بعد سنتين من تدخُّله عسكرياً.. بوتين يبدأ حملةً جديدةً من نوعٍ آخر في سوريا هذه أهدافها

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

لم تفرق الحرب الدائرة في سوريا بين بشر أو حجر، فإلى جانب آلاف الأرواح التي أزهقت خلال السنوات الأخيرة، لم يكن الحجر بمعزل عن هذه الإبادة، وكان الجامع الأموي في حلب رمزاً لهذه المأساة.

فالمكان المدرج على قائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي، والذي دمرت مئذنته وفناؤه المزخرف جراء إطلاق النار وشظايا القنابل، أصبح الآن محور اهتمام جهود روسيا لكسب التعاطف والتأييد في الشرق الأوسط، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة The Wall Street Journal الأميركية.

فبعد أن تدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا منذ عامين لأسبابٍ جيوسياسية عدة: لصرف الانتباه بعيداً عن الأزمة في أوكرانيا، وتوجيه ضربة للهيمنة الأميركية بالمنطقة، ولدعم دولة صديقة منذ أمد بعيد، ها هو اليوم يقود حملة للحفاظ على التراث، للرد على انتقادات المجتمع الدولي لروسيا بسبب دعمها للرئيس السوري بشار الأسد.


حملة من العلاقات العامة


القصة بدأت بمنتصف سبتمبر/أيلول المنصرم، عندما نقل الجيش الروسي مجموعة من الصحفيين الروس والدوليين على متن طائرتين صغيرتين إلى حلب في جزءٍ من حملة علاقات عامة تهدف للإعلان عن التقدُّمات الأخيرة التي أحرزتها الحكومة السورية المدعومة من موسكو على ساحة المعركة، وذلك وفقاً للصحيفة الأميركية.

وتروي الصحيفة اصطحاب الصحفيين الزائرين إلى إحدى المدارس، حيث كان في استقبالهم أطفال يغنون أغانٍ وطنية إلى جانب مسؤولين كالوا المديح للروس. وأُطلِع الصحفيون على ميدانٍ جديد مُزيَّن بلوحاتٍ إعلانية للأسد، كُتِب على بعضها: "أنا أؤمن بسوريا" باللغة الإنكليزية.

كانت الرسالة أكثر وضوحاً في المسجد الذي يعود للقرن الثاني عشر الميلادي. ففي الساحة المنكوبة، قال محمود عكام، مفتي حلب، إنَّ مؤسسة خاصة مقرها جمهورية الشيشان الروسية ذات الأغلبية المسلمة قد خصَّصت 14 مليون دولار أميركي لإعادة ترميم المسجد الذي يُعَد واحداً من التحف المعمارية في العالم الإسلامي.

وتُشرِف عائلة رمضان قديروف، رئيس جمهورية الشيشان الحالي وحليف بوتين، على هذه المؤسسة. وقد قاتل قديروف الحكومة الروسية فيما مضى خلال الصراع الانفصالي الوحشي بالشيشان بين عامي 1994 و1996، والآن أصبح على رأس الجهود الروسية لمكافحة المتطرفين الإسلاميين في الداخل والخارج.

ويتهم نشطاء حقوق الإنسان قديروف منذ عهدٍ بعيد بارتكاب انتهاكات جسيمة، تشمل الاحتجاز التعسفي والقتل خارج نطاق القضاء، وينكر قديروف هذه الاتهامات. وحينما سُئل عكام عن سُمعة قديروف، أَمَرَ أفراد الجيش الروسي المترجم بعدم ترجمة السؤال.

ويلعب جنود المشاة التابعون لقديروف دوراً مهماً في سوريا الآن؛ إذ نشرت روسيا وحدات من الشرطة العسكرية سُحِبَت جزئياً من الشيشان إلى حلب، التي استعادتها قوات الأسد أواخر العام الماضي. وتسيِّر هذه القوات الآن دورياتٍ في أراضي المدينة المنكوبة وتزيل الألغام والذخائر غير المنفجرة.

