حقائق لافتة عن إحياء الطموحات السوفييتية.. 4 قوى شرق أوسطية تتقارب مع موسكو بينما يضعف دور أميركا

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN THE KING SALMAN
Russian President Vladimir Putin (R) and Saudi Arabia's King Salman attend a welcoming ceremony ahead of their talks in the Kremlin in Moscow, Russia October 5, 2017. Sputnik/Alexei Nikolsky/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. | Sputnik Photo Agency / Reuters

عند افتتاح اللقاء مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، ذكَّره الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأنَّ الاتحاد السوفييتي كان أول دولة تعترف بالمملكة عام 1926.

في العقود التالية، تحوَّلت السعودية لتصبح واحدة من ألدّ خصوم موسكو في المنطقة. ومع ذلك، تغيَّر الزمن، وأصبح سلمان هو أول ملكٍ سعودي يزور موسكو. وفوق ذلك، يبدو أنَّ زيارة الملك أطلقت تعاوناً سعودياً روسيّاً على نطاقٍ غير مسبوق.

وقالت صحيفة واشنطن بوست إن الزيارة جاءت بسبب السياسة المتقلبة لترامب، إلى جانب انخفاض أسعار النفط.


أشار تقرير صحيفة The National Interest الأميركية، إلى حقيقتين تلفتان الانتباه على نحوٍ خاص، الأولى: أنَّ هناك العديد من الاتهامات الغربية بأنَّ بوتين يحاول إحياء الطموحات السوفييتية الدولية. وبمقدور المرء الجدال بشأن ما إذا كانت تلك الاتهامات صحيحة أم لا، لكن من الواضح أنَّ السياسة الخارجية الروسية الحالية، في الكثير من المناطق، تذهب إلى أبعد مما أمكن للسياسة السوفييتية الذهاب إليه في أي وقت. والشرق الأوسط هو المثال الأكثر إثارةً للإعجاب بهذا الصدد.

سابقاً، وصل الاتحاد السوفييتي وإسرائيل في بعض الأحيان إلى شفير المواجهة العسكرية المباشرة. وحظيت إيران، في ظل حكم كلٍ من الشاه والثورة الإسلامية، بعلاقاتٍ معقدة مع جارها الروسي. وكانت تركيا بعيدةً عن موسكو، كيف لا وهي العضو النموذج في حلف الشمال الأطلسي (الناتو)! وكانت السعودية حريصةً على تطوير تعاونها مع الولايات المتحدة الأميركية، حتى حينما كانت المملكة المتحدة لا تزال هي القوة الغربية المسيطرة على المنطقة. اليوم، أصبح الملك سلمان آخر قادة تلك البلدان الأربعة الذين قدموا إلى روسيا لرؤية فلاديمير بوتين ومناقشة سبل تطوير التعاون الثنائي.


القوى الأربع أصبحت تتردد على موسكو


يضيف تقرير The National Interest أنَّ تلك كانت هي الزيارة الأولى التي يقوم بها أي ملكٍ سعودي إلى روسيا، في الوقت الذي يتردَّد فيه حسن روحاني، ورجب طيب أردوغان، وبالأخص بنيامين نتنياهو بانتظامٍ لرؤية فلاديمير بوتين، يجب ألا تكون مُضلِّلة: فالسعودية بإمكانها اللحاق سريعاً بالقوى الشرق أوسطية الرئيسية في تعاونها مع روسيا. والأمر الأكثر أهمية حتى -والذي يُمثّل الحقيقة الثانية الحاسِمة لفهم التقارب السعودي-الروسي الحالي- هو أنَّ الاختلافات العديدة وحتى التنافس بين البلدين لا يمنع التعاون حين يكون ذلك ممكناً.

ويغطي التوازن المُعقَّد بين كلٍ من التنافس والتعاون، العديد من القضايا. فبإمكان المرء أن يتساءل كيف يمكن لزعيمي بلدين بينهما اختلافات كثيرة للغاية أن يصبحا متفائلين وودودَين جداً مثلما هو الحال مع الرئيس بوتين والملك سلمان. فروسيا والسعودية ليستا فقط متنافستين في سوق الطاقة العالمية؛ بل وأيضاً تدعمان أطرافاً مختلفة في الحرب الأهلية الوحشية بسوريا.

العام الماضي فقط، كان يبدو أنَّ موسكو والرياض مُتَّجهتين صوب صراعٍ كامل؛ فالسعودية كانت قلقة من الدعم الروسي لبشار الأسد، وكان بدء المفاوضات بشأن السيطرة على أسعار النفط صعباً، وكان ولي العهد الأمير، محمد بن سلمان، الشخص المُفضَّل الجديد لدى الملك ووسائل الإعلام الدولية، مُتباهياً لدرجة أنَّ المملكة، القادرة على بيع ما تحتاجه من النفط لتغطية نفقاتها، لم تكن قلقةً بشأن أسعار النفط.

أمَّا هذا العام، فلا يمكن للتحوُّل الذي حدث أن يكون أكثر حدة حسب The National Interest؛ إذ أصبحت قوات الأسد المدعومة من روسيا منتصرةً، والتعاون بين روسيا ومنظمة الدول المُصدِّرة للنفط (أوبك) آخذٌ في تزايد، وزار الملك السعودي موسكو.

ومع ذلك، فإنَّ هذا التغيُّر الجذري ليس فريداً: فبعد إسقاط سلاح الجو التركي مقاتلةً روسيةً في نهاية عام 2015، تحوَّلت العلاقات التركية-الروسية مع الوقت من حالة التصعيد السريع إلى العداء.

