ألمانيان فقط وسط 20 طالباً لاجئاً بهذا الصف! الألمان في هذه المدينة يجدون صعوبة بـ"الاندماج" مع اللاجئين السوريين

تم النشر: تم التحديث:
REFUGEES IN GERMANY
Fabrizio Bensch / Reuters

في أواخر هذا الصيف اصطحبت نادين لانغر ابنتها ذات الأعوام الستة إلى المدرسة في أول يوم من الدوام المدرسي في بلدة سالزغيتر الألمانية، لتكتشف هناك أن ابنتها وطفلاً آخر هما الألمانيين الاثنين فقط في الصفّ وسط 20 طالباً لاجئاً معظمهم سوريون!

وتقول لانغر (41 عاماً) في حديثها لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية "لست ضد الأجانب، لكن ثمة حد إن وصلناه، لنا أن نتساءل عندها: ترى من الذي يدمج من هنا؟"

أزمة اللجوء إلى ألمانيا التي تعيشها البلاد منذ عام 2015 اختفت إلى حد كبير من عناوين الصحف، لكنها ما زالت مستمرة تتكشفُ كل يوم أكثر فأكثر في المدن والبلدات الألمانية متوسطة الحجم، مثل سالزغيتر وغيرها، فهي تشغل بال أهالي وسكان البلدات وتضغط على خزينة البلديات وتثير مخاوف أمنية وتوظيفية وتعليمية أيضاً.

ويعيش في سالزغيتر حوالي 5700 لاجئاً معظمهم سوريون مقابل 106 آلاف من الأهالي، وهي النسبة الأعلى في البلاد والتي تجعل من سالزغيتر ذات قيمة إحصائية مستهجنة، بيد أن العديد من البلدات الأخرى من فيلهيلمشافن شمالاً وحتى هولف جنوباً تعاني كذلك.

حتى تاريخ 15 أكتوبر/تشرين أول 2017، دخل ألمانيا هذا العام وحده 140 ألف طالب لجوء، وهو رقم منخفض جداً مقارنة بالـ1.2 مليوناً الذين وفدوا إلى البلاد خلال العامين الماضيين؛ ولكن بالنسبة للبلدات التي بحجم سالزغيتر، ثمة شعورٌ بأن الحكومة بعدما أطعمت وآوت الواصلين الجدد قد فشلت وما تزال على طريق الفشل على المدى الطويل في دمج هؤلاء في المجتمع الألماني.

وحسب استطلاعات الرأي فإن هذا الشعور بالقلق قد رفع من أسهم الحزب البديل لألمانيا المعادي للهجرة في انتخابات الشهر الفائت، جاعلاً منه أول حزب يميني متطرف يدخل البرلمان الألماني منذ نصف قرن. هذه الصدمة تعني أن موضوع الهجرة سيخيّم على الأجواء عندما تبدأ المستشارة أنغيلا ميركل المفاوضات الأربعاء 18 أكتوبر/تشرين الأول لتشكيل ائتلاف حاكم من 3 أحزاب.

كذلك عادت الهجرة من جديد إلى ساحة السياسة الإقليمية في البلاد، ففي ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية التي تقع فيها بلدة سالزغيتر والتي انتخبت برلمانها الأحد 15 أكتوبر/تشرين الأول، سيطرت قضايا الاندماج والتعليم المدرسي على الحملة الانتخابية، فعلى مدى سنين ظلّ المحافظون يقولون إنه على اللاجئين الذين يستقر معظمهم في البلاد بصفة دائمة أن يتعلموا القيم الألمانية، وهو المفهوم الذي يطلق عليه بالألمانية Leitkultur.

كثيرون هنا يقولون إنهم فخورون بثقافة بلدتهم التي تتقبل المهاجرين وتؤويهم، ولكن مع الارتفاع الحاد في أعدادهم العام الماضي، عمدت بلدة سالزغيتر إلى اتخاذ خطوة غير معهودة هي طلب وقف تنفيذ استقبال وإيواء الواصلين الجدد.

ويقول عمدة سالزغيتر، فرانك كلينغيبيل "كانت الأحزاب الحاكمة تعيش في فقاعة أو قوقعة، فقد قالوا أن كل شيء على ما يرام وتعاموا عن الواقع فلم يروا مخاوف الناس."

وينحدر كلينغيبيل من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، غير أن مخاوفه لا تقف عند حدود السياسة فحسب، فقد كان شتيفان فيل، وزير الدولة اليساري الذي أعاد ترشيح نفسه يوم الأحد 15 أكتوبر/تشرين الأول هو الذي منح الضوء الأخضر لوقف إيواء المزيد من اللاجئين في سالزغيتر، والذي دخل حيز التنفيذ الأسبوع الماضي.

في سالزغيتر حوالي 5700 لاجئاً معظمهم سوريون مقابل 106 آلاف من الأهالي، وهي النسبة الأعلى في البلاد والتي تجعل من سالزغيتر ذات قيمة إحصائية متطرفة، بيد أن العديد من البلدات الأخرى من فيلهيلمشافن شمالاً وحتى هولف جنوباً تعاني كذلك.

