ترامب الصين.. ملياردير مُنشق يتوعد بفضح شركائه في الحزب الشيوعي وإسقاط "المافيا" التي تحكم الصين

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

لكل أمة "ترامب" الخاص بها، ويبدو أن الصين حصلت أخيراً على نصيبها من الظاهرة الترامبية.

إنه مليارديرٌ متمرد يتعهَّد بإسقاط النظام من منزله المريح الذي تصل قيمته إلى 68 مليون دولار في نيويورك. ويُصوِّر نفسه على أنَّه غيفارا رأسمالية المحاسيب الصينية، حسب وصف تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وأعلن غو وينغوي، قطب العقارات الصيني غريب الأطوار الذي يعيش بالمنفى، في وقتٍ سابق من هذا الشهر (أكتوبر/تشرين الأول 2017)، أنَّ "هدفه الوحيد هو تغيير الصين"، وذلك عشية مؤتمرٍ سياسي كبير في بكين، وعد غو ببث الفوضى فيه عن طريق كشف معلوماتٍ مثيرة عن احتيالٍ وغشٍ في قمة هرم السلطة الصينية.

سيُزاح الستار الأربعاء، 18 أكتوبر/تشرين الأول، عن المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي، وهو ثورانٌ من الأبهة الاشتراكية سيستمر أسبوعاً، ومناسبة تؤذن بنهاية الولاية الأولى لشي جين بينغ كقائدٍ أعلى للصين، وفقاً لـ"الغارديان".

ويعَد غو، الذي يستخدم أيضاً الاسم مايلز كوك، حتى الآن، أكثر الشخصيات غير الاعتيادية التي تُهدِّد بإفساد خطط الرئيس شي.


ادعاءات بذيئة


على مدى شهور، ظل إمبراطور العقارات اللامع يُطلِق الكثير من الادِّعاءات البذيئة، وغير المدعَّمة بالأدلة في كثيرٍ من الأحيان، حول بعض أكثر الشخصيات قوة في موطنه.

فقد قال غو في إحدى هجماته الأخيرة على النظام السياسي الصيني الهش: "بكل صراحةٍ ووضوح، إنَّهم مجموعةٌ صغيرة من رجال المافيا".

والآن، والمؤتمر على وشك الانعقاد، يدَّعي غو أنَّ لديه المزيد في جعبته، فغرَّد على موقع تويتر السبت مُهدِّداً: "هذه مجرد البداية!".


علاقته بترامب


هذا الرحَّالة ذو العلاقات القوية، والعضو في نادي مار آلاغو الخاص بالرئيس الأميركي دونالد ترامب واستقلّ من قبلُ طائرةً خاصة مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير- يحاول في الأسابيع الأخيرة تصوير نفسه على أنَّه مقاتل ناكر للذات من أجل الحرية، يقاتل "لكشف دولة المافيا الصينية الضخمة". وتفاخر هذا الأسبوع على تويتر قائلاً: "لا أحد بإمكانه التصدي لسعينا من أجل الديمقراطية، والحرية، وسيادة القانون".


الأكثر فساداً


وادَّعى في مقالٍ كتبه بصحيفة واشنطن بوست الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول 2017)، أنَّ الصين قد أصبحت "الدولة الأكثر فساداً، واستبداداً، ووحشيةً في العالم، باستثناء كوريا الشمالية".

وهو الوحيد، إلى جانب مضيفيه الأميركيين، الذي يمكنه إنقاذها من "الاستبداد والهمجية"، حسب قوله.

لكنَّ غو، وهو رجلٌ دولي غامض لا يزال عمره الحقيقي محاطاً بالسرية (والذي بالنظر إليه، تعتقد أنَّه وُلِد عام 1967 أو 1970)- هو مُدافِعٌ غير محتمل -وبالنسبة للكثيرين غير مُقنِع- عن التغيُّر الديمقراطي.


لماذا انحدرت علاقته بالحزب الشيوعي؟


جمع غو ثروته كمطورٍ عقاري صاحب دهاءٍ سياسي، ساعدته اتصالاته المرموقة مع كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني على الحصول على مجموعةٍ من المشروعات المُربِحة.

