ماذا ستفعل روسيا لو اندلعت حربٌ مدمرة بين إسرائيل وحزب الله؟ ستراوغ مع الجميع لتضمن مصالحها، لكن بحالة واحدة ستقلق

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN ISRAEL
POOL New / Reuters

في الوقت الذي يحقق فيه نظام بشار الأسد وحلفاؤه في سوريا تقدماً في المعارك، ويسيطرون على مساحات جديدة في البلاد، بدأ المخططون الإسرائيليون التركيز من جديد على احتمالات قيام حرب أخرى مع حزب الله، الميليشيا الشيعية وأحد أبرز حلفاء الأسد، بحسب ما ذكرته مجلة "فورين أفيرز" الجمعة 6 أكتوبر/تشرين الأول 2017.

ومنذ انتهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، زاد حزب الله بشكل كبير من حجم وتعقيد ترسانته وحسن أوضاعه السياسية في الداخل اللبناني، في حين أجرى الجيش الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول تدريباً عسكرياً واسع النطاق يحاكي حرباً مع حزب الله، واعتبرت تلك المناورات الأضخم من نوعها منذ قرابة 20 عاماً، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وتشير المجلة الأميركية إلى أن حرباً جديدة بين الطرفين قد تندلع لعدة أسباب، منها إذا أدى سوء الفهم من أحد الجانبين إلى تصعيد غير متعمد؛ أو إذا قرر أحد الطرفين استغلال لحظة ضعف عند الآخر للهجوم؛ أو إذا تجاوز سلوك أحد الطرفين الخطوط الحمراء لدى الآخر.

الاستراتيجيون الإسرائيليون لا يشككون في احتمالات قيام حرب مع حزب الله. لكنهم يتساءلون كيف سترد روسيا وهي رفيقة سلاح لإيران وحزب الله في سوريا على مثل هذا الصراع.

وتقول المجلة الأميركية أنه إذا اندلع قتال بين الطرفين على غير هوى المصالح الروسية، ستكون موسكو في وضع يمكنها من تقييد حرية الفعل لكلا الطرفين ومحاولة تسوية النزاع. وسيستغل الكرملين في الغالب مثل هذه الحرب لتعزيز وضعه ونفوذه على مستوى الشرق الأوسط بشكل عام.


مصالح متضاربة


وفي حين بدأ الموقف في سوريا بالاستقرار، زادت حدة المنافسة بين روسيا وإيران لكسب النفوذ في الداخل السوري.

فبالنسبة للكرملين يريد الاحتفاظ بأصوله في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، حتى لو استبدل الأسد أو تحولت البلاد إلى فيدرالية. في حين تحاول إيران على نفس المنوال تعزيز قوتها في دمشق بشروطها.

وكلا الطرفان يسعيان لموطئ قدم عسكري دائم في سوريا وتأثيرٍ جيوسياسي في المنطقة، لكن المناطق التي يسيطر عليها الأسد لا يمكنها تحمل راعيين مختلفين.

وتتحول طموحات إيران شيئاً فشيئاً إلى مشكلة بالنسبة لروسيا. وبحسب مجلة "فورين أفيرز" يريد الكرملين وضع حد لطموح إيران في السيادة على المنطقة لكن دون الإضرار بعلاقاتها مع الدولة التي تعد حليفها الإقليمي الأهم. وتفضل موسكو أن لا يكون وجود حزب الله وإيران في سوريا قوياً جداً أو ضعيفاً جداً.

وقرار إسرائيل باستعمال القوة قد يخدم هذا الهدف. إذا اندلع صراع بين إسرائيل وحزب الله ستسمح موسكو في الغالب باستنزاف حزب الله وإيران حتى يضعف موقفهما في المنطقة.

لكنها في ذات الوقت ستسعى لمنع إسرائيل من تحقيق نصر كامل لأنها مازالت في حاجة لحزب الله كفاعل استراتيجي في المنطقة، ولأن فعل ذلك سيبين لإسرائيل حدود قوتها.

وستتمكن روسيا عن طريق تسوية النزاع واستعادة الوضع القائم قبله من تبيان أن أوراقها تفوق الولايات المتحدة قوة في الشرق الأوسط.


خيارات موسكو


وتشير "فورين أفيرز" إلى أن أفضل السيناريوهات بالنسبة للكرملين هي حرب قصيرة محصورة في لبنان ينطفئ أوارها سريعاً، بينما يدعي كلا الطرفين حزب الله وإسرائيل النصر فيها بعد أن يتجه كلاهما إلى موسكو كوسيط لإنهاء القتال.

أما أسوأ الاحتمالات الممكنة هو تفكيك لبنان ليصبح بمثابة صندوق باندورا من الجهاديين مثل عراق ما بعد صدام وتمدد القتال إلى سوريا ومرتفعات الجولان والذي سيهدد منجزات موسكو في تسوية الأوضاع في سوريا وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة برمتها.