شكلت سالزغيتر وجهة جذابة للاجئين نظراً لوجود جالية سورية فيها قبل الأزمة ولوفرة المساكن والشقق التي أسعارها في متناول اليد، فوفد على البلدة 2000 لاجئاً العام الماضي و1000 آخرون في هذا العام، ما ترك في البلدة وخصوصاً في حي ليبينشتيدت أثراً وبصمة واضحة.

نور الوادي شاب دمشقي في الـ25 من العمر، جاء إلى هنا العام الماضي مع أخيه وزوجته أسمى، وهو الآن أبٌ لطفل عمره 9 أشهر، أما والداه فقد التحقا به في سالزغيتر قبل 5 أشهر. يقول "انتقلنا إلى سالزغيتر لأن بها العديد من المهاجرين العرب والأتراك ولدينا أصدقاء كثر. الناس هنا لطفاء ويمكننا ارتياد المساجد هنا."

كثيرون ممن ولدوا أو ترعرعوا في سالزغيتر يقولون أنهم يريدون مساعدة اللاجئين بيد أن حجم التدفق زاد عن طاقتهم، وتتعدد المخاوف من تأثير هؤلاء على التعليم وجودته وحتى ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي ومعدلات الجريمة، فضلاً عن انتشار شعور بأن الثقافة المحلية ضاعت وخفتت وسط الزحام، ليغدو الحديث عن أهداف الاندماج الثقافي بلا معنى.

تقول غولجان ضياء (46 عاماً)، الألمانية من أصول تركية والتي تعمل في مؤسسة خيرية لمساعدة اللاجئين "دوماً ما تشب المشاجرات، ما يستدعي حضور الشرطة دائماً."

ويقول نقاد الوضع مثل ضياء أنه كلما فاق عدد الطلبة والتلاميذ المهاجرين أعداد الألمان في الصف، كلما غدا أصعب تعلم اللغة الألمانية، وحتى الطلبة الألمان المحليون تأخروا في اللحاق بمناهجهم.

وكان تقرير مدرسي وطني قد صدر يوم الجمعة 13 أكتوبر/تشرين الأول وأظهر علاقة تناسبية بين تزايد أعداد التلاميذ المهاجرين وبين تدهور الأداء الأكاديمي، ففي عام 2016 ارتفعت نسبة الطلبة الأجانب في الصف الرابع الابتدائي إلى الثلث 34% عن أعدادهم عام 2011، وذلك حسب إحصاءات وزارة التربية والتعليم، أما أعداد التلامذة الذين اجتازوا بنجاح اختبار متطلبات الكتابة الموحد فقد انخفضت إلى 55% مقارنة بـ65% قبل 5 سنوات.

وقال كلينغيبيل عمدة سالزغيتر أن البلدة تعاني لإيجاد المعلمين للمدارس ورياض الأطفال وصفوف اللغة للطلبة اليافعين.

فروضة AWO Familienkita kindergarten في حي ليبينشتيدت بالبلدة ترعى 50 طفلاً منهم 18 سورياً، فيما أكثر من ثلثي الـ160 طفلاً المسجلة أسماؤهم على قائمة الانتظار هم أيضاً من السوريين.

تقول المديرة آندريا بيرنهوف "من الجيد أننا حصلنا على وقف التنفيذ ذاك لأننا ببساطة ما عدنا قادرين على السيطرة على الموقف، فهذا يعطي التلاميذ الفرصة للاستقرار والتحصيل التربوي والعلمي بشكل سليم."

كذلك ثبت أن دخول سوق العمل ومعترك الوظائف هو أيضاً أمر ينطوي على مصاعب كثيرة، فعلى صعيد البلاد وحسب إحصائيات وكالة العمل والتشغيل الألمانية فإن 15.3% فقط من البالغين الكبار من مواطني دول اللاجئين هم من كانت لديهم وظائف منتظمة في شهر يوليو/تموز هذا، بعد عامين كاملين من بلوغ أزمة اللجوء الألمانية أوجها؛ وفي سالزغيتر يعيش 91% من طالبي اللجوء على معونات الدولة.

يقول نيكولا بوكلر الذي يعمل في مؤسسة خيرية تساعد اللاجئين على إيجاد فرص عمل أن العديد من الواصلين الجدد مؤهلاتهم ليست مناسبة إلا لممارسة أبسط المهن "ونحن ليست لدينا المهن التي يقدر هؤلاء على تسلمها."

ويسعى حزب البديل لألمانيا المعادي للهجرة أن يستغل مشاعر التبرم والاستياء في ولاية ساكسونيا السفلى، وهو ما حققه بفوزه بأول مقاعد برلمانية له في الولاية، بيد أن نسب ناخبيه لم تتجاوز 5.8% مقارنة بالـ12.6% الذين دعموه في انتخابات سبتمبر/أيلول الوطنية.

ويختم مايكل غروغر مرشح الحزب عن سالزغيتر بالقول أن فكرة الاندماج بحد ذاتها ينبغي إعادة النظر فيها "فعلى جنون اللجوء هذا أن يتوقف، فطالب اللجوء هو ضيف مؤقت، لا مهاجر، وليس مطلوباً من طالب اللجوء أن يندمج."

حول الويب