المرأة الحامل في الجزائر تواجه خياراً صعباً: طبيب رجل أم قابلة غير مؤهلة؟

تم النشر: تم التحديث:
PREGNANT WOMAN
pixdeluxe via Getty Images

لو كان هذا اليوم هو ذاته قبل عام من الآن، ولو كانت تقف في العيادة ذاتها بالطبيب ذاته والممرضة ذاتها في مدينة البويرة شمال الجزائر، لرفضت تينهنان (31 عاماً) أن يفحصها دكتور النسائية لأن عادات مجتمعها لا تسمح بذلك.

الآن وبعد نحو 9 أشهر من ذلك اليوم المشؤوم الذي قررت فيه أن تراجع طبيبة عامة بدلاً من الطبيب المختص، وكادت أن تفقد جنينها -وربما حياتها- بسببها، تدافع تينهنان عن إحدى أكثر القضايا حساسية تواجهها المرأة الحامل في الجزائر.

لو وضعت أية امرأة جزائرية أمام هذا الاختبار السهل رغم كونه صعباً في الجزائر: هل تزورين القابلة لمتابعة الحمل؟ أم طبيباً مختصاً لكنه رجل إذا لم تتوفر طبيبة نسائية؟ لكان الجواب على الأرجح وبدون تردد: القابلة طبعاً!

لكن المشكلة باتت الآن أكبر من مجرد اختيار؛ فقد أطلقت رئيسة اتحاد القابلات في الجزائر تحذيراً من أن عدد القابلات لم يعد كافياً لتغطية كافة احتياجات المرأة الحامل. فالخارجات من الاتحاد بسبب التقاعد أكثر بكثير من عدد الداخلات الجدد بسبب عدم توفر مراكز كافية للتأهيل المهني.

حتى إذا توفرت المراكز، فإن مهنة القابلة تشهد هجرة جماعية في البلاد. فمن كانت طبيعة المهنة تشجعها، فإن أخطارها تثير المخاوف لدى الكثير من القابلات بسبب الأمراض المعدية لعدم توفر الشروط الصحية الملائمة للعمل.

وفوق كل ذلك، تأتي الدعاوى القضائية التي تُقام ضد القابلات كلما حدث خطأ ما لأن القانون الجزائري يعتريه الكثير من اللبس فيما يتعلق بعمل القابلة، ولا يوفر حماية كافية لهن.

ما جعل رئيسة الاتحاد تأتي باقتراح كحل للأزمة، هو فتح مجال تأهيل الرجال للالتحاق بوظيفة التوليد في المستشفيات.

الحل الذي وجدته عقيلة قروج، أثار الكثير من الجدل بين الجزائريين، لكن تينهنان قالت لهاف بوست إنها لا تمانع أن يفحصها طبيب رجل إذا كان ذلك "لمصلحة" جنينها.

فالمهندسة الرقيقة ذات الابتسامة الخجولة، القاطنة بمدينة صغيرة شمال الجزائر تتوفر فقط على عيادة حكومية تداوم بها طبيبة عامة، وعيادة خاصة لدكتور نساء وتوليد، تقول تينهنان "وكأغلب الرجال الجزائريين فزوجي مع أول شعور بتعب الحمل أخذني للطبيبة رافضاً فكرة زيارتي للدكتور".

لكن ما هي إلا أيّام قليلة لتتحول فرحة تينهنان بحملها الأول إلى كابوس مؤلم، لأن الدواء الذي وصفته لها الطبيبة العامة، تسبب في نزيف لديها، وأخبرتها أنها فقدت جنينها، فاضطر الزوج للخضوع للأمر الواقع وأخذ زوجته لأقرب عيادة مختصة إنقاذاً لها على الأقل، فكانت عيادة الطبيب الذي استطاع إنقاذ الجنين وأمه معاً.

ولكن ليس كل الجزائريات يتفقن مع تينهنان، فهناك صفحات على فيسبوك سخرت من الاقتراح، وآخريات ضممن أصواتهن لصوت الإمام علي عية، الذي اعتبر الأمر غير مقبول، وأن مهنة التوليد هي مخصصة فقط للنّساء، وأن الرجل لا يمكنه القيام بهذه الوظيفة إلا في حالة الضرورة القصوى، وجلب قابلات من الخارج لمعالجة مشكلة نقص القابلات.

وتؤيده في ذلك أنفال، طبيبة بولاية سطيف الواقعة شرق الجزائر، التي اعتبرت أن اقتراح قروج "تعدٍّ على حرمة المجتمع الجزائري"، فطبيعة المرأة تمتاز بالخجل حيث أغلب النساء يرفضن وجود رجل أثناء عملية توليدهن، وهي تعتبر أن أخصائي نساء وتوليد هو أقرب ما يكون للجراحة، ويكون دائماً برفقة قابلة أو مساعدة في غرفة العمليات.

ومن هنا سأل هاف بوست بعض الرجال، حسين أستاذ ثانوي مقيم بالغرب الجزائري، أسامة صحفي جزائري بإحدى القنوات العربية بلندن، عيسى محام بولاية بجاية شرق الجزائر، وإن اختلفوا في موقفهم من الاقتراح فأغلبهم ليس عنده مشكلة، لكن كلهم يرفضون أن يشرف رجل على توليد إحدى قريباتهم، وإن اختلفت الدوافع بين الدين والأعراف والغيرة.

كما أنّ هناك من يرى أن الحل يكمن في معالجة رأس المشكلة، حيث مازال الكثيرون في المجتمع الجزائري يرفضون فكرة إكمال الفتاة دراستها، إضافة إلى نقص مدارس الشبه الطّبي (مدارس تأهيل القابلات) على المستوى الوطني، هذا ما اتفقت عليه أستاذتا علوم الأحياء حسيبة.ب والفلسفة آسيا.غ.

وأمام اقتراح عقيلة قروج، وتباين آراء المجتمع الجزائري حوله، تغلق تينهنان مكالمتها وكلها أمل أن تجد يوم ولادتها الذي لم يتبق له سوى أيام، نفساً طيبة لها ضمير أخلاقي ومهني لتكون سبباً في اكتمال فرحتها، بغض النظر إن كانت هذه النفس رجلاً أم امرأة، فكما تقول الدكتورة الصيدلانية هدى، في الحالات العاجلة والمستعصية مثلما حصل معي أثناء وضعي مولودتي، أصبحت أدعي الله ان يسخر لي من يساعدني حتى لو كان من الجن.