الحماس يسود السودان بعد رفع العقوبات الأميركية.. هكذا علَّقت الخرطوم على أنباء حول خضوعها لشروط معيَّنة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

"السودان يتجه صوب الانتعاش التدريجي"، هكذا صرح وزير المالية السوداني محمد عثمان الركابي بعد يوم واحد من رفع الولايات المتحدة للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها على البلاد منذ 20 عاماً مما يفتح الطريق أمام إصلاحات اقتصادية حاسمة.
الحال المضطرب الذي تعيشه شركة الطيران السودانية المصنفة ضمن أسوأ شركات الطيران حول العالم، يُلخِّص بعض نتائج فرض العقوبات الأميركية التي فرضت منذ عام 1990، بسبب اتهامها بدعم "جماعات إرهابية"، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة صحيفة The New York Times الأميركية.

تحول البلد الذي يقع على حدود منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وتسيطر عليه أغلبية عربية من السكان إلى دولة منبوذة، فقد نأت معظم الدول الغربية بنفسها عن السودان، مما جعل من الصعب على شركاتٍ مثل الخطوط الجوية السودانية أن تشتري قطع غيار جديدة، أو طائراتٍ جديدة من شركات بوينغ أو إيرباص. ووصف المدير العام للشركة ذات مرة هذه العقوبات الاقتصادية بـ"الجحيم".

ولكن مع إعلان ترامب يوم الجمعة الماضي، 6 أكتوبر/تشرين الأول نية بلاده رفع مجموعة من العقوبات عن الخرطوم، أصبح هذا الحصار بما فيه الحظر التجاري والاقتصادي على وشك الانتهاء.

إذ أعلنت حكومة ترامب، نيتها رفع مجموعةٍ من العقوبات رسمياً، بما في ذلك الحظر التجاري، قائلة بأنَّ الحكومة السودانية قد أحرزت تقدماً في عددٍ من القضايا، مثل التعاون في جهود مكافحة الإرهاب وتحقيق تقدمٍ متواضع.

وصرَّحت وزارة الخارجية الأميركية كذلك بأنَّ الحكومة السودانية توقفت عن مهاجمة المدنيين، وتحسنت في ما يتعلق بالسماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المناطق المضطربة مثل دارفور، والتي كانت مسرحاً لجرائم الإبادة الجماعية التي بدأت في عام 2003، واتُهِمَت فيها الحكومة بقتل مئات الآلاف.

وقالت واشنطن أيضاً إنَّ الحكومة خفَّفت من أنشطتها التي تعمل على زعزعة الاستقرار في منطقة جنوب السودان المجاورة، التي أصبحت دولةً مستقلة في عام 2011.

وستُرفع العقوبات، التي كانت معلقةً لفترة، بشكلٍ دائم اعتباراً من يوم الخميس المقبل، 12 أكتوبر/تشرين الأول.


توضيح سوداني


وتداول سياسيون ونشطاء على الشبكات الاجتماعية أنباء عن تعرض السودان لضغوطات أو قبوله بشروط غير معلنة، ما دفع وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، إلى نفى مساء السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2017، تعرض حكومة بلاده "لضغوطات أو قبولها بشروط غير معلنة" من نظيرتها الأميركية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وقال غندور، خلال حديثه في منتدى اقتصادي بالعاصمة الخرطوم، إن "بعض المعلقين والناشطين على وسائط التواصل الاجتماعي (لم يسمهم) أشاروا إلى قبول الحكومة السودانية بشروط غير معلنة قادت إلى رفع العقوبات عن البلاد"، وفقاً لما نشرته وكالة الأناضول التركية.

وأضاف غندور: "لم تكن هنالك أي شروط غير خطة المسارات الخمسة التي اتفق عليها الطرفان".

ومن بين هذه المسارات: تعاون الخرطوم مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، والمساهمة في تحقيق السلام بدولة جنوب السودان، التي انفصلت عن السودان عام 2011، إضافة إلى تسهيل إيصال المساعدات إلى المتضررين من النزاعات المسلحة بالسودان.

ومضى الوزير السوداني في حديثه قائلاً: "الحكومة الأميركية كانت متعاونة والتزمت بكل ما تم الاتفاق عليه"، دون تفاصيل.

وقالت الولايات المتحدة إنَّها في المقابل حصلت على التزامٍ من السودان بعدم إبرام صفقاتٍ لشراء الأسلحة مع كوريا الشمالية.

social media


على قائمة الدول الداعمة للإرهاب


وما زال السودان مُدرَجاً ضمن قائمة الولايات المتحدة للدول الداعمة للإرهاب، مما يعني أنَّه لن يتم تخفيف الديون، الأمر الذي سيشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد السوداني وفقاً للصحيفة الأميركية.

