هل سيغامر ترامب بإلغاء الاتفاق النووي وإعادة 10 أطنان من اليورانيوم المخصَّب لطهران؟ نيويورك تايمز تشكُّ بذلك

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
| Pool via Getty Images

استوقفت جملة قالها دونالد ترامب الصحافيين في الاجتماع الموسع الذي شهده البيت الأبيض، لكبار القادة الأميركيين مع الرئيس الأميركي، أضفت الكثير من الغموض حول الخطوة التالية التي سيخطوها تجاه إيران وكوريا الشمالية.

وفيما كان الرجل واقفاً إلى جانب السيدة الأولى ميلانيا من أجل التقاط الصور مع الضيوف زوجات القادة العسكريين قبل مأدبة العشاء، قال ترامب: هذه لحظة الهدوء الذي يسبق العاصفة.

وعندما حاول أحد الصحافيين سؤاله عن أي عاصفة يتحدث، كان جواب ترمب زاد الغموض بقوله: "أي عاصفة؟ ستكتشفون"!

وفي 15 من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، سيقرر ترامب رسمياً ما إذا كان سيسحب ثقته من اتفاق إيران النووي، أو سيصادق عليه. وحتى يحين ذاك الموعد، ثمة توقعات بأن يصم ترامب آذانه عن كبار مستشاريه للأمن القومي ويرفض المصادقة على الاتفاق حسب مصادر مطلعة، في قرار قد يثير من جديد جدلاً سياسياً متأرجحاً حول إيران، بيد أن نيويورك تايمز الأميركية استبعدت الأمر وقالت إنه سيدع الاتفاق التاريخي الذي أبرمته إدارة أوباما وشأنه دون مساس به.

فكيف ذلك؟

تقول الصحيفة إنه حتى إذا فعلها ترامب ورفض التصديق على حسن سلوك إيران والتزامها بجانبها من الاتفاق، فسيعني ذلك أن الكرة ستكون في ملعب الكونغرس ليقرر هل يفرض من جديد عقوبات اقتصادية تأديبية أم لا؛ والكونغرس ليس لديه شهية مفتوحة حتى في أوساط الجمهوريين أنفسهم، لفرض عقوبات من جديدة، على الأقل في الوقت الراهن.

لكن حركته هذه إن تمت، حسب التوقعات، فستخوله مخاطبة َمؤيديه والقولَ أمامهم أنه وفى بوعده وأبطل الاتفاقية، مع أن في ذلك تسليماً ورضوخاً للواقع القائل أن الولايات المتحدة تغامر بالانعزال على نفسها وعن حلفائها إن هي تنكّرت لاتفاقٍ تبدو إيران ملتزمة به.

ويذكر أن ترامب سخر مراراً وتكراراً من هذه الاتفاقية أثناء حملته الانتخابية عام 2016 وتعهد بنكثها وتمزيقها.

الاستراتيجية المرتقبة: ملاحقة إيران على جبهات مختلفة

من جهتهم، حذّر مسؤولون في البيت الأبيض من أن الرئيس لم يقرر بعد رسمياً أن "يسحب ثقته ومصادقته" من الاتفاق، وإنما أمامه حتى 15 أكتوبر/تشرين الأول ليتخذ قراره، لكن لم يكتم ترامب نواياه، بل عبّر عنها علناً مؤخراً وسط محفل الأمم المتحدة قبل أسبوعين حينما جاهر بالقول أن الاتفاق "مخجلٌ للولايات المتحدة".

وعند انتهاء المهلة الممنوحة للرئيس حتى الـ15 من أكتوبر/تشرين الأول سيقدم ترامب قراره بشأن الاتفاق ضمن استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى ملاحقة إيران للنيل من برنامج صواريخها البالستية ومعاقبتها على أفعالها المقلقة لاستقرار الشرق الأوسط. وقال مسؤولو الإدارة إن ترامب كان قد وقع على الاستراتيجية الكلية وأنه يأمل أن يقدمها قبل انتهاء المهلة المحددة.

وستكون الاستراتيجية الجديدة جهداً تبذله إدارة ترامب لجعل الاتفاق النووي مجرد جزء من مقاربة متعددة النواحي والأبعاد تهدف إلى الضغط على إيران على عدة جبهات وأصعدة منها برنامجها الصاروخي ودعمها للمجموعات المسلحة كحزب الله فضلاً عن تدخلها في الحرب السورية إلى جانب حكومة الأسد.