وبحلول عام 2014، كان غو في المرتبة الـ74 ضمن قائمة أغنياء الصين، مع ثروةٍ تُقدَّر بنحو 1.77 مليار جنيه إسترليني (2.35 مليار دولار) وفقاً لقائمةٍ لكبار ذوي الشأن الصينيين.

والأسبوع الماضي، خرج غو، الغارق الآن في نزاعاتٍ قانونية وجُمِّدت الكثير من أصوله، من قائمة أغنى أغنياء الصين. لكنَّ إحدى ناطحات سحاب بكين الأكثر غرابة، ناطحة "بانغو بلازا" التي بُنيت على شكل تنّين، تقف كنصبٍ دائم شاهد على نجاحه، وشاهِد أيضاً -كما يُشكِّك الكثيرون- على معرفته الوثيقة الخطيرة بالتقاطع الفاسد سيئ الصيت بين رجال الأعمال والسلطة في الصين.

وقال بيل بيشوب، الناشر المُقيم في واشنطن لصحيفة Sinocism المختصة بالحياة السياسية في الصين: "لا يمكنك أن تحصل على... بناية في وسط بكين دون أن تكون منغمساً بعمقٍ في الوحل بها. ومن الواضح أنَّه قد جمع معلوماتٍ على مدار سنوات، ومن الواضح أنَّ بكين قلقة بشأن الأمور التي ربما يكون على علمٍ بها".


أسباب انشقاقه


ووفقاً لروايته، فرَّ غو إلى الولايات المتحدة في عام 2014، بعدما اكتشف أنَّ السلطات كانت على وشك اعتقاله كجزءٍ من حرب الرئيس شي على الفساد، ولاحقاً انتقل إلى شقةٍ فاخرة بالطابق الـ18 في فندق شيري نيذرلاند بمانهاتن، تُطل على حديقة سنترال بارك.

هذا المسكن لا يبدو متواضعاً إطلاقاً؛ إذ تبلغ مساحته 16 ألف قدم مربع (1486.5 متر مربع تقريباً)، وأُفيدَ بأنَّ أثاثه يتضمَّن ثرياتٍ كريستالية، وأثاثاً يعود لملك فرنسا لويس السادس عشر، ونموذجاً لجسر لندن مُركَّباً من مكعبات الليغو.

من هذا المسكن، أطلق غو حملته الغامضة المليئة بالرموز التعبيرية "الإيموجي" على الإنترنت ضد فساد الحزب الشيوعي. وانتقد غو، في البث على الإنترنت، والمقابلات الصحفية، وتغريداته لـ449 ألفاً من متابعيه على تويتر، خداع الحزب بشدة، وتباهى في الوقت نفسه بثروته وقدرته على جذب الأفراد والشخصيات. (فقد غرَّد هذا الشهر بصور ضيوفٍ له؛ من بينهم ستيف بانون كبير المُخطِّطين الاستراتيجيين السابق في البيت الأبيض، ونيكولاس كريستوف الكاتب الحاصل على جائزة البولتيزر بصحيفة نيويورك تايمز).


اليد اليمنى للرئيس


وكان هدف غو الأساسي في حملته هو وانغ كيشان، اليد اليمنى للرئيس الصيني شي في حربه على الفساد، والذي يتهم غو أسرته بأنَّها تمتلك حصةً سرية في مجموعة "HNA"، وهي تكتُّلٌ صيني بقيمة 53 مليار دولار يشتهر ببراعته في عقد الصفقات.

ولم تتقبَّل بكين ادعاءات غو المُحرِّضة، وغير المُبرهَنة إلى حدٍ كبير، بصدرٍ رحب.

