لم يحددوا مصيرهم في القاهرة.. موظفو غزة ينتظرون شهراً آخر على طريق الرواتب المتأخرة و"الديون الميتة"

تم النشر: تم التحديث:
GAZA MARKET
Ibraheem Abu Mustafa / Reuters

بينما كان العالم يتابع باهتمام بالغ جهود المصالحة الفلسطينية التي ترعاها مصر والتي تمخضت عن بيان سياسي من مقر المخابرات المصرية يطلق إجراءات المصالحة، كان الموظف الغزاوي "صافي" ينتقل من شارع إلى شارع هرباً من أصحاب المحلات والدكاكين الذين يطاردونه طلباً لديونهم.

صافي الذي فضل أن يفصح عن شطر من اسمه فقط، قال لـ "هاف بوست عربي" إنه فوجئ بورقة محرجة معلقة على أحد المحلات "لطفاً الدين ممنوع على موظفي السلطة غزة ورام الله"، كتبها صاحب الحانوت أبو صالح حرب والذي له ديون مستحقة فقط على موظفي غزة تبلغ 5 آلاف دولار.

مثل آلاف الموظفين مثله، فهم "صافي" من بيان القاهرة أن الطرفين لم يحددا موعداً لدمج الموظفين في مؤسسات السلطة، وأن عليه الانتظار إلى المفاوضات المقبلة، في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني بالقاهرة، ليتعرف على مصير موظفي غزة.

تعود جذور أزمة الرواتب في غزة إلى عام 2006 حينما فازت حماس بالانتخابات التشريعية إذ عيّنت الحركة عدداً من الموظفين بالقطاع ثم عادت وعينت جزءاً أكبر بعد سيطرتها على القطاع عندما أمر بعد الانقسام الفلسطيني 2007، وبعدها أمر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كافة موظفي السلطة في غزة بمقاطعة حكومة حماس والبقاء في بيوتهم مع استمرار صرف رواتبهم.

ويبلغ عدد موظفي غزة التابعين لحماس نحو 30 ألف موظف بعجز 5 آلاف موظف ستزيدهم السلطة بعد اتفاق المصالحة، في حين يبلغ عدد موظفي السلطة في رام الله وغزة والتابعين لمؤسسات السلطة 156 ألف موظف مدني وعسكري بدون موظفي حماس.


لماذا قلصوا الرواتب؟


حماس كانت في البداية تسدد للموظفين في حكومتها بغزة رواتبهم كاملة، ثم بعد الحصار المشدد عليها قلّت مواردها المالية لتدخل في أزمة حادة، فقررت دفع راتب قدره 1000 شيكل ما يعادل 250 دولاراً فقط لكل موظف في غزة دون الأخذ بالاعتبار الرتب الوظيفية، ثم بدأت تدفع 40% إلى أن وصلت لدفع 60% من الراتب المستحق لكل موظف قبل المصالحة.

أما بالنسبة للموظفين في غزة التابعين للسلطة فقد بقيت رواتبهم مستمرة منذ عام 2007 بدء الانقسام، مع خصومات أقل، إلى أن قرر الرئيس الفلسطيني مؤخراً اتخاذ إجراءات عقابية بحق غزة طالت حتى الموظفين التابعين للسلطة حيث وصلت الخصومات التي أمر بها إلى ثلث الراتب، ولكن تظل المعاناة الأكبر هي التي تكبدها موظفو غزة من غير التابعين للسلطة على مدار 10 سنوات كاملة.


الديون الميتة


وأدى هذا الوضع إلى تراكم الديون على موظفي غزة لصالح المحلات بشكل هائل حتى أصبح بعضها "ديوناً ميتة"، كما سماها أبو صالح حرب (صاحب المحل)، الذي انتظر أن يتم سدادها أثناء جلسات المصالحة بين فتح وحماس، لكنها بدأت تزيد.

ويقول حرب لـ "هاف بوست عربي" إنه لا يمكن في غزة أن تبيع بدون دَين، يعني "على الدفتر"، وفي السابق كان يتم السداد بسبب انتظام الرواتب، ولكن بعد الانقسام شكل البلد تغير اقتصادياً، حتى أصبح كل الموظفين سواء تابعين للحكومة في غزة (حماس) أو رام الله وحتى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين " الأونروا" يأخذون بالدين، وإن لم أبع بالدين سأغلق محلي.

هكذا ضرب الكساد مجال عمله، خاصة أن أكثر زبائن أبي صالح من الموظفين، "وبسبب تراكم ديونهم لا أستطيع شراء بضاعة جديدة لأن الموردين يطلبون المال أيضاً مقابل البضاعة وأفكر في إغلاق المحل".

ولكن إغلاقه يعني وقف باب الدخل الوحيد لعائلة أبي صالح المكونة من 12 فرداً، أكبرهم صالح 28 عاماً وأصغرهم يحيى 4 أعوام.


هل اسمي موجود؟


علاء قدوحة الذي يسكن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة ويعمل في هيئة الجمارك الفلسطينية التابعة لغزة ووالد لستة أبناء، يقول لـ هاف بوست عربي: "أخشى كثيراً أن يكون اسمي غير موجود في عملية دمج الموظفين، فهناك موظفون سيحالون للتقاعد، وآخرون على أسمائهم حظر دولي، وآخرون سيتقاضون من الشؤون الاجتماعية كمساعدة، وأنا لا أعرف لأي فئة أنتمي؟".

