أخطر تحذير تطلقه وكالة بلومبيرغ للسعوديين: المملكة لم تعد تتحمل الفشل وخطة بن سلمان غير مبشّرة

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
ب

نتائج متباينة تتوقعها وكالة بلومبيرغ الأميركية لتنفيذ رؤية السعودية 2030 التي أطلقها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، منذ تصدُّره المشهد السياسي للبلاد عقب تولي والده، الملك سلمان بن عبدالعزيز، السلطة.

يقول تقرير للوكالة: "إذا ظن زوار السعودية أنَّ المملكة تحظى الآن بملكٍ شاب جديد مفعم بالحيوية، فلن يكون ذلك مستغرباً؛ إذ إن صوره تملأ شاشات التلفاز وهو يحمل الأطفال، أو يحتسي القهوة مع الجنود، أو في لقاءٍ مع أقوى حكام العالم. وقد عُرِضَت له صورة عملاقة على ناطحة سحاب في الرياض باليوم الوطني الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول) 2017".


مرحلة لم تنجح فيها أي دولة بالتاريخ


برز ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عاماً، كزعيم المملكة الأوحد، وقد أصبح الآن في وضعٍ أفضل لقيادة البلاد بمرحلةٍ انتقالية لم تنجح فيها أي دولةٍ بالتاريخ، وهي تحويل اقتصادٍ كبير يعتمد على أموال النفط إلى اقتصادٍ يمكنه البقاء والاستمرار لقرن ما بعد النفط، القرن الحادي والعشرين، حسب التقرير.

وينطوي التحول الجديد الذي تشهده المملكة على مشروعات استثمار في صناعاتٍ جديدة، وخلق فرص عمل للشباب السعودي. وسوف يُدعَم ذلك بعملية بيع لحصة صغيرة في شركة النفط العملاقة "أرامكو"، وهي العملية التي تواجه الآن تأخيراً محتملاً، وتحويل هذه الأموال نحو إنشاء أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم.

لكن بعد عامين تقريباً من بدء حملة الإصلاح، يواجه المسؤولون السعوديون الآن أسئلةً هامة تتعلق بكيفية توفير الأموال وتسريع التغيير الاجتماعي دون شلّ الاقتصاد أو الاشتباك مع إحدى أكثر المؤسسات الدينية تشدداً في العالم.


اعتقالات


وقبل أن تُعلِن الحكومة رفع الحظر السعودي طويل الأمد عن قيادة النساء الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول) 2017، اعتقلت الأجهزة الأمنية رجال دين مستقلين وبعض الشخصيات التي تنتقد النظام.

وقال لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي لشركة غولدمان ساكس، بمنتدى الأعمال الدولي الذي تنظمه بلومبيرغ بنيويورك في سبتمبر/أيلول 2017: "هذا تحدٍّ ضخم للبلاد، وله آثار كبيرة على العالم، وبينما يجب أن تكون هناك حاجة ملحّة لهذا التحول، يجب أن يكون الحذر حاضراً أيضاً؛ حتى لا يؤدي التغيير المطلوب لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل إلى اضطراباتٍ في المدى القصير".

ويُهدِّد الفشل في العثور على إجابات صحيحة بترك المملكة طي النسيان؛ في وضعٍ توجد فيه ملكيةٍ مطلقة مع تناقص الموارد اللازمة لتمويل نسخة غير قابلة للاستمرار من رأسمالية الدولة.

سيعيش السعوديون حالة من الاضطراب، والاقتصاد المتعثر بالفعل قد يزداد سوءاً. وقال وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، لـ"بلومبيرغ"، الأسبوع الماضي، إن تقليص دعم الطاقة قد يصبح أكثر تدرُّجاً، وقد تستغرق الحكومة وقتاً أطول لتحقيق التوازن في ميزانيتها؛ مما يخفف من التأثير على المجتمع.

b


معاناة الشركات


يذكر التقرير أن المقابلات والمحادثات مع أكثر من 12 مستثمراً، ومحللاً، ومديراً تنفيذياً، ودبلوماسياً، ومستشاراً حكومياً، في المملكة العربية السعودية وخارجها، أظهرت أنَّ الشركات لا تزال تعاني خفض الإنفاق الحكومي الذي أعقب انهيار أسعار النفط. ويرى البعض أنَّ حرب اليمن ومقاطعة قطر تعتبران مجرد عروض جانبية مُكلِّفة.

