أميَّات يتحوَّلن إلى كاتبات.. مسنَّات في الجزائر يشاركن في أضخم عملٍ لجمع المصطلحات الأمازيغية

تم النشر: تم التحديث:
AMAZYGH
هاف بوست

ولاية تيزي وزو شرق الجزائر ستشهد انطلاق مبادرة فريدة من نوعها في البلاد، بداية من 08 أكتوبر/تشرين الأول 2017 وتتعلق بتأليف كتاب يعد هو الأضخم في الجزائر بمبادرة من فرع الجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ" في المحافظة، وذلك بهدف تطوير اللغة الأمازيغية وجمع مصطلحاتها الأصلية، بعد أسبوع فقط من انطلاق موسم الدراسة لمحو الأمية في الجزائر.


مصطلحات أصيلة


لم تكن تاسعديث إيرباحن وزميلاتها في صفوف مدارس محو الأمية بمنطقة تيزي وزو، يتوقعن أن يكون لهن بصمة في أضخم عمل مؤلف لجمع المصطلحات الأمازيغية في الجزائر.

وقررت تاسعديت صاحبة الـ68 عاماً كما وضحت لهاف بوست عربي، أنها لن تبخل في المساهمة بما تعرف من مصطلحات أمازيغية ورثتها عن أجدادها، وتتحدثها بطلاقة هي وأبناؤها وأحفادها.

وتقول أيرباحن: "هذا هو العام الثاني الذي أدرس به هنا، جئت من أجل تعلم اللغة العربية ،لأساعد نفسي في أداء عباداتي في أحسن وجه، كوني لا أتقن من العربية سوى السماع والإنصات".

وتضيف "في 02 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وبعد يومين فقط من انطلاق الدراسة للموسم الجديد، زارنا رئيس فرع الجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ" واقترح علينا فكرة تأليف كتاب يهتم بمصطلحات الأمازيغية، وهو ما لم نرفضه أنا وزميلاتي، وقررنا مساعدته بكل ما أوتينا من معرفة".


منجم مهم


"كبيرات السن في منطقة الأمازيغ بالجزائر، وإن قضين سنوات في الأمية والجهل لأسباب كثيرة، أبرزها الاستعمار والأوضاع الأمنية في البلاد، إلا أنهن يعتبرن مصدراً مهماً لما لا يعرفه الكثير عن أصل المصطلحات الأمازيغية وشرحها".

بهذه العبارة بدأ حسين خليد رئيس فرع الجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ" بتيزي وزو كلامه مع هاف بوست، بعدما اعتبر الكتاب الذي سيتم تأليفه، "هو الأضخم في تاريخ الجزائر، وسيركز على كل المصطلحات الأمازيغية، التي باتت لا تستعمل سوى في قرى وأماكن معزولة في الجزائر ومن طرف كبار السن".

ويرى خليد أن مدارس محو الأمية في منطقة القبائل انطلاقاً من ولاية تيزي وزو 150 كلم شرق العاصمة، تعد منجماً مهماً لهذه المصطلحات، خاصة في المناطق الجبلية، بالتالي فالجمعية ستعتمد على مريدات هذه المدارس وتوجيهاتهن في إثراء المؤلف بالمصطلحات.


أمازيغية محاصرة


تشير الدراسات المنجزة حول اللغة الأمازيغية في الجزائر، إلى تقلص في استعمالها رغم إدراجها كمادة تدرس في المؤسسات التعليمية، وترسيمها كلغة وطنية من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ويؤكد حسين خليد "بأن اللغة الفصحى والدارجة العربية، إضافة إلى الفرنسية، باتت تحاصر الأمازيغية واستعمالاتها" حيث أصبح استعمال الأمازيغية في مختلف المناطق ممزوجاً بمصطلحات أحياناً عربية، وأحياناً أخرى فرنسية، رغم أن كل الكلمات المتداولة لها تسمية باللغة الأم الأمازيغية.

ففي منطقة القبائل الصغرى يضيف "بات الأمازيغ يستعملون كثيراً من المصطلحات العربية في حديثهم العادي كما هو الحال بمناطق شمال برج بوعريريج، سطيف، وغرب جيجل وشرق بومرداس، أما ببجاية، تيزي وزو والبوير فباتت الأمازيغية تقريباً مناصفة للفرنسية بالنسبة للمصطلحات".

لذا فاللجوء إلى كبيرات السن في هذا المشروع كما قال حسين "يمكننا من معرفة المصطلحات الأصيلة للأمازيغية، وإضافتها للمناهج التعليمية المعروفة".


لماذا النساء؟


يتساءل الكثيرون عن السبب الذي تم فيه الاعتماد على العنصر النسوي وكبيرات السن على الخصوص في إنجاز هذا المؤلف.

السبب يشرحه المسؤول عن المشروع بالقول "نعم تم الاعتماد على كبيرات السن لعدة اعتبارات، في مقدمتها عدم احتكاكهن باللغات والثقافات الأخرى، ما يجعل مصطلحاتهن الأمازيغية صافية عكس الرجال الذين يحتكون بكثير من المصطلحات الدخيلة من خلال السفر والعمل".

