اعتُقلن ونُبذن وشوهت سمعتهن عندما كنَّ أول سعوديات طالبن بقيادة السيارة.. والآن هذا ما حلَّ بهن بعد قرار الملك سلمان

تم النشر: تم التحديث:
SAUDI WOMEN CAR
FAYEZ NURELDINE via Getty Images

اعتُقِلن، وأُوقِفَن عن العمل، وجرى تجنَّبهنَّ من جانب أقاربهن، وتعرَّضن للإدانة من رجال الدين، باعتبارهن نساء منفلتات يسعين لتدمير المجتمع. وما هي تهمتهن؟ أنَّهن فعلن ما اعتبره الكثيرون في المملكة العربية السعودية أمراً لا يمكن تصوره: قيادة السيارات.

وبعد أن فشل احتجاجهن ضد قرار حظر قيادة المرأة للسيارات في عام 1990، دفعت هؤلاء النساء ثمناً غالياً بسبب ذلك، وتعلَّق بهن وصمُ كونهن "سائقات" لسنوات، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ولذا، في الشهر الماضي، سبتمبر/أيلول 2017، حين أعلن الملك سلمان بن عبد العزيز أنَّ حظر قيادة المرأة للسيارات سيُرفَع في شهر يونيو/حزيران المقبل، كان هؤلاء النساء الأوليات اللاتي تظاهرن من أجل حقهن قبل نحو ثلاثة عقود يشعرن بالسعادة رغم أن كلامهن كان قليلاً.


سأموت


وقالت نورة الغانم، الجَدَّة المتقاعدة ذات الـ5 أحفاد التي أسهمت في التخطيط لذلك الاحتجاج، وتبلغ من العمر 61 عاماً: "ظننتُ أنَّني سأموتُ قبل أن أرى ذلك. الأمر الأهم هو أنَّ مملكتنا دخلت القرن الـ21 أخيراً!".

يُوضِّح رد الفعل العنيف ضد النساء الـ47 اللاتي شاركن في الاحتجاج مدى تجذُّر حظر قيادة المرأة في المجتمع السعودي المحافِظ، وهو الحظر الذي عزَّزته الدولة وأجهزتها الدينية.

لكن منذ ذلك الحين، أوجدت العولمة، والشبكات الاجتماعية، والضغط الاقتصادي، والتغيُّرات في القيادة أخيراً الظروف المواتية لإنهاء ذلك الحظر.

ويُوجِّه صانعو السيارات الآن إعلاناتهم صوب النساء السعوديات، وتعتزم إحدى جامعات البنات إقامة مدرسة لتعليم القيادة.

ولا تتعلَّق التغييرات فقط باحتمال ظهور عددٍ كبير للغاية من السائقين الجُدُد على طُرُقات المملكة السريعة.

ففي احتفاليةٍ مفتوحةٍ الشهر الماضي، رقصت حشودٌ من الرجال والنساء معاً، بينما كان مُنسِّق الموسيقى يقوم بعمله. ويُتوقَّع إنهاء حظرٍ مفروض على دور السينما كذلك قريباً.

لكن في عام 1990، حين أقدمت السيدات الـ47 على مخاطرةٍ كبيرة كهذه بمقاومتهن لحظر القيادة، كانت الظروف في المملكة مختلفة بصورةٍ ملحوظة.


لماذا بدأ الأمر عام 1990؟


في وقت الاحتجاج، كانت نورة تبلغ من العمر 34 عاماً، وحاصِلةً على الشهادة الثانوية، ومتزوجة، ولديها 4 أطفال ووظيفة في إحدى المدارس الابتدائية.

وتذكرت قائلةً: "لم يكن لدي شيءٌ مثير في حياتي".

في ذلك الوقت، كانت المرأة السعودية مُقيَّدة بشدة. فكانت الثقافة أبوية إلى حدٍّ كبير، وكان رجال الدين، بفضل تحالفهم مع العائلة المالِكة، يمتلكون سلطةً هائلة للدفاع عن المملكة ضد ما يعتبرونه تأثيراتٍ مُفسِدة.