وقال تركي الرشيد، رجل الأعمال السعودي، معلقاً على استمرار اعتماد المملكة على النفط، من منزله الضخم بحي الرياض الراقي، إنَّ "كل المشكلات الإقليمية، مثل قطر، واليمن، وسوريا، والعراق، هي محض تشتيت"، وإنَّ عدم تحقيق التنمية المستدامة هو "التهديد الحقيقي".

ولم يتخلّ رشيد عن أمله في نجاح الخطة المعروفة باسم "رؤية 2030"، ولكن لا يسعه إلا أن يتذكر المحاولات السابقة التي باءت بالفشل، والتي كان آخرها "الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي: 2020" قبل نحو 15 عاماً، والتي تضمَّنت "400 ورشة عمل"، وفقاً لرشيد.

وأدت آخر محاولة لإصلاح شامل إلى انخفاض حاد بعائدات النفط في عام 2014، وقد انخفضت الأسعار بمقدار النصف منذ ذلك الحين. ولتجنُّب ما اعتبره الأمير ومستشاروه انخفاضاً كارثياً في المدخرات، أُلغيت المشاريع التي اعتُبِرت غير ضرورية وخُفِّض الدعم المُكلف، وأُوقِفت مدفوعات المُتعهِّدين.


نفقات الأسرة المالكة


وفي حين كان التقشف ضرورياً لتخفيض العجز في الميزانية، كان التأثير على الاقتصاد جلياً؛ فقد دخل النمو غير النفطي في حالة ركود، وانخفض الإنفاق الاستهلاكي، ونمت البطالة بين المواطنين السعوديين البالغ عددهم 20 مليوناً، ثلاثة أرباعهم دون سن الأربعين.

وقد قُوَّض العقد الاجتماعي السعودي التقليدي، المتمثل في منح الهبات الحكومية للمواطنين مقابل وضعهم تحت رقابة صارمة.

وفي الوقت نفسه، لم تُظهِر الأسرة المالكة إشارات تُذكَر على استعدادها للمشاركة في حمل هذا العبء. فوفقاً لمصادر مطلعة، اصطحب الملك سلمان معه في زيارته إلى روسيا هذا الشهر (أكتوبر/تشرين الأول)، 1500 شخص، ومصعداً ذهبياً، وسجاداته الخاصة، وحجز أيضاً فندقين فاخرين في موسكو.

وقال حلمي نتو إنَّ مبيعات شركته بدأت تنخفض بسرعة منذ 3 سنوات. وقد فاز رائد الأعمال السعودي بجوائز؛ لتدشينه صناعة نظارات ناجحة عندما كان يبلغ 26 عاماً؛ بل وقدَّم برنامجاً تلفزيونياً خاصاً به.


فلاح لا يعرف شيئاً


وقال نتو، الذي يدعم رؤية 2030، في مقابلة أجريت معه بمدينة جدة المُطِلّة على البحر الأحمر، والتي تُعَد المركز التجاري للمملكة العربية السعودية: "إنَّنا ننزف"، وإنَّ تباطؤ الاقتصاد جعله يتحول من "شخص ناجح مشهور" إلى الشعور بأنَّه "فلاح لا يعرف شيئاً".

وفي الرياض، يعاني ثائر العتيبي، البالغ من العمر 36 عاماً، والذي يمتلك 3 مقاهٍ ومطعمين، من أجل إنقاذ شركته. فقال إنَّ مبيعاته انخفضت بنسبة 35%، على الرغم من تقديم الحلوى المجانية مع كل وجبة. وأضاف: "نود أن تُساعدنا الحكومة، لكن ليست لدي أي فكرة عن كيفية ذلك".


فقدان للثقة


وقد اشتكى عددٌ من رجال الأعمال سراً من أنَّ التحرُّك لوقف المدفوعات قد قوَّض ثقة رجال الأعمال والمستثمرين بالسعودية.

وقال آخرون إنَّه "في حين كانت رؤية عام 2030 ضرورية، إلا أنَّنا هرعنا واعتمدنا كثيراً على الإصلاحات السريعة بدلاً من التغيير التدريجي. وشيئاً فشيئاً، رفض بعض السعوديين الخطة بأكملها باعتبارها مشروعاً غير ناجح يعتمد بشكل مفرط على استشاريين أجانب ليس لديهم سوى القليل من المعرفة بالسياق الاجتماعي والسياسي في المملكة".