كذلك لن يكون أي من احتماليّ النصر الكامل لحزب الله أو القضاء عليه كلياً في صالح موسكو. فالاحتمال الأول سيقوي المجموعة وسيدفعها إلى درجة الاستخفاف بموسكو وتجاهلها، أما الاحتمال الثاني سيجعل من موسكو حليفاً لا يعتمد عليه.

وفي كل الاحتمالات ستحاول موسكو تجميد الصراع وهو إجراء مارسته في مناطق الاتحاد السوفيتي السابقة مثل أبخازيا، دونباس، ناغورنو-كاراباخ، أوسيتيا، وترانسنيستريا.

ويعني هذا الإجراء الإبقاء على سخونة الموقف بما يسمح لموسكو بالتوسط والتدخل ولكن ليس بالسخونة التي يتحول فيها الموقف إلى حرب طويلة الأمد.

وترى موسكو أن الحفاظ على درجة معينة من الاستقرار المأزوم أو المشحون سيزيد من اعتماد جميع الأطراف على روسيا والحفاظ على مصداقيتها لدى الجميع.


أقصى درجات الخطر


ولو قامت حرب بين إسرائيل وحزب الله فإن ما يميزها نظريات جديدة في النصر تبناها الطرفان منذ آخر حرب بينهما.

وتقول المجلة الأميركية أن حزب الله لن يكتفي برشقات الصواريخ ضد المدنيين الإسرائيليين كما فعل في السابق، بل سيسعى للإضرار بآلة الحرب الإسرائيلية، مستفيداً بذلك من التحسينات التي أدخلها على دقة ومدى صواريخه وكذلك أعداد مقاتليه بشن هجمات على أهداف عملياتية مهمة مثل قواعد القوات الجوية الإسرائيلية ومعدات الاستطلاع ورصد المعلومات أو حتى تجمعات القوات الإسرائيلية.

ويتوقع المخططون الإسرائيليون كذلك تنفيذ عدد صغير من قوات النخبة في حزب الله مناورات معقدة في الداخل الإسرائيلي واحتمال استيلائهم على بعض المستوطنات الحدودية.

ومن المستبعد أن تنفذ إسرائيل من جانبها عملية ردع أخرى -وهو الخيار التقليدي الذي اتبعته خلال حروبها في العشر سنوات الأخيرة- وهي العملية التي تسعى من خلالها لإحداث ضرر محدود بخصومها لإحباط الجولات المستقبلية من الصراع.

وستسعى بدلاً من ذلك لاتباع استراتيجية يسميها المخططون الإسرائيليون بقرارات "ساحة المعركة"، أو النصر العسكري الكامل على الأرض مصحوباً بصور الانتصار. لن تسعى إسرائيل للقضاء على حزب الله تماماً لكنها ستقترب من ذلك كثيراً على الأرجح.


السيناريو المقلق لروسيا


أكثر السيناريوهات إثارة للقلق بالنسبة لموسكو هو إذا قررت إسرائيل الإضرار بحزب الله أكثر مما يريد الكرملين ثم تستمر في مطاردة المجموعة لتحقيق نصر كامل.

وتحلل المجلة الأميركية ذلك بأن دفع حزب الله إلى حافة الهاوية سيضعف إيران راعية حزب الله وحليفة روسيا الأبرز في المنطقة وقد تضغط روسيا على إسرائيل للتراجع. لكن حماسة حزب الله المحتملة للتصعيد قد تكون بنفس القدر من الإزعاج بالنسبة لموسكو. فقد تستجلب هذه الحماسة الرد الإسرائيلي في سوريا وإيران مما يزيد من اشتعال الأوضاع في الشرق الأوسط دون تحقيق أي فوائد بالنسبة لموسكو.

والمعادلة التي توازن بها روسيا علاقتها مع حلفائها في سوريا من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية، تقوم على أنه كلما احتاجت موسكو لحزب الله أكثر لقتال بقايا القوات المعارضة للأسد وفرت له حماية ضد الهجمات الإسرائيلية. في المقابل كلما أصبح النظام الموالي للكرملين في سوريا أكثر أماناً وزاد موقف موسكو استقراراً زادت مساحة المناورة بالنسبة لإسرائيل.


ماذا لو فشلت موسكو بالتوسط لحل الصراع؟


ستحاول موسكو في هذه الحالة إجبار كلا الطرفين على إنهاء الصراع بنفسيهما. مدفوعة برغبتها في تحقيق أعظم المكاسب بأقل الخسائر.

وقد تحاول موسكو شن هجمات إلكترونية محدودة ضد أهداف مدنية في إسرائيل مثل الموانئ ومصافي النفط. ومثل هذا الهجوم قد يبدو أقل تصعيداً وأسهل في التنفيذ من الهجوم على منشآت عسكرية وقد تنسبها روسيا إلى إيران أو حزب الله للاستفادة من سياسة الإنكار وتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل.