وكان الجزء الأكبر من ذلك يعني التحكُّم في المرأة، ونظروا إلى حظر قيادة المرأة للسيارات باعتباره ضرورةً لتجنُّب الزنا وغيره من الأمراض الاجتماعية.

وفي فتوى له حُذِفَت مؤخراً من موقعٍ حكومي، كتب مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء في ذلك الوقت عبد العزيز بن باز: "قيادة المرأة من أسباب نشر الرذيلة في المجتمع، وهذا لا يخفى على أحد".

ورأت النساء اللاتي كُنَّ منزعجاتٍ من الحظر فرصةً، حين غزا رجل العراق القوي صدام حسين الكويت في عام 1990. إذ ملأ الجنود الأميركيون المملكة، وكان بينهم جندياتٌ كُنَّ يقدن المركبات العسكرية. وكانت النساء الكويتيات اللاتي نزحن بسبب الغزو يقدن السيارات أيضاً.

ولاحظت نورة أمراً ما. فقالت: "رأيتُ أنَّنا نحنُ السعوديات عاجزات".

ودعت نورة نساء أخريات إلى منزلها لمناقشة القضية، وقرَّرن لاحقاً أن يتخذن إجراءً. فأرسلن خطاباً إلى الملك سلمان، الذي كان آنذاك أميراً لمنطقة الرياض، يخبرنه فيها أنَّهن يعتزمن القيادة.

ولم يتلقين منه رداً قط على حد قولهن، ولذا، وفي يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، قرَّرن الالتقاء قرب أحد الأسواق بالرياض، وتكدَّسن داخل 14 سيارة تقودها سيداتٌ لديهن رخص قيادة أجنبية سارية، وقُدن في أرجاء المدينة.

لقد كُنَّ ناشزاتٍ اجتماعياً، ولا يحظين بدعم أي طرفٍ سياسي، ولم تندفع النساء السعوديات الأخريات للانضمام إليهن. وأتت الكثيرات منهن من أسرٍ غنية وكنَّ قد درسن في الخارج. وكان من بينهن معلِّمات، وأستاذات جامعيات، وأخصائية اجتماعية، ومُصوِّرة فوتوغرافية، وطبيبة أسنان.

وكانت معظمهن متزوجات ولديهن أطفال؛ وكانت سيدتان منهن على الأقل حوامل. وانضمت لهَّن سيدةٌ أخرى لاحقاً مع ابنتيها، وكانت إحداهن في فترة الرضاعة. وتحدَّى بعضهن أقاربهن الذكور للمجيء والانضمام، بينما حضر البعض الآخر برفقة أزواجهن وإخوتهن الداعمين الذين أوصلونهن إلى مكان اللقاء.

وانتشر الحديث عن الأمر، وأُوقِفت النساء من قِبل شرطة المرور وأفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين قَرَع بعضهم بقوة على سيارات النساء.

وتذكَّرت فوزية البكر، وهي أستاذة جامعية في مجال التعليم، أحد الرجال وهو يصيح فيها قائلاً: "أريد أن أحفر حفرة وأدفنكِ فيها". وأضافت: "كانوا يعتقدون أنَّنا سنُدمِّر هذا البلد".

واقتِيدَت النساء إلى قسم الشرطة، وأُطلِق سراحهن قرب الفجر، بعدما وقَّعن هُنَّ وأقاربهن الذكور تعهُّداتٍ بأنَّهن لن يقُدن مجدداً.


تشويه للسمعة



في الصباح التالي، سمعت أسماء العبودي، وهي أخصائية اجتماعية بإحدى المدارس وشاركت في الاحتجاج، زملاؤها يقولون إنَّ "النساء اللاتي احتججن قد حرقن ملابسهن، وارتدين لباس السباحة "البكيني"، ورقصن في الشوارع، وكلها أفعالٌ خطيرة لم تحدث". وسرعان ما انتشرت أسماء النساء، الأمر الذي أثار غضباً عاماً.