مخاوفه من عدم الدمج في سجلات الموظفين الرسمية تتزامن مع مخاوفه من عدم قدرته على دفع رسوم التعليم لاثنين من أبنائه في جامعة الأقصى.

يقول: "أتقاضى نصف راتب حوالي ١٢٥٠ شيكلاً (ما يعادل ٣٥٠ دولاراً شهرياً) ولا أعرف هل أدفع ديوني للمحل أم مصاريف المواصلات والتعليم لأبنائي في الجامعة.. إنه أمر مرهق".

يصمت قليلاً، يضع أصبعه الوسطى في فمه، يأكل جزءاً من ظفره وتبدو عليه علامات التوتر، ثم يضحك وهو جالس على باب بيته أمام درج من ثلاث طبقات وعلى يمينه شجرة يابسة لم يصلها الماء منذ فترة، قائلاً بالدارجة الفلسطينية: "بتكون ليلة زي الفل، لو ما لاقينا أسماءنا في كشف الموظفين المدمجين".

ويضيف: "نحن الآن سندخل في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2017 ولا توجد أي معلومات عن رواتبنا لا كمّاً ولا كيفاً".


الحل السويسري وحظر موظفي حماس


واقترحت ورقة طرحتها سويسرا آلية للتعامل مع الموظفين التابعين لحماس في الجهاز الحكومي التابع للسلطة الفلسطينية بعد إجراء فحص أمني لجميع الموظفين وضمان اجتيازهم لهذا الفحص وفق المعايير الدولية.

وكانت اللجنة الرباعية الدولية قد حظرت 200 اسم لموظفي حماس واعتبرت أنهم يقفون عائقاً في ملف الدمج بدعوى ارتباطهم بالعمل المقاوم، ومن المنتظر أن تنظر حماس في ملفاتهم وتدمجهم في إطار خارج الحكومة، مع إحالة موظفين للتقاعد وآخرين ضمن ميزانية الشؤون الاجتماعية.

جدير بالذكر أن الموظفين التابعين لحماس مالياً في قطاع غزة، غالبيتهم لا ينتمون لحماس تنظيمياً، وجزء منهم ينتمي لفصائل غير حماس كالجبهة الشعبية وحركة الأحرار ولجان المقاومة الشعبية، بالرغم من ذلك فقد طال الخصم وقلة الرواتب الجميع.


ماذا قدم الاتفاق للموظفين؟


ورغم اتفاق المصالحة بين فتح وحماس برعاية مصرية فإنه لم يكشف عن آلية واضحة لدمج الموظفين التابعين لحماس.

ونقلت وكالة سما الإخبارية الفلسطينية عن روحي مشتهى عضو المكتب السياسي لحركة حماس قوله إن "ملف الموظفين في غزة نقطة أساسية وأخذ اهتمام الوفد خلال مباحثات القاهرة، والمصريون تبنّوا التركيز فيه، وقد يكون معيار النجاح والفشل هو نجاحنا في تحقيق حقوق الموظفين".

وأضاف: "عندما نقول موظفين، يعني الذين هم على رأس عملهم، وتم حسم أنهم موظفو دولة، وأن يأخذوا رواتبهم بالحد الأدنى ما يتقاضونه الآن، وسيكون بعد ذلك إعادة هيكلة لدمجهم بنظام وظيفي موحد، ولن يتم طرد أو إقصاء أي موظف".

دوامة الدين للتوقف بالنسبة لموظفي خاصة، إذ اضطر آلاف منهم للاستدانة إما لسداد القروض البنكية عليهم، أو لقضاء حوائجهم اليومية، في ظل معركة تقشف يخوضونها مع عائلاتهم في البيت، وإلى الآن جولات المصالحة لم تكشف عن آلية واضحة لدمج الموظفين.


الصين تدمر غزة


أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب يقول إن دمج موظفي غزة في سجلات السلطة وانتظام رواتب موظفي السلطة بشكل عام سينعكس بشكل كبير على الحركة التجارية والصناعية في غزة، وسيقلل من المشاكل الاجتماعية بين الناس وأصحاب المحلات.

وحسب ما ذكره الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية "فقد تسبب الحروب والحصار في إغلاق عشرات المصانع والورش التقليدية بسبب عدم توفر المواد الخام وتفضيل المنتج الصيني رخيص الثمن على المنتج المحلي عالي الجودة، وتسريح 70% من العمال في القطاع الصناعي".

أما صافي الهارب من الدائنين، فإنه يبحث عن مجال جديد ليستطيع أن يشتري منه على النوتة أو الدفتر، إلى حين حسم مسألة الرواتب.

وبينما كان يتفحص وجوه التجار لعله يجد من يسعفه، تذكر الأيام التي كان يأخذ أطفاله وزوجته إلى السوبر ماركت لانتقاء الأشياء التي يرغبون بها من شوكولاته وأجبان.

ولكن الآن أصبحت زيارة السوبر ماركت رفاهية غير متاحة ولا أنواع الأجبان والشيكولاته التي كان يشتريها موجودة، فهل تعيد المصالحة هذه الأيام، أم يعود فقط التنافس والصراع السياسي والاقتتال بين فتح وحماس الذي عرفته غزة قبل أن تحكم الأخيرة سيطرتها على القطاع عام 2007.