلام التابعة للدولة استحداث ما يُسمَّى بـ"نظرية شي جين بينغ حول الاشتراكية، ذات الخصائص الصينية من أجل عصرٍ جديد"، ليكون بذلك المفكر الرابع للشيوعية بعد ماركس ولينين وماو تسي تونغ.

ووفقاً لوكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية، قال تشانغ ده جيانغ، أحد الأعضاء السبعة للجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، وهو المجلس الأعلى الذي يحكم الصين، للمندوبين في مؤتمر الحزب الـ19: "النظرية هي... إسهامٌ تاريخي لتطوير الحزب".

وقال لو يونشان، وهو عضوٌ آخر في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، إنَّ ارتقاء "فكر شي" وضمَّه إلى قائمة "المبادئ التوجيهية" للحزب "له أهمية سياسية، ونظرية، وعملية كبيرة".

ونُقِل عنه قوله إنَّ "كافة أعضاء الحزب عليهم أن يدرسوا بجدٍّ فكر العصر الجديد لشي".

ويقول خبراء إنَّه رغم الغموض البادي في قرار منح الرئيس شي نظريته الخاصة التي تحمل اسمه، فإنَّ الأمر يُمثِّل مناسبةً هامة ورمزية للغاية في سياسة وتاريخ أكثر بلدان العالم سكاناً.

ولم يحظَ سوى قائدين سابقين فقط -هما الزعيم ماو تسي تونغ ودينغ شياو بينغ- بمثل هذا التكريم، عن طريق إضافة نظريتين يُطلَق عليهما "نظرية تسي تونغ" و"نظرية دينغ شياو بينغ" إلى الدستور الصيني. ولم تُضَف أسماء سَلفَيْ شي المباشرين -هو جينتاو وجيانغ زيمين- إلى الفلسفات السياسية التي أسهما بها للحزب.


يسعى للبقاء بالسلطة


ويبدو أنَّ الافتتاحية الرسمية لنظرية شي، التي يبدو مؤكداً أنَّها ستُضاف لميثاق الحزب الأسبوع المقبل، تُعزِّز الشكوك بأنَّ شي سيسعى للبقاء في السلطة إلى ما بعد نهاية ولايته الثانية عام 2022.

وقال أورفيل شيل، الخبير المخضرم في شؤون الصين، والذي درس السياسة الصينية منذ أواخر الخمسينات: "إنَّه أمرٌ جلل. ويشبه نوعاً ما الكتابة في سماء الحزب (مثل الطائرات التي تكتب حروف وترسم أشكالاً في السماء في بعض المناسبات كناية عن أهمية الأمر). إذا وضعتَ نظريتك الكبيرة في الدستور تصبح خالداً، وشي يسعى لنوعٍ معين من الخلود".

لكنَّ شيل، مدير مركز العلاقات الأميركية الصينية في مؤسسة مجتمع آسيا، قال إنَّ قرار تكريم شي لم يكن فقط جديراً بالاهتمام "لأنَّه يجعل شي جين بينغ يبدو كقائد فكرٍ يُقارع الزعيم ماو تسي تونغ. إنَّه يشير أيضاً إلى أنَّ الاشتراكية ذات الخصائص الصينية (التي تعبر عن النظام السياسي الصيني) هي نموذج مضاد يمكن تطبيقه لفرضية الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية الغربية. وبمعنى ما، لا يُمثِّل ما يؤسِّسه شي هنا صداماً بين حضاراتٍ وقيم فقط، وإنما أيضاً صداماً بين نظمٍ سياسية واقتصادية".

وفي خطابه الافتتاحي المطول وغير المتوقع أمام المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي الصيني، الأربعاء 18 أكتوبر/تشرين الأول 2017، طرح شي رؤيةً جريئة وحازمة لمستقبل البلاد، مُبشِّراً ببزوغ فجر "عصرٍ جديد" من الرخاء والقوة الصينية، ستتحرك فيه بكين "أقرب إلى مركز الصدارة".


تصدير النموذج الصيني للخارج


وكان لافتاً أنه في أحد أقسام الخطاب، وصف شي نظام الحزب الواحد الصيني السلطوي بأنَّه "خيارٌ جديد للدول والشعوب الأخرى التي ترغب في تسريع تنميتها والحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتها".

وقال جيف واسرستروم، أستاذ التاريخ الصيني الحديث في جامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين، إنَّ خطوة تكريم الرئيس الصيني تؤكَّد "التحوُّل الجذري" الذي حدث في السياسة الصينية منذ تولَّى الرئيس شي -الذي كان مجهولاً نسبياً- السلطة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

وفي السنوات الخمس التالية، أشرف شي على انتفاضةٍ سياسية، وبنى سمعةً باعتباره واحداً من أكثر القادة المهيمنين في البلاد منذ ماو تسي تونغ.


انقلاب


وقال واسرستروم إنَّ المؤرخين الغربيين يميلون للإشارة إلى حقبتين رئيسيتين في تاريخ الصين، ما بعد ثورة 1949.

وأضاف: "إن كنتُ سأكتب شيئاً، سأقول: حقبة ماو (1949 - 1976)، ثُمَّ: حقبة الإصلاح (1979 - حتى الآن). والسؤال المطروح الآن هو: هل يعني ذلك أنَّنا وصلنا إلى نقطة انقلاب أخرى نحتاج عندها أن نبدأ التفكير في هذه الفترة باعتبارها حقبة شي جين بينغ؟".

وقال واسترستروم إنَّه يشعر أنَّ الجواب هو "نعم". وكانت تجري الإشارة إلى الإدارتين الصينيتين السابقتين بأسماء أكبر زعمائهما: إدارة هو - وين في حالة الرئيس هو جينتاو ورئيس وزرائه وين جياباو، وإدارة جيانغ - تشو في حالة الرئيس جيانغ زيمين ورئيس وزرائه تشو رونغ جي. أمَّا الآن، فالأمر كله يدور حول "شي فقط... وشي، وشي، وشي، وشي".


اعتراف بالضعف


وقال شيل إنَّ ميلاد نظرية شي جين بينغ يُمثِّل "علامة على ترسيخٍ هائل لمقدارٍ مثير من السلطة في يديه. لكنَّه أيضاً اعترافٌ لافت بالضعف. فكي يحتاج لمثل تلك القوة، عليك الافتراض بأنَّهم يتوقعون بعض العقبات والعوائق الشاقة التي تعترض تقدُّم الصين في المستقبل".


أين اختفى هذا المعارض؟


ولا تحظى طريقة تفكير شي بإعجاب الجميع. ففي رسالةٍ مفتوحة جريئة، طالب يو وين شينغ، وهو محامٍ حقوقي بارز، بإقالته على الفور.

وكتب يو: "يدَّعي الحزب الشيوعي في الصين أنَّه يدعم حرية التعبير، والديمقراطية، والمساواة، وسيادة القانون. لكنَّ الصين لا تمتلك مثل تلك الحرية، ولا الديمقراطية، ولا المساواة، ولا سيادة القانون، بل تمتلك فقط شخصياتٍ كبيرة الشأن وفساداً مُتفشياً". وأضاف قائلاً إنَّ الصين في عهد شي "تسير إلى الوراء... إنَّه لا يصلح للمنصب".

وفي صباح الخميس 19 أكتوبر/تشرين الأول، يبدو أنَّ عملاء في أجهزة الأمن مكُلَّفين بقمع أي جهود مُعارِضة تُشوِّش على مؤتمر شي قد نجحوا في إسكات المحامي. فقال يو في رسالةٍ نصية مقتضبة: "ليس من الملائم إجراء أية مقابلات".