وسيكون بإمكان روسيا حينها إرسال رسائل مفادها إذا لم تتراجع إسرائيل عن هجومها على حزب الله ستضغط زراً أحمر آخر، ثغرات رقمية مزروعة مسبقاً في المنشآت الإسرائيلية الحساسة لاستغلالها وقت الحاجة. وأخيراً بإمكانها أن تهدد تماسك الجبهة الداخلية في إسرائيل عن طريق بث المعلومات المغلوطة وكشف أسرار حقيقية تشعل فتيل فضيحة عامة.

في هذه الأثناء على أرض المعركة قد تحاول روسيا إيهام المخططين الإسرائيليين بأن شخصيات عسكرية روسية تتمركز بالقرب من حزب الله إلى درجة أن هجمة جوية قد تهدد كليهما.

وإذا لم تنجح هذه المناورة قد تهدد موسكو بإنشاء مناطق عازلة لمنع القوات الإسرائيلية من مهاجمة أهداف تابعة لحزب الله في لبنان وسوريا.

وفي المرحلة التالية من التصعيد قد تلجأ روسيا لتخريب دقة الهجمات الإسرائيلية أو التشويش على طائراتها دون طيار أو إسقاطها. وإذا استمرت إسرائيل في عدم الاستجابة، سيكون بإمكان موسكو أن تشن هجموماً رقمياً لتخريب القبة الحديدية الإسرائيلية أو اختراق نظام الإنذار الجوي أو نظام الإنذار المبكر، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي جنباً إلى جنب مع حملة معلومات تكشف عن ضعف الحماية المدنية الإسرائيلية بهدف بث الذعر في الشارع الإسرائيلي.

لكن من المرجح أن تكون روسيا أكثر براغماتية - بحسب فورين أفيرز- إذ ستسعى على الأرجح للضغط على حزب الله أيضاً ليس فقط عبر إيران وسوريا بل مباشرة، لا سيما أنه بعد عامين من القتال جنباً إلى جنب في سوريا أصبحت موسكو على دراية كبيرة بقيادة الحزب ونظم السيطرة والاتصالات والتكنولوجيا التي تدعمه.

قد تحاول روسيا عرقلة هذه النظم إلكترونياً إذا تمادى الحزب في هجماته الصاروخية إلى أبعد مما يجب. هنا أيضاً قد تخفي آثارها الرقمية لتتجنب المسؤولية. في نفس الوقت قد تحاول روسيا إقناع حزب الله مباشرة بافتراض أن الحزب الذي أنهكته الحرب في سوريا سيكون أكثر استجابة للمطالب.

ومن المشكوك فيه أنَّ روسيا قد تطلق النار على طائرةٍ إسرائيلية، خصوصاً أنَّ الإسرائيليين قد قاموا بزياراتٍ متعددة لموسكو لضمان استمرار قواتهم الجوية في تنفيذ ضربات ضد عملاء إيران وحزب الله عند الضرورة، بحسب ما ذكره تحليل لمجلة "نيوزويك".

وكلما طالت المدة المطلوبة لتستكمل إيران وحزب الله بنية التهريب التحتية الخاصة بهما، زاد احتمال التهريب الناجح "لأسلحة تُغيِّر من المعادلة". يمتلك حزب الله بالفعل عشرات الآلاف من الصواريخ، ولكنَّ النقل الآمن لأسلحةٍ أكثر تطوراً سوف يكون خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل، ما سوف يحضُّ على تنفيذ ضربة استباقية قبل نشر هذه الأسلحة.

وحسب تقرير لصحيفة النهار اللبنانية، القاعدة التي يتناولها المراقبون مؤداها أن لدى إسرائيل الفرصة الكبرى في الوقت الحالي لاستهداف حزب الله، وإلا فإنّ قوته ستزداد مع استمرار المعركة السورية، ولا تنفك الصحف الإسرائيلية تتناول يومياً قوة الحزب الصاروخية وهاجس الأمن الإسرائيلي من حصول الحزب على منظومات صاروخية من شأنها تغيير التوازن لمصلحته بشكل كبير، ويتزامن ذلك مع تصريحات إسرائيلية عالية النبرة.

في المقابل، يلجأ الحزب إلى الحرب النفسية بخطابات عالية على لسان الأمين العام السيد حسن نصرالله، بلغت حدَّ تهديد مفاعل ديمونا، فضلاً عن النشاط الحدودي الأخير وزيارة الإعلاميين للحدود لتحطيم المعنويات الإسرائيلية القائمة على تحصينات حدودية من شأنها عرقلة أي هجوم للحزب.

وحذَّرَ الإسرائيليون مراراً وتكراراً، من أنَّ الحرب المقبلة لو قامت مع حزب الله فلن تسعى إسرائيل فيها لأقل من الهزيمة الكاملة للحزب وطرده من لبنان.