لكن بعد عامين من ذلك، أصبح التعاون بين موسكو وأنقرة أعمق من أي وقتٍ مضى. وفي حالة العلاقات السعودية-الروسية، يبدو أنَّ الملك سلمان قد تدخَّل شخصياً لمنع التصعيد. ومثل هذا التدخُّل مفهوم: فرغم الاختلافات كافة، لا توجد قضية حيوية بالنسبة لكلا البلدين يمكن أن يكون الصراع فيها وفق معادلةٍ صفرية لا تقبل المساومة أمراً مُتصوَّراً. ومن جانبها، لم تعلن موسكو قط أنَّ السعودية تُمثِّل عدواً لها، حتى حين تجذَّرت الوهابية، وهي التفسير الديني المهيمن في السعودية، في داغستان وفي صفوف المتمردين بالشيشان.

في الأساس، يمكن للمرء التشكيك في أنَّ الرياض تشارك موسكو وجهة النظر التي ترى أنَّ تجزئة القضايا في السياسة الخارجية قد تساعد كثيراً. وأيَّاً ما كانت الاختلافات المتنوعة، يجب التوصُّل إلى تسوياتٍ واتفاقاتٍ حين يكون ذلك ممكناً. واليوم، هناك العديد من مجالات التعاون الروسي-السعودي. وقد وُقِّعت أكثر من 24 وثيقة مختلفة في أثناء زيارة الملك لموسكو تهدف إلى توفير الأساس لشراكاتٍ في مجالاتٍ مختلفة، بدءاً من استكشاف الفضاء إلى التبادلات الثقافية، ومن الاستثمارات إلى مبيعات السلاح، ومن التعاون في العلوم إلى الزراعة. وهناك مجالان يستحقان تركيزاً خاصاً.

أولاً، بدأ البلدان -وفق The National Interest- تقييم أفضل السبل للتعاون في مجال الطاقة النووية والمتجددة. ويهتم كلا المنتجَين الرائدَين للطاقة باحتياجات الطاقة الداخلية، ويمكن للخبرة الروسية في مجال الطاقة النووية أن تكون مفيدة للغاية للسعودية. وقد تكون الاستثمارات السعودية مفيدة لتطوير وتطبيق التقنيات الضرورية لسد الطلب الروسي الداخلي الكبير على الطاقة. وثانياً، أُعلِن في أعقاب الزيارة أنَّ
السعودية ستشتري أنظمة الدفاع الجوي الروسية "إس-400".

من المثير للاهتمام أنَّ الرياض تبدو وكأنَّها تتبع مسار تركيا في كلا المجالين. وبإمكان المرء الافتراض أنَّ السعودية ودول الخليج الأخرى كانت تراقب رد فعل واشنطن على الخطط التركية لشراء منظومات "إس-400". وحين أصبح واضحاً أنَّ الولايات المتحدة لن تعارض الصفقة بين موسكو وأنقرة، بعكس المحاولات السابقة من جانب تركيا لشراء منظومات دفاع جوي من الصين، حقَّقت روسيا نجاحاً مهماً للغاية في سوق الأسلحة العالمية. وإذا كان بإمكان عضوٍ بحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن يشتري منظومات "إس-400"، فلِمَ يجب على الأطراف الأخرى المهتمة أن تنتظر؟

ولاختتام تحليل زيارة العاهل السعودي إلى موسكو، من المهم تقييم الآفاق المتوسطة الأمد، وحتى الطويلة، لهذا التعاون. فإلى جانب استعداد الطرفين لاتباع السياسة المُجزَّئة المذكورة آنفاً، تقوم هذه الشراكة على مبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية بعضهما لبعض واستبعاد الأيديولوجيا، وفق The National Interest.

وفقاً لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير: "تؤمن الرياض وموسكو بمبادئ الحفاظ على سيادة الدول، والقانون الدولي، وعلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، كما أنَّ البلدين يرفضان أن تُفرَض عليهما مبادئ لا تتماشى مع مجتمعاتهما".

في ظل تطوُّر علاقات روسيا مع القوى الشرق أوسطية، يمكن للمراقبين الغربيين أن يتساءلوا حول ما إذا كانت موسكو ستتظاهر بخِلافتها للولايات المتحدة في موضع القوة المهيمنة في المنطقة. وهنا، لن تبلغ موسكو هذا الهدف الطموح؛ لأنَّها تتفهَّم بوضوحٍ مخاطر الإفراط في التوسُّع. فحين تتطور العلاقات مع القوى الإقليمية الرئيسية كافة، لا تكون ثمة حاجة لشيءٍ رنَّانٍ أكثر.

فالمملكة المتحدة كانت مهمة للغاية من أجل توفير الأمن في المنطقة كجزءٍ من إرث السياسات الاستعمارية البريطانية. وفي البداية، تحمَّلت الولايات المتحدة تلك المسؤولية عن لندن كجزءٍ من استراتيجية الحرب الباردة، ولاحقاً، أصبح اللاعبون الإقليميون ميَّالين إلى جذب الولايات المتحدة لحل مشكلاتهم على حساب دافعي الضرائب الأميركيين، وفي كثير من الأحيان على حساب المصالح الأميركية طويلة المدى. لكنَّ روسيا مختلفة.

فقد استوعبت موسكو دروس التوسُّع المُفرِط المُهلِك خلال الحرب الباردة. ولا تدع السياسة الداخلية الروسية أي مجالٍ تقريباً لجماعات الضغط الخارجية كي تدعم أي مغامراتٍ في الخارج. ولذا، لن يقود التعاون الروسي-السعودي، إلى جانب الشراكات الإقليمية الأخرى، إلى طموحٍ روسي كي تصبح موسكو "شرطي" الشرق الأوسط.