مع ذلك ما زال من المنتظر أن تفصح الإدارة بشكل أوضح عن هذه الاستراتيجية الأوسع، وبالتالي سيظل الاتفاق النووي نقطة الارتكاز في العلاقة بإيران من جهة، وملعبا سياسياً لكرة القدم في واشنطن.

سيكون على الكونغرس أن يقرر هل يود إعادة فرض العقوبات من جديد (ما سيقوض الاتفاق ويهدمه) أم هل يلوح بهذا الاحتمال في وجه إيران لإجبارها (وبقية أطراف الاتفاق) على العودة إلى طاولة المفاوضات لإجراء تغييرات في الاتفاق.

التلويح هو السيناريو الأوفر حظاً

التلويح بوجه إيران هو الخيار الذي يفضله السيناتور توم كوتون الجمهوري عن ولاية أركنسا والذي يتزعم فريق السياسة المتشددة حيال إيران وينسق عن قرب مع البيت الأبيض لصياغة وصنع استراتيجيته، والخميس 5 أكتوبر/تشرين الأول التقى كوتون بالرئيس ترامب لمناقشة موضوع إيران وسط مواضيع وقضايا أخرى.

ويوم الثلاثاء 3 أكتوبر/تشرين الأول قال كوتون في خطاب له أمام مجلس العلاقات الخارجية الأميركي "على الكونغرس والرئيس التعاون سوياً لتوضيح ورسم معالم التغييرات التي ينبغي أن تطرأ على الاتفاق، أما إن لم تتغير الاتفاقية، فعليهما بيان وتحديد التبعات والعواقب التي ستواجهها إيران." مضيفاً أن إعادة فرض العقوبات من جديد سيكون بمثابة "خطوة إلى الوراء."

وقال كوتون أنه على الولايات المتحدة وحلفاءها المطالبة بـ3 تغييرات في الاتفاقية هي التخلص من "فقرات انقضاء الأجل" التي ينقضي بموجبها تدريجياً سريان مفعول القيود على أنشطة إيران النووية خلال أقل من 14 عاماً؛ تعزيز التفتيش الدولي لمرافق إيران النووية؛ وكبح برامج البلاد للصواريخ البالستية وصواريخ كروز.

الديمقراطيون كيف ينظرون للأمر؟

أما الديمقراطيون فيرون أنه على ترامب المصادقة على الاتفاق، محذرين من أن مغامرة الولايات المتحدة بمستقبل الاتفاق لن تعزز من قدرة الإدارة الأميركية على الضغط على إيران حينما لا تروقها أنشطة إيرانية أخرى، بل ستضعف قوة الإدارة فلا يسعها ممارسة هذا الضغط إن لزم.

ما مصير الدول الأخرى الموقعة على الاتفاقية؟

وأما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بقية الأطراف الموقعة على الاتفاق، فهي جميعها تتابع عن كثب مداولات ترامب للبت بقراره لكن بمزيد من القلق، ففي هذا الأسبوع التقى دبلوماسيون من الدول الثلاث ومن الاتحاد الأوروبي مع عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي بغية تحذيرهم من أن أوروبا لن تحذو حذو أميركا إن هي انسحبت من الاتفاق.

وقال بيتر ويتيغ، السفير الألماني في واشنطن "إن هذه بالنسبة لنا أولوية كبرى لأمننا الوطني، وسوف نتمسك باتفاقية إيران ونريدكم ألا تتراجعوا عنها بل أن تلتزموا بها؛ فنحن مثلكم نشارككم بعض الشكاوى التي لديكم من إيران، ويمكن لنا التحدث عنها– بل علينا فعلاً أن نتحدث فيها- لكن ضمن أساس الالتزام بالاتفاق."

خلاف داخل الإدارة الأميركية

الاتفاقية تثير أيضاً خلافاً وسط الإدارة الأميركية نفسها، فقد أهاب كلٌ من وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيم ماتيس بالرئيس ترامب عدم التراجع عن الاتفاق لأسباب أحدها أن ذلك سيفتح لإيران المجال لتبدأ إنتاج اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم فوراً وبكل أريحية، وليس بعد 13 عاماً حسب المنصوص عليه في الاتفاق.

