أميركية عشقت الدجاج فقررت دخول هذا العالم لتواجه الصدمة.. ما اكتشفته قد يدفعك للامتناع عن تناوله طوال حياتك!

تم النشر: تم التحديث:
CHICKEN
kajakiki via Getty Images

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً لإحدى صحفياتها، كشفت فيه تفاصيل خطيرة عن طريقة تغذية الدجاج في أميركا وآسيا وإفريقيا، موضحة السبب الحقيقي لاختلاف طعم الدجاج، والأضرار الصحية لذلك.

مارين ماك كيننا هي صحفية ومدونة بموقع Wired.com، روت في مقالها عشقها للدجاج ورائحته التي كانت تأسرها في المنطقة التي كانت تسكنها بالقرب من ساحة الباستيل في فرنسا، حيث يوجد كشك ذو خيمة منصوبة فوقه وسط السوق هناك، يحتشد أمامه الناس، وانتظموا في صفٍّ طويل متعرِّج بين أعمدة الخيمة وخارجها، حتى وصلت أعدادهم الكثيرة إلى عند صف زبائن باعة الورد.. إنه طابور طويل.

تقول الصحفية: عندما تناولت هذه الأكلة أول مرة أذهلني المذاق عن الكلام من فرط السعادة والنشوة الغامرة التي اجتاحتني، فلم أستوعب حتى السبب الذي أشعرني أنها تجربة جديدة علي. ثم عندما أكلتها للمرة الثانية، غمرتني الفرحة من جديد، لكن من بعدها، خامرني استياء وحزن.

استعرضت كيننا في ذهنها كل أنواع الدجاج التي كبرت وتربّت على طعمها ومذاقها، فلا شيء من وجهة نظرها يضاهي طعم هذا الدجاج الفرنسي، فالتهامه أشبه بتمرين عضلي في الهواء الطلق، أما النكهة فطازجة وكأنك تأكل دجاجة حية.

وتضيف: "لقد سهّلت علينا حياتنا المعاصرة الاستهلاكية تناسي كيف كان الدجاج يبدو قبل أن نجده جاهزاً على أطباق المائدة أو قبل أن نتناوله فروجاً مجمداً من إحدى ثلاجات السوبر ماركت".

تعيش الصحفية على بعد أقل من ساعة بالسيارة من مدينة غينزفيل بولاية جورجيا الأميركية، التي تصف نفسها بأنها عاصمة الدجاج العالمية، فهي التي ولدت فيها صناعة تربية وإعداد الدجاج الحديثة؛ حيث تربي وتدجن الولاية في كل عام 1.4 مليار دجاجة، ما يجعلها وحدها أكبر مدينة تساهم في إنتاج الولايات المتحدة من الدجاج البالغ 9 مليارات دجاجة كل عام. ولو كانت غينزفيل دولة مستقلة، لربما وازى إنتاجها للدجاج إنتاج الصين والبرازيل.

قرَّرت الصحفية الأميركية أن تغوص في هذا العالم، وبدأت بحكم عملها الصحفي تعقّب المفتشين التابعين لمركز الوقاية ومكافحة الأمراض، التابعة للوكالة الأميركية الفيدرالية، التي تقوم بمتابعة ومعاينة الوضع في كل مكان من العالم بمجرد الإعلان عن وباء ما.



قامت كيننا بحوارات مطولة في أميركا وآسيا وإفريقيا مع الأطباء والبيطريين وأطباء الأوبئة. اكتشفت أن الدجاج الذي أدهشني والأوبئة التي بهرتني هما أعمق وأوثق صلة ببعضهما مما كنت أظن.

تقول الصحفية كيننا: "اكتشفت السبب الذي يجعل دجاجنا الأميركي مختلفاً جداً في طعمه عن أي دجاج تتناوله في مكان آخر، فنحن في أميركا ندجن الدجاج ونربيه واضعين نصب أعيننا كل هدف ممكن إلا الطعم: فنحن نربيه من أجل إكثار العدد، ومن أجل قوام اللحم وتماسكه، ومن أجل سرعة النمو".

العامل الأكبر والأبرز لهذا التحول، هو أننا دأبنا دوماً وبشكل منتظم طيلة عقود الزمن على إطعام الدجاج وكل أنواع حيوانات اللحوم الأخرى جرعاتٍ روتينية من المضادات الحيوية في كل يوم من حياتها.

