خاصمتها لعقود وتآمرت عليها ودعمت الجهاديين لقتالها.. السعودية تفتح صفحة جديدة مع روسيا، لكن هذا ما يهدد تقاربهما

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN AND SALMAN
Anadolu Agency via Getty Images

ترحيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بملك السعودية سلمان بن عبد العزيز بحرارةٍ في الكرملين، الخميس 5 أكتوبر/تشرين الأول، قد يؤشر إلى حقبة جديدة من العلاقات بين بلدين كانا على قدر كبير من الخصومة لفترةٍ طويلةٍ وسط مواجهات في بعض الصراعات الأشد في العالم.

زيارة سلمان هي الأولى من نوعها التي يقوم بها عاهلٌ سعودي، وتسعى إلى توطيد العلاقات بين أكبر دولتين مُنتِجتَين للنفط في العالم، واللتين تُنسقان جهودهما لتحقيق استقرارٍ في أسعار النفط الخام، ولتعزيز اقتصادهما، ولوضع حدٍ للحربِ في سوريا.

وتشير تحليلات إلى أن هذه الزيارة توضح جهود الملك سلمان لتحويل اعتماد بلاده التاريخي على الولايات المتحدة، ولتنويع شراكاتها الدولية. لكنها تُقرّ في الوقت ذاته بالنفوذ المتزايد لروسيا في الشرق الأوسط، والقبول الضمني ببقاء حُكم الرئيس بشار الأسد في سوريا، وهو ما عارَضَته السعودية سابقاً.

رمزية زيارة الملك سلمان لموسكو، بعد أشهرٍ قليلة من زيارة الرئيس ترامب الرياض وإغداقه بالثناء على مضيفيه السعوديين، لها دلالاتٌ كبيرة في ما يتعلَّق بتغيير العلاقات في الشرق الأوسط.

وقال فيصل عباس، رئيس تحرير "عرب نيوز"، في تصريحاته لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، والذي كان في موسكو لمتابعة الزيارة: "لا يمكننا تجاهل أن روسيا قد أصبحت لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، بالأخص نظراً لعقيدة أوباما التي تسبَّبَت في تقليص دور الولايات المتحدة في المنطقة".

عملية إعادة توجيه العلاقات الخارجية السعودية هذه تأتي في نفس الوقت الذي تشهد فيه المملكة عمليات إصلاح داخلية تمس طبيعة المجتمع المُحافِظ اجتماعياً.

وكان الملك سلمان ألغى سلطة الاعتقال من قِبَلِ هيئة الأمر بالمعروف. كما أعلَنَ الأسبوع الماضي رفع حظر قيادة السيارات عن النساء، ويُتوقَّع أيضاً أن يُلغى الحظر عن دور السينما قريباً.


إذا هل تفكر الرياض في التخلي عن واشنطن؟


لأكثر من نصف قرن، كانت السعودية تعتبر الولايات المتحدة هي الحليف الرئيسي لها، إذ عملت معها عن قربٍ عبر الإداراتٍ المُتعاقِبة في القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية عبر الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته ظلَّت السعودية معاديةً للاتحاد السوفيتي السابق، وتمثل العداء في تقديم الدعم المباشر للحركات الإسلامية المضادة للشيوعين. في الثمانينيات، شاركت المملكة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وباكستان ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان. وقاد الملك سلمان، الذي كان شاباً آنذاك، لجنةً حملة لجمع الأموال من السعوديين الأثرياء لدعمِ المجاهدين الأفغان الذين قاتلوا السوفييت.

كما دعمت المملكة تمرد الشيشانيين ضد موسكو في جمهورية الشيشان. وحافظت السعودية على علاقاتها مع المناطق الروسية ذات الأغلبية المسلمة، والتي انتهت فيها النزاعات بوحشيةٍ على يد بوتين وحليفه المحلي الزعيم الشيشاني رمضان قديروف.

وفي السنوات الأخيرة، كانت السعودية وروسيا خصمين في سوريا، إذ شاركت المملكة مع الولايات المتحدة ودولٍ أخرى في دعم المعارضة الساعية للإطاحة بالأسد. بينما أرسلت روسيا، قواتٍ عسكرية قلَبَت المعادلة لصالح النظام عام 2015، والآن يبدو مستقبل الأسد آمناً.

وحين تخلَّى السعوديون عن إمكانية تغيير النظام في دمشق، تغيَّر موقفهم تجاه روسيا أيضاً.


هل ستستجيب روسيا لطلب التخلي عن إيران؟


ويقول مُحلِّلون - طبقاً لصحيفة نيويورك تايمز - إن من المُرجَّح أن تسعى السعودية لتتلقى دعماً لجهودها في إنشاء "مناطق حظر جوي" لخفض العنف. ومن الوارد أن تسعى المملكة لتلقي مساعدة الروس في دفع إيران، الخصم الإقليمي اللدود للسعودية، إلى الخلف.