وأثار قرار إدارة ترامب ردود أفعالٍ عنيفة من قبل بعض جماعات حقوق الإنسان، التي تقول إنَّ السودان لم يقدم الكثير بعد لتحسين سجله.

واتهمت منظمة العفو الدولية قوات الحكومة السودانية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في دارفور العام الماضي، وما زالت هناك مناوشات مستمرة في المنطقة. وتُلاحِق المحكمة الجنائية الدولية الرئيس عمر حسن البشير، الذي وصل للحكم منذ 27 عاماً، لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور.

ويقول المؤيدون للقرار الأميركي إنَّ العقوبات لم تفعل شيئاً يُذكَر لتشجيع الإصلاحات، وبدلاً من ذلك دفعت السودان للتعاون مع منافسي الولايات المتحدة في التجارة مثل الصين ودول الخليج.

ويُعدُ رفع العقوبات اعترافاً من قبل الولايات المتحدة بأنَّها "لم تعد مناسبة وفعالة"، بحسب قول المحلل في مجموعة الأزمات الدولية ماغنوس تايلور.

وأضاف تايلور: "الوقت ملائم الآن لتقديم دوافع للسودان وبداية طريق العودة إلى النظام الدولي الذي استُبعِدَ منه. لقد أحرز تقدماً كافياً لصعود أول درجة من السلم، وعلينا أن نستمر في دعمه ليستمر في صعودها".

ومن المتوقع أن يصبح السودان الآن على الأقل أكثر جاذبية للمستثمر الغربي، وبالأخص الشركات المتحمسة لدخول منطقةٍ تتواجد فيها بالفعل دولٌ مثل الصين، وماليزيا، والهند.

وقال أليكس فاينز، رئيس البرنامج الإفريقي في معهد تشاتم هاوس البحثي في لندن، إنَّ رفع الحظر التجاري عن السودان "سيكون إيجابياً جداً بالنسبة للبشير".

وأضاف أليكس: "لقد طال انتظار هذه الخطوة. فهي تُظهِر كيف قام البشير بإعادة تقديم نفسه من خلال الشراكات الدولية".

وأشار وزير الخارجية السوداني إلى أن "الحكومة الأميركية تدرج السودان في قائمة وزارة خارجيتها للدول الراعية للإرهاب، وفي نفس الوقت تقر بأن السودان يعد من أفضل الدول المتعاونة في مجال مكافحة الإرهاب".

ويشمل قرار رفع العقوبات الاقتصادية في جانب منه إنهاء تجميد أصول حكومية سودانية، في وقت يعاني فيه اقتصاد السودان، منذ انفصال جنوب السودان عنه، عام 2011، حيث استحوذت الدولة الوليدة على ثلاثة أرباع حقول النفط.

ولم يتضمن القرار الأميركي رفع السودان من قائمة الدول التي تعتبرها وزارة الخارجية "راعية للإرهاب"، والذي تم إدراجه عليها في عام 1993.

ويعني بقاء السودان في هذه القائمة استمرار فرض قيود عليه، منها حظر تلقيه المساعدات الأجنبية، أو بيع السلاح إليه.

جديرٌ بالذكر أنَّ الاقتصاد السوداني غارق في الديون، فهي مدينة للخارج بنحو 51 مليار دولار، أي ما يعادل 60% من إجمالي الناتج المحلي، ويعاني كذلك من ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض معدلات الإنتاج. وتعرض الاقتصاد لضربةٍ قاصمة بعدما انقسم الجنوب الغني بالنفط.

وفرضت العقوبات قيوداً على المعاملات المالية الدولية، مما جعل من الصعب جلب التكنولوجيا والمعدات. وأُغلِقَت المئات من المصانع بسبب نقص قطع الغيار والعوائق التجارية.

وقال تايلور إنَّه منذ الإعلان عن رفع العقوبات "ساد الحماس الكثير من الطبقات الوسطى في السودان، حتى بالنسبة لأشياء مثل بناء دور السينما".

وأضاف تايلور: "لن يكون تحولاً جذرياً"، ووصف الأمر بأنَّه "خطوة أولى لعودة الأمور إلى طبيعتها.. إنَّه الآن يأخذ مكانه في العالم كدولة عادية ومسؤولة".

وسيمكن تحويل الأموال من السودانيين بالخارج بكل سهولة الآن، مما سيساهم في رفع الاستهلاك المحلي والاقتصاد بالتبعية.