فليست المضادات الحيوية مسؤولة عن فقدان الدجاج لطعمه، لكنها مسؤولة عن التسبب بنشوء ظروف جعلت الدجاج يفقد طعمه بسهولة. وبهذا سهُل علينا أن نحول قن دجاج بلدي يعج بالحياة والضوضاء إلى معمل سريع النمو محشو بكتل البروتين الطيّعة التي تتحرك ببطء، والتي لها بنية جسمانية وعضلية ضخمة أشبه برسم شخصية بطل كمال أجسام في مسلسل كارتوني للأطفال، وفقاً لكيننا.

كانت وما زالت تحذيرات الأطباء البياطرة تصدر بخصوص ظاهرة لجوء الكثيرين من مربي الدجاج لحيل وسلوكيات خطيرة لغرض تسمين الدجاج، لا تخطر على بال، منها استعمال حبوب منع الحمل وهرمونات خطيرة وأدوية ممنوعة، وهو ما يعرض حياة الإنسان لاضطرابات صحية وهرمونية وأمراض قاتلة.

في زمننا هذا، وفي هذه اللحظة تتربى الحيوانات الداجنة في كل أنحاء العالم بمساعدة جرعات المضادات الحيوية معظم أيام حياتها، حيث يستهلك 63151 طناً سنوياً من المضادات الحيوية، أي ما يعادل أكثر من 57 مليون كيلوغرام.


ما سبب لجوء المزارعين للمضادات الحيوية؟


تقول الصحفية الأميركية إن السبب وراء لجوء المزارعين إلى المضادات الحيوية والأدوية، هو أنها تسمح للحيوانات بتحويل العلف إلى عضل ولحم بسرعة وكفاءة أكثر، وهكذا وعندما جاءت النتائج مرضية وزاد إغراءُ حشرِ المزيد من الحيوانات الداجنة داخل الحظائر لزيادة الربح والإنتاج، ساعدت المضادات الحيوية في حماية الحيوانات من الإصابة بالأمراض.

هذه الخطوة كانت سبباً في انخفاض أسعار الدجاج كثيراً حتى بات الدجاج أكثر لحم يتناوله الأميركيون، وحتى صار أكثر لحم يمكنه حمل ونقل الأمراض الغذائية ومقاومة المضادات الحيوية الآخذة في النمو، والتي هي أكبر أزمة صحية في عصرنا هذا.


الوباء الخفي


وتحذر الصحفية الأميركية مما بات يعرف "مقاومة المضادات الحيوية"، التي وصفته بالوباء الخفي الذي ينتشر بيننا، فالأمراض المقاومة للأدوية هي أوسع وأكثر انتشاراً، وتصيب الأطفال والرياضيين والمراهقين وشريحة واسعة من الناس.

وبكتيريا هذه الأمراض المقاومة للأدوية هي على شيوعها خطيرة وتزداد خطورة يوماً بعد يوم. فهي مسؤولة عن وفاة ما لا يقل عن 700 ألف شخص كل عام، منهم 23 ألفاً في الولايات المتحدة و25 ألفاً في أوروبا وأكثر من 63 ألف رضيع في الهند. وفوق أعداد الوفيات هذه، تتسبب البكتيريا المقاومة للأدوية والمضادات الحيوية بملايين الأمراض، منها مليونان في الولايات المتحدة وحدها، كما تكبدنا مليارات الدولارات في قطاع الرعاية الصحية والإنفاق الصحي والأجور المهدرة والإنتاج الوطني المهدر كذلك.

ومن المتوقع أنه بحلول عام 2050 سوف يتكلف العالم 100 تريليون دولار بسبب مقاومة المضادات الحيوية، كما سيتسبب هذا المرض بـ10 ملايين حالة وفاة كل عام.

منذ ظهرت المضادات الحيوية وجراثيم المرض وناقلاته تطور دفاعاتها ضد هذه المضادات التي تقتلها، فالبنسلين مثلاً ظهر في الأربعينيات، أما مقاومته فقد اجتاحت العالم في غضون عشر سنوات فقط، أي في الخمسينيات.

كلما أنتجت الصناعة الكيميائية الصيدلانية جيلاً جديداً من المضادات الحيوية بجزيء ذي بنية جديدة وأثر فاعل جديد، تتأقلم البكتيريا معه وتتحصن ضده؛ والحقيقة الواقعة هي أن البكتيريا زادت من سرعة تأقلمها على مر العقود والسنين، حتى إن مثابرتها على البقاء تُهدِّد بإطلاق عصر جديد لما بعد المضادات الحيوية ستكون فيه العمليات الجراحية بالغة الخطورة، وحتى المشكلات الصحية الاعتيادية، مثل الخدوش وقلع الأضراس وكسور الأعضاء، قد تصبح جميعها خطراً جسيماً يهدد المصابين.