وتُظهر البيانات الرسمية أنَّ الناتج المحلي غير النفطي، الذي يُعَد المحرك لخلق فرص العمل، بالكاد، قد توسَّع في الربعين الأولين من هذا العام. وقد تقلصت ميزانية قطاع البناء، بفعل تخفيضات الإنفاق العام، لمدة ستة أرباع سنة على التوالي منذ بداية عام 2016.

وبالنسبة للحديث عن تنويع الإيرادات، يُذكَر أنَّ تقليص عجز الميزانية لهذا العام كان مدفوعاً بدخل أعلى من صادرات النفط.


سبب الركود القادم


وإذا كان التاريخ يُمثِّل أي مؤشر بالنسبة لنا، فحينها يمكن القول إنَّ الاقتصاد السعودي غير النفطي مُقبلٌ على سنواتٍ من الركود. وقد عانى ارتفاع الناتج المحلي غير النفطي من أجل مواكبة النمو السكاني في الثمانينيات والتسعينيات.

وقالت إميلي هوثورن، المحللة بشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمؤسسة "ستراتفور" الاستشارية في تكساس، إنَّه بخلاف الماضي، يبدو أنَّ إمكانية إنقاذ أسعار النفط من الهبوط ضئيلة، لذلك يحتاج الأمير بن سلمان إلى أن تتوسع الشركات وتستوعب المزيد من العمال السعوديين بعيداً عن القطاع العام المتضخِّم، وأضافت: "إنَّها لحظة حاسمة بالنسبة لهم؛ لأنَّ عليهم أن يجعلوا بعض أجزاء القطاع الخاص تنجح".

وأبلغت السلطات السعودية أيضاً صندوق النقد الدولي أنَّها تخطط لتقديم برنامج دعم لمساعدة صناعاتٍ مُختارة على التكيُّف مع ارتفاع أسعار الطاقة والمياه. وهناك صندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادية الذي سيقود الاستثمار في عدة صناعات تشمل التصنيع، وقطاع الترفيه، والتعدين، وكذلك الدفاع.

وقال الأمير بن سلمان، بمقابلةٍ تلفزيونية في مايو/أيار الماضي 2017، إنَّ صندوق الاستثمارات العامة سينفق ما لا يقل عن نصف الأموال الناتجة عن الاكتتاب العام الأولي لشركة أرامكو على الاستثمارات المحلية.

وقال بعض المطلعون على الوضع، الأسبوع الماضي، إنَّ حجم المال الذي سيجمعه الصندوق وتوقيت حدوث ذلك لا يزالان موضع تساؤل، خاصة في ظل تفكير السعوديين في تأجيل الجزء الدولي من عملية البيع حتى عام 2019 على الأقل.

وقال الصندوق في 9 أكتوبر/تشرين الأول، إنَّه سيُخصِّص 1.1 مليار دولار لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.


القطاع الذي سيزدهر


أما القطاع الذي يبدو المرشح للازدهار، فهو صناعة الترفيه التي تسير قيادة البلاد قدماً في دعمها رغم اعتراضات المحافظين، حسب تقرير لموقع إرم نيوز.

فقد أُعلن عن سلسلةٍ من المشاريع المحلية الضخمة، مثل شركةٍ بقيمة 2.7 مليار دولار للاستثمار في وسائل الترفيه المحلية، وهي خطة يُنظَر إليها على أنَّها وسيلةٌ لتعزيز انفتاح المجتمع والاحتفاظ ببعض الأموال التي تُنفَق على رحلات السعوديين إلى دبي وأماكن أخرى، وفقاً لـ"بلومبيرغ".

وفي ذكرى اليوم الوطني السعودي، رقص عشرات الرجال والنساء السعوديين في شوارع الرياض على الأضواء المثيرة والموسيقى الإلكترونية الصاخبة، وهو مشهد لم يكن بالإمكان تصوُّره حتى وقتٍ قريب في مدينةٍ كانت مطاعمها تفصل "الرجال العُزَّاب" عن المجموعات المختلطة من الجنسين، أو لم تكن تسمح للنساء بالدخول على الإطلاق.

وعندما زار الملك سلمان روسيا، تضمَّن جزءٌ من برنامج الزيارة عرضاً استثنائياً لـ3 أفلام سعودية، كان من بينها الفائز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي.

