عادت لتصبح من غير أب.. قصة طفلة مغربية ألغت المحكمة قراراً بثبوت نسبها لأبيها من علاقة غير شرعية

تم النشر: تم التحديث:
NEW BORN MOROCCO
هاف بوست

لا أب لها من جديد.. هذا حال الطفلة لينا التي ولدت قبل أكثر من عشرة أشهر في مدينة طنجة شمال المغرب، فبعد أن أصدرت المحكمة الابتدائية في المدينة حكماً بثبوت نسب الطفلة إلى أبيها من غير عقد زواج شرعي فقط بالاعتماد على تحليل الحمض النووي، عادت محكمة الاستئناف في نفس المدينة لتصدر حكماً قضائياً اعتبرت من خلاله على أنه لا يمكن إثبات البنوة في علاقة غير شرعية.

قرار محكمة الاستئناف يأتي ليضع الحد للتوجه الذي كانت قد ذهبت إليه المحكمة الابتدائية - قسم قضاء الأسرة - عندما أقرت بإثبات البنوة الناتجة عن علاقة غير شرعية مستندة في ذلك على الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بالطفل والاجتهاد القضائي المبني على فصول الدستور والذي لطالما طالبت به الجمعيات الحقوقية المدافعة عن الأمهات العازبات وأطفالهن.


انتكاسة الاجتهاد


ألغت محكمة الاستئناف في مدينة طنجة حكماً بالاعتراف للمرة الأولى في المملكة المغربية، بأبوة طفلة ولدت خارج إطار الزواج في يناير 2017 ، بناء على اختبار حمض نووي ريبي قدمته الأم، في ما يعتبر سابقة في البلاد.

الحكم الابتدائي اعتبره المشرعون وقتها بمثابة الحد للقرار الصادر عن محكمة النقض (أعلى سلطة قضائية في البلاد) الذي ذهبت فيه إلى أنه لا يمكن إثبات البنوة عن علاقة غير شرعية، لكن بعد صدور حكم محكمة الاستئناف من جديد يعود موضوع إثبات البنوة في علاقة غير شرعية إلى الواجهة.
وحكم حينها على الأب بالاعتراف بطفلته ودفع غرامة قيمتها 100 ألف درهم (أكثر من 10 آلاف دولار) للأم، وذلك رغم أن هذا الاعتراف بالأبوة لا يمنح الطفلة حقوقها الشرعية الأخرى مثل الإرث كما يشرح محامي الأم أحمد غينون.

الحكم الذي وصف بأنه "تاريخي" عادت محكمة الاستئناف لتتراجع عنه بل وتقضي بدفع الأم نفقات التقاضي حسب تصريح المحامي أحمد غينون الذي اعتبر أنها "خيبة كبيرة للأم وأقاربها" وأكد أنهم عازمون على الطعن في الحكم "نضع آمالنا في قضاة محكمة النقض وهم نساء ورجال في مستوى عال".


ثورة قانونية


قصة الحكم "التاريخي" الذي اعتبر وقتها بمثابة ثورة قانونية تمهد لسمو الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة وحقوق الطفل على القوانين المحلية بدأت شهر ديسمبر/كانون الأول من السنة الماضية حينما تقدمت امرأة بدعوى أمام قسم قضاء الأسرة بطنجة (شمال المغرب)، تعرض فيها بأنها أنجبت بنتاً من المدعى عليه، خارج إطار الزواج، ورفض الاعتراف بها، رغم أن الخبرة الطبية أثبتت نسبها إليه، ملتمسة من المحكمة، الحكم ببنوة البنت لأبيها، وأدائه لنفقتها منذ تاريخ ولادتها.

المدعى عليه، رد على دعوى الأم، بكون طلبها غير مؤسس قانوناً، على اعتبار الخبرة الطبية المدلى بها في الملف، وإن أثبتت العلاقة البيولوجية بينه وبين البنت، فإنها لا تثبت العلاقة الشرعية، وبأن النسب في مدونة الأسرة يثبت بالزواج الشرعي، وبأن البنوة غير الشرعية ملغاة للأب، ولا يترتب عنها أي أثر. وقد أدلى بحكم محكمة قضى بإدانته من أجل جنحة الفساد (علاقة جنسية خارج الزواج) طبقاً للفصل 490 من القانون الجنائي مما يعفيه من أي اعتراف بالبنوة التي يسقطها الفساد.