ويضيف في هذا الشأن "نسب الأمية المقدمة من طرف جمعية "اقرأ" الوطنية، تشير إلى أن عدد الأميات يغلب على الأميين في منطقة القبائل، ما يجعلنا مرغمين على العمل مع العنصر النسوي أكثر".

لكن ذلك يضيف "لا يسمح لنا بإقصاء الرجال من هذا الإنجاز، فالجمعية كذلك ستعتمد على بعض المسنين في إثراء مصطلحات الكتاب، لكن الاعتماد على المسنات يكون بشكل أكبر".


مباركة


باركت المحافظة السامية للأمازيغية في الجزائر هذا المشروع، واعتبرته خطوة لتعزيز اللغة والثقافة الأمازيغية، ومكسباً مهماً لابد من دعمه.

وأكد الهاشمي عصاد رئيس المحافظة السامية للأمازيغية، بأن الجزائر ومن ورائها المحافظة السامية، أصبحت تفتخر بكل المكاسب التي باتت تحظى بها الأمازيغية، من تعميم تدريسها، إلى توظيفها ميدانياً وإجراء البحوث فيها".

وقال عصاد لهاف بوست عربي "كنت حاضراً في 10 سبتمبر/أيلول 2017 بدار الثقافة مولود معمري بتيزي وزو لما كشف النقاب عن هذه الفكرة، وكنت من أكبر المباركين والداعمين لها، لأنها ببساطة تهتم بهويتنا وثقافتنا وترقي لغتنا الوطنية الأمازيغية".

وأردف "أنا على يقين بأن الكتاب سيثري اللغة الأمازيغية بمصطلحات كثيرة، فأجدادنا وجداتنا يملكون ثروة كبيرة من المصطلحات ليست مستغلة في التعليم، وأكثرها مهددة بالاندثار والنسيان".
من جهتها جمعية آزداي الثقافية بمنطقة بجاية، وعلى لسان نائب رئيسها فاتح بوحميلة باركت هذا المشروع واعتبرته مكسباً مهماً لمسيرة اللغة الأمازيغية في البلاد.
وقال فاتح لهاف بوست عربي "جمعية آزداي مستعدة لتقديم المساعدة، وسنقوم بالتواصل مع أصحاب فكرة جمع المصطلحات الأمازيغية في كتاب وإتاحته للمناهج التعليمية المعتمدة في الجزائر" .


التراث أيضاً


الفكرة باركتها المحافظة السامية للأمازيغية كونها تهتم أيضاً بالتراث، من خلال بعث الفنون وبعض الصناعات التقليدية القديمة والتي اشتهرت بها منطقة القبائل منذ آلاف السنين.
وأشار رئيس المحافظة السامية للأمازيغية إلى أنه أنه تم افتتاح خمس ورشات لهذا لمشروع ستخص اللباس التقليدي القبائلي، الهندسة المعمارية الصناعة التقليدية الحرف التقليدية، الزراعة، الشعر أو كما يسمى بالمنطقة "إشويقن".
وقال الهاشمي عصاد "هناك 10 أستاذات مهتمات بهذه المجالات، سيحرصن على البحث في هذه الفنون من خلال الاحتكاك بكبيرات السن، قبل عرضها على مكتب جمعية "اقرأ" للتعمق في دراستها وتطويرها".
وضرب مثلاً في ذلك بـ"آزطا" أو "المنسج"، وهي من الصناعات النسيجية القديمة في المنطقة، والتي من خلالها تقوم المرأة بحياكة الأغطية والافرشة باستعمالات متعددة وبفنيات مختلفة، "ستحاول هذه الدراسة كشف خباياها وتطويره" يضيف عصاد.


أمل التعميم


أسامة الطيب جعيل، رئيس جمعية تواصل بمنطقة باريكة بباتنة 450 كلم شرق العاصمة، مهتم بالتاريخ والتراث، يبارك فكرة تأليف كتاب يجمع المصطلحات الأمازيغية، لكنه ضد تركيز الفكرة على منطقة ما.

ويقول جعيل لهاف بوست عربي "الأمازيغية شاملة في الجزائر، والكل يعرف وزن الشاوية، والشنوية، والتارقية والمزابية، بالإضافة طبعاً إلى القبائلية وهي كلها تحوي ثروة لغوية كبيرة من شأنها أن تثري الأمازيغية".

ويأمل أسامة أن تحذو جمعيات "اقرأ" في كل الولايات المعنية، من أجل جمع أكبر عدد ممكن من المصطلحات الأمازيغية، وتنقيحها في كتاب يكون ذا قيمة أكبر.

وهو الأمل نفسه الذي حمله حسين خليد رئيس المكتب الولائي للجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ" الذي قال "نريد أن يكون هذا الإنجاز شاملاً لمختلف اللهجات المعروفة في الجزائر، ونتمنى أن تتحرك الجمعيات المهتمة بالتراث والثقافة الأمازيغية حتى يتحقق ذلك".