كتابِيه.. قراءة في مذكرات من داخل المطبخ السياسي المصري

تم النشر: تم التحديث:
AMR MOUSSA
RAINER JENSEN via Getty Images

"السياسة ليست لعبة النوايا الحسنة أو المبادئ السامية فحسب، إذ ليس بالضرورة أن ينتصر صاحب المبدأ، إنها أشبه بلعبة الشطرنج، يتدخل فيها عامل الذكاء والاستعداد والإلمام الجيد بقواعد اللعبة، وهي أبعد ما تكون عن لعبة النرد، حيث يتمتم اللاعب يا رب ويرمي النرد راجياً تحقيق الفوز" جاسم سلطان.

من خلال كتاب "كتابيه"، الذي صدر عن "دار الشروق" في شهر سبتمبر/أيلول 2017، يتضح لنا أن السياسة مهمة شاقة، تتطلب كثيراً من الحنكة والذكاء، وليست مجرد "نجاسة" مثلما يدعي بعضهم.

تجاوز "كتابيه" كونه مجرد مذكرات لواحد من ألمع الدبلوماسيين المصريين، فالكتاب يتطرَّق إلى سياسات مصر الخارجية، منذ حكم الملك فاروق، وحزب الوفد حتى رئاسته لـ"لجنة الخمسين" لصياغة الدستور المصري. فقد عمل "عمرو موسى" في وزارة الخارجية لما يقرب من الخمسين عاماً، منذ تخرجه في كلية الحقوق، ما أتاح له أن يكون متواجداً بالقرب من متخذي القرار في مصر، وأن يقدم لنا تصوراً جيداً للمطبخ السياسي المصري.

يتناول الكتاب الأول "الجزء الأول" من المذكرات -المقسمة لثلاثة كتب- نشأة "عمرو موسى" وترقِّيه في السلك الدبلوماسي حتى نهاية فترة تعيينه "وزيراً للخارجية المصرية".

نشأ عمرو موسى دبلوماسياً منذ الصغر، فقد أحيط ببيئة ثرية ثقافياً، وفنياً، وسياسياً، فكان يقع منزله الذي ولد به في حي منيل الروضة، وانتقل منه إلى شارع سعيد المتفرع من قصر العيني، وكان المنزل مشرفاً على حدائق مجلس الوزراء، ومن الناحية الأخرى كان يربض البرلمان المصري بقبته التاريخية الشهيرة، أي أمام المكانين اللذين يُعدان مطبخ صناعة السياسة في مصر، أو في أي بلد في العالم بشكل عام.

وقد كان لموقع منزل والده المتميز، بالإضافة لكون والده محمود أبو زيد موسى عضواً في مجلس الأمة، دور مهم في تكوين شخصية عمرو موسي وشغفه الدبلوماسي، فكان منزله قِبلة السياسيين والنواب، لذا اعتاد منذ صغره الاستماع لأحوال السياسة والاهتمام بالشأن العام. وساعد على ذلك أيضاً أن جده وبعض أخواله وأزواج خالاته وأقاربه من جهة والده ووالدته كانوا نواباً أو نواباً سابقين ونشطاء في الحياة السياسية والحزبية.



s

أُصيب والد عمرو موسى بالفالج -شلل نصفي- في بدايات الحرب العالمية الثانية، فانتقل مع أبيه ووالدته "ثريا حسين الهرميل"، للإقامة مع جده في محلة مرحوم، وعند وفاة والده في عام 1945، تولى جده رعايته تعليمياً وإلحاقه بالمدارس المناسبة، ويذكر عمرو زيارته للنحاس باشا في منزله -بصحبة جده- وزيارته أيضاً لـ"فؤاد باشا سراج الدين" في اليوم نفسه.

وفي 23 يوليو/تموز 1952 -وكان عمرو موسى وقتها طالباً- أظهر كثيراً من التعاطف مع "الضباط الأحرار"، رغم أن جده وعائلته أظهروا استياء شديداً من تلك الحركة، ويؤكد أنه لم يحمل أي ضغينة سياسية أو شخصية لعبد الناصر، فلم يتم تأميم أي جزء من أملاك أسرته، وكان عبد الناصر محط إعجابه لجرأته "و كاريزمته الطاغية".

وظل منبهراً بعبد الناصر وسياسته الخارجية -التي أعدها امتداداً لسياسة الوفد التي بدأت في عهد النحاس باشا- حتى عام 1967، والتي اعتبرها نهاية لحقبة عبد الناصر، ونقطة تدهور الأحوال المصرية، ويقول عن الهزيمة: "كانت هزيمة 25 يونيو/حزيران كاشفة عن خلل كبير في إدارة الدولة، وبداية طريق طويل انتهى بثورة 25 يناير 2011" وأيضاً: "مظاهرات "لا تتنح" كان فيها ترتيب ما، لكن الجمهور كان أيضاً رافضاً رحيل عبد الناصر".