غير أن قضاة المحكمة الابتدائية اجتهدوا واعتمدوا على حجج غير مسبوقة مبنية أساساً على اتفاقيات دولية وأخرى من الدستور الجديد الذي تم إقرار العمل به سنة 2001 ليأتي حكمهم في صالح الطفلة بغض النظر عن نصوص القانون الجنائي المحلي.

ومن بين الاتفاقيات الدولية التي اعتمدها القضاة الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب بتاريخ 21/6/1993 التي تنص أن القضاء يتوجب عليه "إيلاء الاعتبار الأول لمصالح الأطفال الفضلى عند النظر في النزاعات المتعلقة بهم.

كما تنص المادة 7 من نفس الاتفاقية على أن الطفل يسجل بعد ولادته فوراً ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما" كما يشرح القاضي محمد الزردة رئيس قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية طنجة.


إثبات النسب


تنص المادة 158 من مدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية في المغرب) على أنه "يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب أو بشهادة عدلين أو ببينة السماع وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعاً بما في ذلك الخبرة"، وجاء في المادة 152 من نفس المدونة أسباب لحوق النسب: الفراش والإقرار والشبهة، ومن خلال هاتين المادتين، فالنسب يثبت بالفراش والإقرار والشبهة والشهادة بنوعيها والخبرة.

ويتبين من مقارنة نص المادة 158 أعلاه مع مقتضيات الفصل 89 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، أن مدونة الأسرة قد جاءت بجديد يتمثل في الخبرة، ويكون المشرع المغربي بذلك قد وسع من نطاق ثبوت النسب بهدف حفظ الأنساب وحقوق الأطفال ومسايرة للتطور العلمي.

لكن خبراء القانون المغاربة يعتبرون مصطلح "الخبرة" مصدر الجدل حيث لم ينص المشرع صراحة مع شرحه أو تعويضه بكلمة اختبار الحمض النووي مثلاً كما يشرح مدير دار الحديث الحسنية بالرباط أحمد الخمليشي الذي ينتقد إصرار المشرع المغربي على رفض كتابة الاستعانة التحليل الجيني DNA، لإثبات البنوة في مدونة الأسرة.

ويضيف الخمليشي أن المشكل بخصوص إثبات البنوة "يتعلق بمشكل ثقافة حيث إن المشرع المغربي رفض كتابة وسيلة التحليل الجيني في مدونة الأسرة، واكتفى بإيراد الخبرة الطبية”.

وأضاف مدير دار الحديث الحسنية، أنه خلال إعداد مدونة الأحوال الشخصية وقعت مناقشات كثيرة حول (البصمة الوراثية)، ولأنها لم تستعمل في الفقه، فإنه لا يجوز أن تذكر في مدونة الأسرة.


أمهات عازبات


التراجع عن الحكم السابق خلف ردود فعل غاضبة من طرف نشطاء حقوقيين وجمعويين حيث اعتبرت جمعية "إنصاف" للدفاع عن حقوق المرأة أن "المغرب بلد يساعد فيه القضاء الرجال على عدم تحمل نتيجة أفعالهم، على حساب رضيع".

ودعت في عريضة أطلقتها عبر الإنترنت إلى أن "يحظى كافة أطفال المغرب بالحقوق الأساسية ذاتها، أياً كانت أوضاع والديهم عند ولادتهم".
وحسب دراسة نشرتها جمعية "إنصاف" والأمم المتحدة عام 2011، فإن سبعة من كل عشرة آباء مستقبليين يتم إبلاغهم بحالات حمل خارج الزواج، لكن معظمهم يرفض الاعتراف بالمولود.

وأشارت الدراسة إلى وجود نحو 30 ألف حالة حمل لعازبات سنوياً في المغرب يعانين من الإقصاء والرفض والتمييز وحتى الاستغلال.

وفي دراسة أصدرتها الجمعية سنة 2010 حول الأمهات العازبات في المغرب قدمت من خلالها نتائج مقلقة عن وضع هذه الفئة من النساء ومستقبل أطفالهن، مبرزة أنه خلال الفترة من 2003 إلى 2009 فاق عدد الأمهات العازبات بالمغرب 210 آلاف و340، منهن 32 في المائة تقل أعمارهن عن 20 سنة، و30 في المائة بين 20 و25 سنة.

وحسب الدراسة نفسها فإنه يتم التخلي يومياً عن 24 طفلاً يكون "مصيرهم الاستغلال، أو الموت نتيجة الجوع والبرد، في ما تعاني الأمهات العازبات الهشاشة، ويتعرضن لكل أشكال الاستغلال والعنف والإقصاء والتمييز، مما يؤدي بهن إلى الانتحار أو التخلي عن الطفل أو حتى قتله".