ويرى أيمن جمال، المخرج والمصرفي السابق، البالغ من العمر 45 عاماً، أنَّ رؤية 2030 تمثل "العصر الذهبي" لصناعة السينما الناشئة، وقال: "إنَّ هذه الرؤية خلقت فرصاً ونماذج وقطاعات جديدة، لكنَّها شكَّلت أيضاً تحدياتٍ للجيل القديم، سواء فيما يتعلق بنماذج أعمالهم أو هوامش أرباحهم الكبيرة".

وقال ياسر الرميان، العضو المنتدب لصندوق الاستثمارات العامة، وأحد الأشخاص الرئيسيين في دائرة السياسة الداخلية للأمير محمد بن سلمان، إنَّ هذا النوع من التفاؤل يُظهِر كيف تتزايد أعداد المؤمنين برؤية 2030 بعد المقاومة المبدئية لأفكار الأمير محمد بن سلمان. وأضاف أن الرؤية تتضمَّن 543 مبادرة ونحو 376 مؤشراً رئيسياً للأداء.


التراجع عن الأخطاء


ويشير آخرون إلى حقيقة أنَّ الحكومة تبدو على استعدادٍ للتعلُّم من الأخطاء بدلاً من التستُّر عليها.

وقال علي رضا، العضو المنتدب لشركة الحاج حسين علي رضا وشركاه المحدودة الرائدة للسيارات والشاحنات والموزع الحصري لشركة أستون مارتن، إنَّ هناك اجتماعات كانت تُجرَى بين رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين من أجل "صياغة خطة مناسبة. القطاع الخاص يرى أنَّ الحكومة لا تعرف كل شيء، وأنَّ هناك بعض القرارات التي تم اتخاذها وكان لا بد من التراجع عنها".

وفي أبريل/نيسان 2017، أعاد الملك سلمان المكافآت والبدلات لموظفي الدولة بعد 7 أشهر من قرار تخفيض أجور القطاع العام. وقد أثَّر هذا الإجراء على الإنفاق الاستهلاكي، وفاقم العبء الاقتصادي.

وتحاول الحكومة في الوقت نفسه، دفع السعوديين نحو وظائف القطاع الخاص. وهناك المزيد من الصناعات التي تقتصر على المواطنين السعوديين، وجرى فرض رسوم على المغتربين وعائلاتهم في يوليو/تموز الماضي 2017، الأمر الذي جعل عملية توظيف الشركات للأجانب أكثر تكلفة.

وقال محمد، (40 عاماً)، وهو متعاقد بالباطن، إنَّه فشل في العثور على سعوديين للقيام بأعمال اللحام وغيرها من الأعمال اليدوية، وقال إنَّه زوَّر العقود، ويدفع لعاملين اثنين نحو 1500 ريال شهرياً وهما يجلسان في المنزل؛ حتى يتمكن فقط من الوفاء بالحصة المفروضة.

وقال نتو، رجل الأعمال المقيم في جدة، إنَّه أغلق 4 من متاجره وتعلَّم أن يعيش في حدود ميزانيته؛ إذ أصبح تناول الطعام بالخارج نوعاً من الترفيه وليس الروتين، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاجات الشعر المكلفة، والمنتجعات الصحية، وجلسات التدليك الخاصة بزوجته. وتم استبدال رحلتهم الصيفية لقضاء شهر واحد في ديزني بأسبوع واحد في مصر.

وقال نتو وهو يتناول وجبة الإفطار: "عشنا حياةً جيدة. لأول مرة أشعر بأنَّ الحكومة ليست والدك، إنَّها ليست مثل أمك أو أبيك، ليس من المفترض أن تُغذيك. إنَّها يجب أن تساعدك وتشجعك، ولكن لا ينبغي أن تعطيك المال".

هذا هو الاعتقاد الذي يريد الأمير محمد بن سلمان أن يتشرَّبه المزيد من السعوديين. ولكن مثل التغييرات الأخرى التي يقودها، هذا الاعتقاد من شأنه أن يستغرق بعض الوقت.

فيقول علي رضا: "نحاول تنفيذ حلول في إطار زمني أضيق مما هو ممكن. وهو ما يؤدي إلى جميع أنواع الاضطرابات، وجميع أنواع المشاكل".