لكن ترامب الذي سبق له تجديد المصادقة على الاتفاق مرتين قد حذر مساعديه من أنه لن يكررها ثانية، وبالتالي تبحث الإدارة الآن عن سبُلٍ لتزعم بها أن إيران خرقت "روح" الاتفاق وإن كانت التزمت بمعايير التفتيش. يذكر هنا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت قد قالت إن إيران محافظة على التزامها وأنه لدى العثور على خروقات صغيرة تم بسرعة تداركها وإصلاحها.

وفي وسع الرئيس الأميركي أيضاً حجب الثقة عن إيران ورفض المصادقة على حسن التزامها بالتذرع بأن الاتفاق ببساطة ليس في مصلحة الأمن القومي الأميركي.

البيت الأبيض قال إن ترامب لم يوقع بعد مذكرة رسمية بقراره حول مسألة الثقة والمصادقة على التزام إيران، إلا أن ترامب كان في وسط سبتمبر/أيلول قد كشف نواياه من دون قصد بإصداره قراراً لم يتوقعه الكثيرون لكنه فائق الأهمية بمراحل، ففي ذلك الوقت وأثناء مهلة أخرى كان الكونغرس منحه إياها للبت بقراره، وافق ترامب على تجديد استثناء من العقوبات الإيرانية.

ولم يقل ترامب شيئاً عن ذاك القرار الذي توصل إليه متردداً بعد سلسلة لقاءات جمعته بمجلس الأمن القومي.

ولكن هل لترامب خطة ماكرة

لو كان ترامب حينها رفض المصادقة على منح إيران الثقة بالتزامها، لكان ذلك بمثابة تنصل الجانب الأميركي من الاتفاق، ولكن بما أن الأمر لا يعدو كونه ببساطة مجرد إشعار من البيت الأبيض إلى الكونغرس، فإنه لا أثر قانونياً له في حد ذاته؛ وهكذا يتسنى لترامب أن يقول أمام مؤيديه أنه خرج من اتفاقية أوباما من دون الإخلال ببنودها فعلياً.

يقول فيليب غوردون المنسق لسياسة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في عهد إدارة أوباما "يبدو الأمر كأنه جزء من استراتيجية دبرتها إدارة ترامب بحيث تحقق مكاسب من الاتفاق حتى وهي تتخلص منه."

ويقول غوردون أن مكمن الخطورة هو في أن "الإدارة قد تأمل في امتناع الكونغرس عن فرض عقوبات جديدة تفضي إلى انهيار الاتفاق النووي، إلا أن أحداً لا يستطيع ضمان هذه النتيجة" مشيراً إلى أن كل عضو جمهوري في الكونغرس كان قد صوت ضد الاتفاق.

أما السؤال الأكبر فهو هل سيؤدي "سحب ترامب لثقته بالتزام إيران" إلى وأد تدريجي للأهداف الأكبر المرجوة من المفاوضات النووية، والتي هي دمج إيران مع الاقتصادات الغربية مع ضمان عدم قدرتها على صنع سلاح نووي لأكثر من عقد من الزمن؟

إن كانت أفعال إدارة ترامب تثير لدى البنوك الأوروبية المخاوف من إقراض المليارات لإيران بغية بناء مصافٍ جديدة للنفط أو بغية التوسع في علاقات اقتصادية أخرى تربطها بالغرب، فإنها قد تثير أيضاً معارضة من داخل إيران نفسها ضد تجديد الالتزام بالاتفاق.

إيران أيضاً تستطيع أن ترفض الاتفاق


من جهتها حذرت إيران من أنها سترفض العودة للتفاوض على الاتفاق أو حتى الحديث عن تمديد أمده أو تغيير شروطه ما لم تكن أميركا هي الأخرى على استعداد للتنازل عن أجزاء من الاتفاق لم تُرضِ إيران.

وفي حين يتبرم ترامب من أن الولايات المتحدة دفعت ثمناً مقدماً أكثر مما ينبغي لهذا الاتفاق الإيراني، يرد الإيرانيون بأنهم هم الذين تنازلوا عن معظم موادهم النووية حتى قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

وختمت النيويورك تايمز تقريرها بكلمات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف التي قالها في مقابلة بنيويورك أواخر سبتمبر/أيلول في إشارة إلى مخزون المواد النووية التي أخرجتها إيران خارج البلاد غداة اللحظات الأولى من سريان الاتفاق، والتي تمثل كمية شحنتها 98% مما تملكه إيران من وقود نووي- إذ طرح على الأميركان تساؤله التالي: "هل أنتم مستعدون لإعادة 10 أطنان من اليورانيوم المخصب إلينا؟"