وأصدر الملك فهد مرسوماً يُوقِف أولئك اللاتي كُنَّ يعملن في وظائف حكومية، وانتقدهن الدعاة بشدة في صلوات الجمعة.

وتذكَّرت فوزية قائلةً: "في تلك المرحلة، ثار المجتمع". وقالت منيرة الناهض، التي عملت لاحقاً في مجال التنمية الدولية، إنَّ والدها توقَّف عن الصلاة في مسجده المحلي، بعدما قال الإمام إنَّ 10 رجال مارسن الجنس مع هؤلاء النساء.

وأتى مسؤولون من وزارة الداخلية إلى منزل مديحة العجروش، وهي مُصوِّرة فوتوغرافية، لمصادرة وتدمير كل أشرطة أفلام الصور السالبة، والتي كانت تُمثِّل عملها لمدة 15 سنة.

وقالت: "كانت تلك طريقةً لمعاقبتي". وتجنَّب بعض الأصدقاء والأقارب هؤلاء السيدات. وقالت مديحة: "لقد كانت بيئةً مخيفةً للغاية".


"عقدٌ من الصمت"


طمر هذا الرد القاسي من الدولة والمجتمع قضية قيادة المرأة للسيارات.

وعانت النساء اللاتي أُوقِفن من أجل العثور على عمل، واختار بعضهن الحصول على درجات علمية متقدمة.

وبعد عامين تقريباً، تدخَّلت إحدى الأميرات لدى الملك، الذي أعادهن إلى وظائفهن ودفع بعضاً من أجورهن التي خسرنها.

وانشغلت بعض النساء الـ47 بحياتهن الخاصة، في حين بحثت أخريات عن طرق لمساعدة النساء في مدارس البنات، وجامعات البنات، وفي البرامج الخاصة بالنساء والأطفال ضحايا سوء المعاملة.

ولكن ببطء، تغيَّر المجتمع. إذ ارتفعت نسبة الالتحاق بالجامعات لكلٍّ من الرجال والنساء، وفي عام 2005، أنشأ الملك عبد الله بن عبد العزيز برنامج منحة أُرسِل بموجبه مئات الآلاف من الشباب السعودي، بما في ذلك الكثير من النساء، إلى الخارج، الأمر الذي أسهم في توسيع آفاقهن.

وأدخل الملك عبد الله النساء إلى مجلس الشورى، وهو مجلسٌ استشاري، وانتشرت الشبكات الاجتماعية بين شباب المملكة، الأمر الذي أتاح لهم على الإنترنت الحرية التي كانوا يفتقدونها في الواقع.

وتسبَّب الإنترنت في تآكل احتكار رجال الدين للتفسير الديني، وأدرك الكثير من السعوديين مدى اختلاف ممارسة الإسلام في البلدان الأخرى عن بلدهم.

وسمحت الحكومة للنساء بالعمل في وظائف جديدة، الأمر الذي جعل تنقُّلهن اليومي يُمثِّل مشكلةً.

وبدأت الناشِطات الأصغر إعادة إحياء النضال من أجل السماح للمرأة بالقيادة.

ففي عام 2011، نشرت منال الشريف على الإنترنت مقطع فيديو لها وهي تقود، وتعرَّضت بعده للاحتجاز. وفي عام 2013، قادت عشرات النساء السعوديات السيارات احتجاجاً على الحظر.

وفي عام 2014، حاولت لوجين الهذلول عبور الحدود من الإمارات إلى السعودية داخل سيارتها، وسُجِنَت 73 يوماً.

وانضم عددٌ قليل من النساء اللاتي قُدن في عام 1990 إلى الاحتجاجات الجديدة، لكنَّهن احتفين بالنساء الأصغر.


"قيادة حياة"


في عام 2015، أصبح سلمان ملكاً، ومكَّن ابنه الشاب محمد بن سلمان، الذي أصبح الآن ولياً للعهد.