تخرج عمرو موسي في كلية الحقوق عام 1957، بتقدير جيد، واجتاز امتحان وزارة الخارجية، وعُين في إدارة البحوث، ومنها انتقل إلى سفارة مصر بسويسرا، حيث تعلم كثيراً عن البروتوكولات والعلاقات الدبلوماسية، وعند عودته من سويسرا، مكث في مكتب الوزير أربع سنوات انصب مجهوده فيها على متابعة تفاصيل القضية الفلسطينية، وخلفيات الصراع العربي الإسرائيلي، وفي سبتمبر/أيلول عام 1968، تم تعيينه عضواً دائماً في البعثة المصرية الدائمة في الأمم المتحدة، وقد كان ذلك أحد أهم أحلامه عند التحاقه بالوزارة.

ومن خلال موقعه في وزارة الخارجية، يحكي لنا سياسات السادات، وانفراده بالقرار، وتهميشه دور الخارجية المصرية، ورغم عدم اتفاق عمرو موسى مع الكثير من قرارات السادات، إلا أنه يؤمن إيماناً تاماً بأنه لولا جسارة السادات وجرأته في الذهاب إلي إسرائيل لما تسنى لنا استرداد سيناء مرة أخرى، وظلت أجزاء كبيرة منها تحت الاحتلال إلى يومنا هذا، ويقول عن السادات وعبد الناصر: "إن الفارق بينهما هو أن عبد الناصر كان رجلاً حذراً جداً، وإن أخطأ التقدير في 1967، بينما كان السادات مغامراً، وقد أخطأ التقدير هو الآخر في موضوع تمكين الإخوان المسلمين، والخطآن كبيران جداً، أثّرا تأثيراً كبيراً في المسيرة المصرية".

في عام 1976 حصل على ترقية استثنائية، وأصبح "مديراً لإدارة الهيئات الدولية"، وانتقل لسفارة مصر بالهند، ويغطي الكتاب أيضاً، فترة توليه منصب وزير الخارجية المصرية، ودفاعه عن القضية الفلسطينية، ووضعها أولوية على أجندة وزارة الخارجية المصرية، فتغنى الشارع المصري بأغنية شعبان عبد الرحيم "أنا بحب عمرو موسى.. وبكره إسرائيل". فكان عمرو موسى يتكلم بلسان الشارع المصري في تلك الحقبة، معبراً عن طموحاته وتأييده للقضية الفلسطينية. ويتضمن الكتاب أيضاً الخلاف بينه وبين حسني مبارك وتصاعده، حتى انتهى بترشيحه لرئاسة جامعة الدول العربية، ومغادرته لرئاسة وزارة الخارجية.



s

ويحتوى الكتاب على عدد لا بأس به من القصص الطريفة والمثيرة للجدل، عن عبد الناصر وحسني مبارك وعمر سليمان وبطرس غالي وأنديرا غاندي ومادلين أولبرايت وغيرهم من الدبلوماسيين، كما أنه لا يخلو من لمحات درامية إنسانية، فوالده أصيب بالفالج عندما علم باجتياح ألمانيا لفرنسا، فقد كان له ابن من زوجة فرنسية التقى بها خلال دراسته هناك، وتوفي والده مع انتهاء الحرب ولم يدر ما حلّ بولده "علي موسى"، بعد أن انقطعت أخباره، وفي إحدى إجازات "عمرو موسى" بباريس يتمكن من العثور على أخيه، وقد تغير اسمه لـ"بيير" وأصبح أحد أهم رجال المال والبنوك في فرنسا.

كما ذكر أيضاً زواج ابنته "هانيا" من ابن أشرف مروان، ويقول إنهم لم يروا من أسرة أشرف مروان إلا كل ما هو طيب، وجدير بالذكر أنه مؤخراً صدرت النسخة العربية من كتاب "الملاك.. الجاسوس الذي أنقذ إسرائيل"، والتي جاء فيها أن أشرف مروان صهر عمرو موسى كان جاسوساً إسرائيلياً.

ولم يتوانَ "عمرو موسى" في ذكر ما قد يعيبه أو يسيء إليه، فذكر المقلب الذي دبره لأحد أساتذته الجامعيين، أو "تزويغه" من المدرسة، وشرب السجائر دون علم والدته.

وعند انتهائك من قراءة الكتاب، سوف تتأكد بشكل أو بآخر، من صدق مزاعم عمرو موسى، وخالد أبو بكر بالتزام الحياد، والدقة في تأريخ المواقف والأحداث، والاستعانة بشهادات من عاصروها وتوثيقها، مثل اقتراح "عمرو موسى" للسفير محمد إسماعيل بحتمية التفاوض المباشر مع الإسرائيليين، دون وسيط.

يبلغ سعر الكتاب 225 جنيهاً، وعدد الصفحات 654.