فقد ندَّدت به وسائل الإعلام التابعة للدولة باعتباره "محتالاً قذراً" ينشر "افتراءاتٍ سياسية"، واتَّهمته بدفع ملايين الدولارات كرشىً إلى رئيسٍ سابق للاستخبارات. وأصدرت الشرطة الدولية "إشعاراً أحمر" لاعتقاله في أبريل/نيسان 2017، بناءً على طلبٍ من بكين (يُصدِر الإنتربول الإشعارات الحمراء لإعلام الدول الأعضاء بأنَّ شخصاً ما تجري ملاحقته بناءً على مذكرة توقيف صادرة بحقه في دولةٍ ما أو من محكمة دولية).


محاولات للاغتيال


وفي الوقت نفسه، يدَّعي إمبراطور العقارات الذي يميل إلى المبالغة، أنَّه عانى "عدة محاولات اختطاف واغتيال لم يسبق لها مثيل في آخر 100 سنة من التاريخ الصيني" في أثناء وجوده بالولايات المتحدة. وقد طلب اللجوء الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول) 2017، مُدَّعياً أنَّ سلامته في خطر بسبب وضعيته كـ"معارضٍ سياسي للنظام الصيني".


الحل الروسي


وقال بيشوب إنَّ الحملة المناهِضة لـ"غو"، تشي بأنَّ البعض في بكين اعتبر تراشق الاتهامات يُمثِّل تهديداً حقيقياً.

لكن بيشوب استدرك قائلاً: "إنَّه (غو) محظوظ بأنَّ الرئيس الصيني شي جين بينغ لا يمتلك نَزَعات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على سبيل المثال، في تعامله مع معارضيه".

ويقول معارضون لبوتين إن القتل أو السجن كان مصير كثير من معارضيه، حسب تقرير لـ"سي إن إن".


لماذا يقلق منه المعارضون الصينيون؟!


ولا يثير غو قلق الحكومة الصينية فقط، ولكن هناك قلقٌ أيضاً في صفوف المعارضين الصينيين المقيمين بالولايات المتحدة، والذين يعتقدون أنَّ هذا الرجل الثري قد اختطف قضيتهم في محاولةٍ للنجاة بنفسه.

وقال ون يون شاو، وهو ناشطٌ مقيم في نيويورك، إنَّ محاولات غو التظاهر بكونه ناشطاً أمر مثير للغضب، ويشك الكثيرون في كونها حيلة لمساعدته في الحصول على اللجوء، وأضاف: "تواطأ غو كرجل أعمال مع الحكومة الصينية. وكل قرش حصل عليه يقطر دماً".

وأضاف: "غو ليس مدافعاً عن حقوق الإنسان... إنَّه يفعل ما يفعله ببساطةٍ من أجل نفسه ومن أجل أسرته، وأصدقائه، وممتلكاته. هذا هو ما في الأمر".

ويقول بيشوب إنَّ بعض المعارضين الصينيين تعلَّقوا ب"غو" على اعتبار أنَّه راعٍ ورمزٌ محتمل للمعارضة: "لقد كرَّس أولئك الأشخاص حياتهم لمحاربة الحزب الشيوعي، وغو هو أقوى سلاح حصلوا عليه منذ وقتٍ طويل للغاية".

وأضاف: "لكن فكرة أنَّه بطريقةٍ ما يُمثِّل رمزاً لعمل ونشاط حقوق الإنسان أو دعم الديمقراطية، في اعتقادي، مؤسفة وغير عادلة بالنسبة للأشخاص المدافعين فعلاً عن حقوق الإنسان... فالأمر كله يتعلَّق بـ(غو)، وأسرته، والحصول على أمواله".


ساحر


ولم يستجب غو لدعوات إجراء مقابلة، حسب تقرير "الغارديان". وفي تسجيلٍ صوتي بشأن حياة وأوقات رجل الأعمال واسع الثراء، صوَّره الصحفي بصحيفة نيويورك تايمز، مايك فورسيث، كراوي قصص ساحر، رغم أنَّ "أسلوبه يشبه أسلوب ترامب".

ويقول إنه يصعب فهم دوافعه ومستقبله: "لم نرَ مليارديراً صينياً مُغرِّداً ونرجسياً من قبل، لذا فإنَّ ذلك أمرٌ جديد نوعاً ما".