ووضع بن سلمان خطةً شاملة لإصلاح الاقتصاد، تتضمَّن زيادة مشاركة المرأة ضمن قوة العمل.

وتَبِعَت ذلك خطواتٌ أخرى. إذ صوَّتت النساء وترشَّحن في انتخابات المجالس البلدية عام 2015 للمرة الأولى، وفاز بعضهن. وأُبلِغت المدارس العامة بتوفير برامج تربية بدنية للبنات، الأمر الذي كان رجال الدين يجادلون سابقاً بأنَّه يهدد أنوثتهن.

ثُمَّ في وقتٍ لاحق من الشهر الماضي، سبتمبر/ أيلول 2017، كانت نورة الغانم، التي عقدت أول لقاء بخصوص حظر قيادة النساء للسيارات في عام 1990، تلعب إحدى لعب الورق حين بدأ هاتفها يفيض فجأةً بالرسائل، على حد قولها.

وصاح زوجها: "مبروك"، وأخبرها أنَّ الحظر قد رُفِع.

وتعتزم نورة الآن تعلُّم القيادة، إذ ركبت إحدى السيارات فقط إبَّان احتجاجات 1990، ولا تزال لا تستطيع القيادة حتى الآن.

وقالت: "لا بد أن أحصل على رخصة وأقود".


هل لعبت الناشطات دوراً في صدور القرار؟


قلَّلت الحكومة من أي دورٍ لعبته الناشطات النساء في دفع قرار رفع الحظر.

ولفت تقرير لموقع "رصيف 22" إلى أن من الأمور المثيرة للاستغراب عدم ظهور الناشطات على وسائل الإعلام للتعبير عن رأيهن في القرار.

وتقول بعض النساء إنَّ المسؤولين الأمنيين أبلغوهن في مكالماتٍ هاتفية بالتزام الصمت، حسب نيويورك تايمز.

إحدى الناشطات مريم (اسم مستعار) التي، عندما فتحت صفحتها على فيسبوك لتبث فيديو قصيراً يعبّر عن فرحتها، تذكّرت أن هناك أوامر -غير مكتوبة- تمنعها من التعبير عن رأيها في القرار سلباً أو إيجاباً.

قالت هذه الناشطة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، لرصيف 22، إن هناك جهات -لم تسمها- تواصلت معها قبل بضعة أسابيع وأبلغتها أن المملكة بصدد إصدار حزمة قرارات جديدة، وأنه من غير المسموح لها أن تعلق عليها عبر وسائل الإعلام، خصوصاً الأجنبية منها.

إلّا أنَّ وزارة الثقافة والإعلام نفت إجراء تلك المكالمات، وفقاً لتقرير نيويوك تايمز.


استفزاز


ويرى الكثير من السعوديين أنَّ النساء فاقمن القضية باستفزازهن للمحافِظين. ففي المملكة، كما يرون، تُمنَح الحقوق من الحاكم، وليس بالمطالبات العلنية من الشعب.

فكتب الأمير عبد الرحمن بن مساعد، وهو رجل أعمال، على تويتر: "طبيعي فرحهن بإعطائهن حقاً مشروعاً سبق وطالبن به". لكنَّه وصف فكرة أن يكون "نضال" النساء قد أثَّر في صدور القرار بأنَّه "خيالٌ واسع".

وتعتقد النساء أنَّ الحكومة لن تعترف بدورهن في صدور القرار حتى لا تُشجِّع أي ناشِطاتٍ أخريات.

لماذا لا ترغب المملكة في أن تعبّر ناشطات عن سعادتهن بالقرار لوسائل الإعلام؟.

تقول مريم لرصيف 22 إن القرار، رغم أنه في مصلحة النساء، لا يعني أن المملكة تسير في طريق التقدم، وتعتبر أن القرار قد يحمل رسائل سياسية للدول الغربية.

"لو كان الهدف من القرار إعطاء حق للنساء، فبماذا نفسر صدوره مصحوباً بتعليمات تمنع الناشطات من الحديث عنه للإعلام؟" تتساءل الناشطة.