أسباب عدم فاعلية المضادات الحيوية


على مدى زمن طويل سادت فرضية تقول إن المقاومة الغريبة للمضادات الحيوية حول العالم، مردُّها إلى سوء استخدام العقاقير الطبية، سواء استخدامها لأمراض لا تتناسب معها، أو الأطباء الذين يصفون لمرضاهم المضادات الحيوية من دون التحقق من مناسبة خيارهم للحالة التي بين أيديهم، أو حتى توقف الناس عن متابعة تناول المضاد الحيوي لمجرد أنهم شعروا بتحسن، أو أنهم يخبئون ما بقي من حبوبهم ليعطوها لأصدقائهم الذين ليس لديهم ضمان صحي، أو أنهم يشترون المضادات الحيوية من الباعة من دون الحاجة إلى وصفة، مثلما هو الحال في كثير من البلدان، فيشتريها الناس ويحددون جرعاتهم بأنفسهم.

ولكن منذ أوائل عصر المضادات الحيوية، برز لهذه العقاقير استخدام آخر بالتوازي مع الاستخدام البشري: إنه الاستخدام الحيواني مع الحيوانات الداجنة التي تربى لأكل لحومها، وفقاً للصحيفة الأميركية.

وتتابع كيننا: "في الولايات المتحدة تستخدم 80% من المضادات الحيوية المباعة وأكثر من نصف عددها حول العالم لمربّي الحيوانات، لا للإنسان؛ فالحيوانات التي ستؤول إلى لحوم استهلاكية تُعطى بشكل دوري روتيني تلك المضادات الحيوية ضمن أعلافها وماء شربها؛ حتى إن معظم هذه الأدوية لا تعطى للحيوانات بغرض التداوي من المرض ومعالجته مثلما هو الحال في الاستخدام البشري".

لكن الكارثة من وجهة نظر الصحفية الأميركية تكمن في أن ثلثي المضادات الحيوية المستخدمة لهذه الأغراض هي عبارة عن مركبات تستعمل لمكافحة الأمراض البشرية كذلك، وبالتالي يعني هذا أنه عندما تتكون في حظائر الإنتاج الحيواني مقاومة لهذه المضادات، فإن ذلك يقوّض من كفاءة ونجاعة وفاعلية هذا العقار لدى البشر كذلك.

مقاومة المضاد الحيوي هي كالتغير المناخي، فهي تهديد ضخم نشأ وتكوَّن على مرِّ العقود الزمنية بسبب ملايين القرارات الشخصية التي دعمتها الصناعة وممارساتها.

من وجهة نظر الصحفية الأميركية، فإن علاج هذه المسألة ليس أمراً مستحيلاً، فإرادة مزارعي وفلاحي هولندا للإقلاع عن استخدام المضادات الحيوية، وإرادة بعض الشركات الأميركية كمزارع Perdue وغيرها، ما هي إلا دليل على أن طاقة الإنتاج بمستويات ومعدلات صناعية هي أمر في متناول اليد، من دون اللجوء إلى محرضات النمو أو استخدام المضادات الحيوية.

إن تحول شركة Whole Foods إلى إنتاج الدجاج الأبطأ نمواً –والذي له خصائص جينية يتشابه بعضها مع دجاج فرانك ريس الأميركي الشهير- لدليل على أن التوقف عن استخدام المضادات الحيوية وإزالتها من عملية الإنتاج واختيار طيور لا تحتاج تلك المضادات، سيَعُود على إنتاج الطيور بالتعدد والتنوع الحيوي.

وتختم الكاتبة الصحفية مقالها بالقول: "إن جميع هذه الإنجازات هي إشارات تومئ إلى الطريق الذي ينبغي أن تسير فيه تربية الدجاج والمواشي والأسماك، ألا وهو طريق الإنتاج الذي لا تستخدم فيه المضادات الحيوية إلا فيما ندر، ولمعالجة الحيوانات المريضة فقط، لا لتسمين ولا لحماية القطعان بأكملها".

وتتابع: "هذه هي الطريقة المتبعة الآن في استخدام المضادات الحيوية لدى البشر، وهي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها إعادة التوازن بشكل مناسب إلى كل من استخدام المضادات الحيوية وإلى احتمال وخطورة تكوين مقاومة ضدها".