موقع بريطاني: 6 سنوات على ثورة تونس ولم تشهد تحولاً ديمقراطياً حقيقياً.. تعرف على فرصتهم الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:
DEMONSTRATIONS IN TUNISIA
A demonstrator shout slogans during a demonstration against a bill that would protect those accused of corruption from prosecution in front of Assembly of the Representatives of the People headquarters in Tunis, Tunisia September 13, 2017. The sign reads: "No. We will not forgive." REUTERS/Zoubeir Souissi | Zoubeir Souissi / Reuters

كالمعتاد في تغطيتها للعالم العربي ركزت وسائل الإعلام الدولية على قضايا الإسلام في تونس مثل حظر زواج المرأة من غير المسلم متجاهلة القضايا ذات التأثير الأكبر في تشكيل حياة الناس اليومية، خاصة ذلك القرار الذي يهدد الاستقرار الديمقراطي برمته في أولى بلدان الربيع العربي.

الأسبوع الماضي، تم تأجيل الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في 17 ديسمبر/كانون الأول للمرة الرابعة على التوالي، والتي كان من المقرر أصلاً إجراؤها في مارس/آذار لعام 2016.

بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تُشكل هذه الانتخابات ركيزة أساسية من مراحل التحول الديمقراطي. حيث كان من المقرر إطلاق عملية تحرير لمركزية السلطة بعيدة المدى من شأنها أن تمهد الطريق للديمقراطية على المستوى المحلي.
وعلى الرغم من النجاح في عقد ثلاثة انتخابات وطنية حرة ونزيهة منذ الثورة في 2010-2011، إلا أن تونس لم تنتخب بعد أياً من مؤسساتها المحلية.

لامركزية في السلطة

لا يزال رئيس الوزراء يقوم بتعيين مسؤولي الأقاليم ورؤساء المجالس المحلية والبلديات، كما كان الوضع في ظل النظام السابق. وقد سمح ذلك ببقاء الهياكل المحلية للنظام السابق المتهمة بالفساد دون المساس بها، مع توفير مصدر هام للمحاباة والمحسوبية للأحزاب السياسية الموجودة في السلطة.

وبينما يجري بناء الديمقراطية تدريجياً على المستوى الوطني عن طريق تقسيم السلطة أفقياً بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، فقد تم تركيز السلطة بقوة في العاصمة.

ولا تزال تونس واحدة من أكثر البلدان مركزية في العالم، من حيث توزيع السلطات بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية.

وبحسب الموقع البريطاني يسيطر العاصمة التونسية على 96% من الإنفاق العام بينما تسيطر الحكومات المحلية على 4% فقط مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 15% إلى 35%.
ويُظهر التأجيل الأخير للانتخابات المحلية أن معظم الأطراف السياسية الفاعلة ليس لديها مصلحة في تغيير هذا الوضع.

ومن المفهوم أن اللامركزية في السلطة لا تروق للعديد من أصحاب السلطة الحاليين. إن الذين يعارضون الانتخابات المحلية يعرفون أنه بمجرد إجراء تلك الانتخابات فلن يستطيع أحدٌ كائناً من كان من إيقاف قطار الديمقراطية في ذلك البلد الصغير.

وبمجرد توسيع الآليات الديمقراطية إلى المستوى المحلي، سيكون من المستحيل تقريباً العودة إلى عهد حكم الرجل الواحد وعهد اتخاذ القرارات المركزية.

ومن ناحية أخرى، فإن أبطال اللامركزية المؤثرين قليلون ومتباعدون، مما يعني عدم وجود ضغط كبير يضمن إجراء الإصلاحات الضرورية للتخلص من مركزية السلطة.

ونتيجة لذلك، يبقى التونسيون تحت حكم مجالس محلية غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة، بالإضافة على عدم وجود تحسينات حقيقية على المستوى المحلي.

وكان من المقرر أن يتغير هذا في ظل الدستور التونسي الجديد الذي اُعتمد في عام 2014. وصاغه البرلمان المنتخب في عام 2011 في أعقاب الحماس الثوري واكتظاظ الساحة السياسية بالعديد من المعارضين السياسيين للنظام السابق، فجاء الدستور مُعلياً صوت الثورة ورافعاً مطالبها الأساسية من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

الدستور واللامركزية

وعلى وجه الخصوص، يذهب الدستور إلى أبعد من ذلك في إضفاء الطابع اللامركزي على السلطة على المستوى المحلي من أي دستور آخر في العالم العربي الذي لا يزال أكثر المناطق مركزية في العالم.

كان الهدف من منح الاستقلال اللازم والسلطات الواسعة للمجالس المحلية والإقليمية المنتخبة هو إضفاء الطابع الديمقراطي الحقيقي على الحكم وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها الخاصة.