لكن مُحلِّلين يُشكِّكون في أن روسيا ستنحاز إلى السعودية ضد إيران، بالوضع في الاعتبار الشراكة الميدانية مع إيران لمساندة الأسد في سوريا.

وقال غريغوري كوساش، الخبير لدى المجلس الروسي للشؤون الدولية: "بالطبع كان من شأن العمليات الروسية في سوريا أن تضع موسكو في الجبهة الأمامية للسياسات في الشرق الأوسط". وأضاف: "تعتقد المملكة السعودية أن عليها الآن أن تبني مع روسيا لأنها تضطلع بدورٍ هام في منطقتها. غير أن ما تقوم به روسيا هناك يتوافق مع إيران، وهذا ما يُقلِق السعوديين".


النفط أحد الأسباب


ويُعد النفط أيضاً سبباً في التقارب بين موسكو والرياض. فبعد الانخفاض الحاد في أسعاره عام 2014، واجَهَت الرياض وموسكو مخاطر متشابهة تتمثل في عجز الموازنات، والحاجة إلى تنويع الصادرات. وباعتبار أنهما أكبر مُنتِجَتَين للنفط، كانت الدولتان داعمتين لاتفاقية تجميد إنتاج النفط التي أوقفت هبوط الأسعار.

وكتبت مريانا بيلينكايا، مُحلِّلة شؤون الشرق الأوسط، في تعليقٍ نشره مركز كارنيغي في موسكو: "استهلَّت الصفقة صفحةً جديدةً في العلاقات الروسية السعودية". وأضافت: "كلا الطرفين يرى الحوار ممكناً".

وبينما من غير المُحتَمَل أن تؤثِّر الاتفاقات مع روسيا بصورةٍ مباشرة على علاقات المملكة مع واشنطن، قد تمنح روسيا نفوذاً للتدخُّل.

وكتب فراس مقصد، نائب المدير التنفيذي لمعهد الجزيرة العربية في واشنطن: "إن الامتياز الأميركي بالنفط السعودي، والتعاون اللصيق بين البلدين، هما حجر الأساس للعلاقات الأميركية السعودية منذ بدايتها، وهذا ما مثَّل رافعةً لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط". وتابَعَ: "لدى بوتين الآن قدرةٌ أكبر على التأثير في هذه العلاقة، وربما تعطيلها، من أي وقتٍ مضى".

وقال بوتين حين سُئِلَ عن التحالف السعودي الأميركي خلال منتدى اقتصادي عُقِدَ في موسكو هذا الأسبوع: "هل هناك أي شيءٍ دائمٍ في العالم؟ أعتقد أن العالم يتغيَّر طيلة الوقت".

وذَكَرَ مُنتقدون أن الجهود السابقة باتجاه التقارب بين الدولتين قد تعثَّرَت، ويظل من غير الواضح ما إذا كانت مذكرة التفاهم التي وُقِّعَت الخميس سوف تُسفِر عن مشاريع ملموسة.

ووافقت الدولتان على المُضيّ نحو تعاونٍ أوثق في برامج الفضاء، وصفقات السلاح، وغيرها من الأمور، ووقَّعتا اتفاقاً لإنشاء صندوقٍ استثماري مُشتَرَك بقيمة مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت الدولتان خطةً لتصنيع بنادق كلاشنيكوف الروسية الشهيرة في السعودية كجزءٍ من إنشاء الصناعة العسكرية للمملكة.

لكن رغم هذا فمن شأن عقودٍ من التعاون أن تجعل من الصعب على السعوديين الانفصال عن الحليف الأميركي، خصوصاً وأن حجم اقتصاد روسيا وقوتها العسكرية مقارنة بالولايات المتحدة هي أصغر بشكل واضح.

وقال ثيودور كاراسيك، المستشار الكبير في مركز "غولف ستات أناليتيكس" للاستشارات الكائن في واشنطن، إنه بالإضافة إلى ذلك لا يجب أن تتعارَض العلاقات الروسية السعودية المتنامية مع المصالح الأميركية.

وأضاف: "فكرة أن الروس والسعوديين يعملون سوياً لإعادة صياغة المنطقة عبر مجموعةٍ من القضايا، يمكن أن تقع ضمن الاهتمام الأميركي، لكن هناك حاجةً لإدراك ماهية العلاقة الحقيقية بين الفيدرالية الروسية وبلدان الشرق الأوسط".

وأفادت وسائل إعلامية روسية بأنه شارَكَ في وفد العاهل السعودي حوالي 1500 شخص يقيمون في فندق فور سيزونز وفنادق فاخرة أخرى بالقربِ من الكرملين.