وترى الصحيفة الأميركية أنَّ نشر قوات شرطة عسكرية من جمهوريات القوقاز ذات الأغلبية المسلمة تعد مناورة روسية أخرى لكسب بعض التعاطف والتأييد في سوريا.

وأصبحت سوريا حقل تجارب لبعض أحدث أسلحة روسيا، بما فيها صواريخ كروز التي تُطلَق من السفن والغواصات.

social media


ما وراء هذه الحملة الجديدة


وقال جينيفييف كاساغراند، وهو محلل روسي في الشأن السوري بمعهد دراسات الحرب في واشنطن: "رسالة الجيش الروسي من هذه الخطوات هي أنَّ الحرب الأهلية السورية انتهت وأنَّ إعادة إعمار البلاد بإمكانها أن تبدأ".

وقال كاساغراند: "ورغم أنَّ الروس يشيرون إلى انتهاء الحرب، إلا أنها ستكون معركةً طويلة وصعبة، أصبح الأمر متعلقاً أكثر الآن بمعارضةٍ جهادية يقودها تنظيم القاعدة وسيكون على الروس وإيران والنظام السوري أن يخوضوا معركةً معها".

وفي ظل استمرار الحرب الدعائية، يدين المسؤولون الروس بصورة روتينية المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو مجموعة رصد معارِضة مقرها المملكة المتحدة وتعمل على تجميع بياناتٍ عن الخسائر بين صفوف المدنيين عبر شبكةٍ من المتطوعين داخل سوريا. واتهمت روسيا أيضاً منظمة الخوذ البيضاء، وهي مجموعة من المسعفين الذين يعملون في مناطق سيطرة قوات المعارضة، بوجود صلاتٍ لها بجماعات إرهابية وتزييف الأدلة على ارتكاب النظام السوري لأعمالٍ وحشية.

وكان بوتين قد وصل إلى السلطة مُتعهِّداً بعدم إظهار أي رحمة مع الإرهابيين، وهدَّد بالعثور على الانفصاليين الشيشان و"التخلص منهم في المرحاض". لكنَّ مشهد روسيا الآن وهي تُظهِر للصحفيين الأجانب في سوريا جهود ترميم المسجد وصور الجنود الروس وهم يقومون بتوزيع المساعدات الإنسانية، يعكس مرحلةً أكثر وديةً واعتدالاً للعمليات الروسية، من وجهة نظر الصحيفة الأميركية.

ولهذه الرسالة هدف محلي؛ إذ تمتلك روسيا أقلية مسلمة مهمة، تُقدِّرها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) بنحو 10-15% من تعداد السكان بالبلاد، ولطالما أشار بوتين إلى التنوع الديني في روسيا. أمَّا في سوريا، فيبدو أنَّ إبراز روسيا لجهود الحفاظ على التراث يهدف إلى إظهار الاختلاف عن النهج الوحشي الذي يتبعه داعش في التعامل مع المواقع الأثرية.

وكانت تلك الجولة الإعلامية الأخيرة التي نظَّمتها روسيا في سوريا ترتكز بشكلٍ كبير على الآثار أيضاً. فبالإضافة إلى الجامع الأموي، زار الصحفيون كذلك قلعة حلب، وهي قلعة تعود إلى القرون الوسطى تلوح في أفق المدينة، وقلعة الحصن، وهي قلعة صليبية في محافظة حمص.

وقال فيودور لوكيانوف، وهو خبير روسي في السياسة الخارجية، إنَّ فعالياتٍ مثل الحفل الموسيقي بتدمر كانت تهدف إلى التأكيد على مساهمة روسيا في الدفاع عن العالم، وليس عن نفسها فقط.
وقال لوكيانوف: "يريد بوتين بوضوح أن يُنظَر إليه كراعٍ للحضارة، وكشخصٍ يمكنه إحياؤها".