وتظهر الحاجة إلى اللامركزية في منبع ومسقط رأس الربيع العربي أكثر من أي مكان آخر، فعلى سبيل المثال تم إهمال منطقة سيدي بوزيد الريفية والغنية بالموارد من قبل الدولة المركزية لفترات طويلة.

وفي عهد بن علي، في الوقت الذي احتفل فيه التونسيون بتحقيق معجزة إقتصادية حسب لما وصفته المؤسسات المالية الدولية، كان معدل الفقر النسبي قد ارتفع في المناطق الريفية من 30.3% في عام 1990 إلى 49.3% في عام 2000 في مدينة القصرين ومن 39.8% إلى 45.7% في منطقة سيدي بوزيد خلال نفس الفترة.

وكان هذا نتيجة لسياسات طويلة الأمد من التمييز المنهجي ضد المناطق الداخلية. إذ خصصت الميزانية الأخيرة للرئيس السابق، بن علي، في الفترة ما بين 2010-2011 نسبة 18% فقط من الاستثمارات العامة للمناطق الداخلية الفقيرة مقارنة بنسبة 82% للمناطق الساحلية الأفضل حالاً بالفعل.

التحيزات الصادمة

ويرى الموقع أن السياسات الاقتصادية والتنموية التي تنتج هذه التفاوتات المروعة لن تتغير ما دامت عملية صنع القرار لا تزال مُحتكرة بتحالف سياسي بين حكام تونس ونخبتها في المناطق الساحلية.

اليوم، 92٪ من جميع الصناعات تقع بالقرب من المدن الثلاث الكبرى في تونس، وكلها تقع على الساحل، وهي تونس وصفاقس وسوسة.

وفي الوقت نفسه، تعاني المناطق الداخلية من نقص شديد في البنية التحتية - حيث يتم تزويد 99.9% من المنازل في العاصمة تونس بمياه الشرب مقابل 50% فقط في منطقة سيدي بوزيد. وقد أصبحت تقارير المرضى الذين يموتون في المناطق الريفية بسبب عدم التمكن من الوصول إلى أي مستشفى قريب، أمراً روتينياً بحيث لم تعد تجتذب اهتمام وسائل الإعلام.

تحتاج إلى هزة

بعد ست سنوات من الثورة، من الواضح أن السلطة في تونس لاتزال بحاجة إلى هزة كبيرة. إن الاقتصاد المتعثر واستمرارية التحيزات الإقليمية يهددان التحول الديمقراطي، في حين تتقدم الإصلاحات ببطء شديد.

وأصبحت الطبقة السياسية المنقسمة والبيروقراطية المركزية، التي من المفترض أن تسمح بالإصلاحات، هي العقبات الرئيسية أمام التغيير. ولكن لا تزال الانتخابات المحلية هي الأمل الوحيد في تحقيق تغيير فعلي.

وهذا ما أكده تقرير بحثي أُجري مؤخراً عن المعهد الديمقراطي الوطني والذي أظهر أنه في حين يشعر العديد من التونسيين بأن العديد من مطالب الثورة ما زالت لم تتحقق، إلا أن هناك أملاً واسع الانتشار بأن تمكين اللامركزية في السلطة سيعمق أسساً ديمقراطية قوية ويُعزز التنمية الإقليمية ويقلل من التفاوتات والتحيزات الإقليمية.

ومن خلال جلب أكثر من 7000 شخص كأعضاء جدد للمجالس المحلية، فيمكن لتلك الانتخابات أن تغير قواعد اللعبة بشكل كامل، مما يخلق أيضاً مساحات جديدة للتنافس والابتكار والإصلاح.

وتُظهر مبادرات مثل مبادرة "مُجمع واحة جُمنا" الإمكانات الهائلة للحلول المحلية الجديدة التي يمكنها توليد فرص عمل جديدة وتعزيز التنمية في تلك المناطق التي تكون فيها الدولة المركزية إما غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك بنفسها.

ويرى الموقع البريطاني أن كل هذا يتوقف على النخبة السياسية في تونس وما إذا كانت قادرة على تجاوز نزاعاتها الداخلية وإدراك حجم التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد وقدرتها على تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي.

إن اللعبة التي تقوم بها بعض النخب للاستمرار إلى أجل غير مسمى في إبطال الانتخابات المحلية وإصلاح اللامركزية أمر خطير يهدد بتعميق الإحباط والاضطرابات الاجتماعية ويزيد من تفاقم الفجوة بين الدولة والمناطق المهمشة.

وفي الوقت نفسه، يستمر أولئك الذين يرغبون في رؤية التحول الديمقراطي الوحيد في العالم العربي ينجح في الأمل، كطائر الفينيق الأسطوري يرتفع محلقاً من النار. أخيراً ربما يجب التفاؤل بأن التحول الديمقراطي في تونس سيبقى على قيد الحياة رغم ضعفه وسيتغلب على هذه النكسة الأخيرة.