واشنطن تتابع زيارة الملك السعودي لموسكو.. إليك خطة المملكة لاستبدال روسيا بأميركا حال فشل الرهان على ترامب

تم النشر: تم التحديث:
KING SALMAN
| Anadolu Agency via Getty Images

وصل العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى العاصمة الروسية موسكو يوم الأربعاء، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2017، في زيارة رسمية أعد لها المسؤولون الروس حفل استقبال كبيراً على شرف العاهل السعودي صاحب الـ81 عاماً.

فالعاصمة الروسية على موعد مع احتفالٍ حاشد سبقته حملة إعلانية كبيرة وواسعة بعنوان "أسبوع الثقافة السعودية" تزامناً مع وصول الملك.

أما عن ضيافة الوفد السعودي، الذي دوماً ما يتصف بالبذخ والترف في الترحال، فقد خُصِّص لها فندق ريتز-كارلتون موسكو بأكمله.


أول زيارة من نوعها

الزيارة حدثٌ ومناسبةٌ كبيرة، حسبما يُفهم؛ فهذه هي الزيارة الرسمية الأولى التي يقوم بها ملكٌ سعوديٌ إلى روسيا في تاريخ كلا البلدين.

وهي زيارة ستتجه إليها أنظار العالم، خصوصاً أعين المراقبين في واشنطن؛ ذلك لأنَّ الولايات المتحدة الأميركية ظلَّت الحليف الأهم والأكبر للمملكة طيلة أكثر من 70 عاماً، فيما لم تقم الرياض علاقاتٍ لها مع موسكو إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحتى في ذلك الحين لم تتسم الأجواء بالدفء الكبير بين البلدين، فرغم أنَّ الرئيس فلاديمير بوتين زار العاصمة السعودية عام 2007، فإنَّ الملك عبد الله آنذاك لم يرُدّ له الزيارة.

وقبل عامين فقط، كانت ستبدو فكرة زيارة ملكٍ سعودي لموسكو بعيدة المنال؛ لأنَّ موسكو والرياض عارض إحداهما الأخرى في كل صراعٍ إقليمي رئيسي عقوداً، من أفغانستان وصولاً إلى دور جماعة الإخوان المسلمين، وفقاً لما جاء في صحيفة الغارديان البريطانية.

لكنَّ الزمن تغير، فقد توفي الملك عبد الله عام 2015، مُخلِّفاً وراءه في سدة الحكم كلاً من الملك سلمان وابنه الشاب القوي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

والآن مع كل التشكُّك والحيرة والتخبُّط الجيوسياسي، ومع كثرة علامات الاستفهام التي باتت تشوب القيادة الأميركية ودورها الريادي العالمي، ومع تدهور أسعار النفط، يبدو أنَّ السعودية وروسيا قرَّرتا إعادة النظر في الفتور الذي يكتنف علاقاتهما والاقتراب بعضهما من بعض أكثر؛ لتمتين الأواصر بشكل أكبر.

ومع تغيُّر التحالفات في أنحاء الشرق الأوسط، تأمل موسكو أن تُظهِر زيارة الملك سلمان التي تستمر 4 أيام أنَّ موسكو بإمكانها تشكيل تحالفاتٍ وثيقة مع اللاعبين الرئيسيين بالشرق الأوسط، بما في ذلك تركيا، وإيران، والآن السعودية، وفقاً لـ"الغارديان".

لماذا يتشككون في أميركا؟

ومال السعوديون، الذين يعتمدون عادةً بشكلٍ كبير على العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة واستهلاك تلك الأخيرة للنفط السعودي، إلى البقاء بعيداً عن انتهاج سياسةٍ خارجية طموحة، مع التركيز بصورةٍ خاصة على معارضة إيران الشيعية.

لكن على مدار السنوات القليلة الماضية، بدأ السعوديون، القلقون على نحوٍ متزايد من موثوقية الولايات المتحدة، في تنويع تحالفاتهم الدبلوماسية، بما في ذلك إقامة اتصالات مع قوى كانوا يرفضون في السابق التعامل معها، مثل الشخصيات الشيعية في العراق، وذلك بحسب صحيفة الغارديان.

وأشارت "الغارديان" إلى أنَّ مركز القوة السُنّي في المنطقة، أي السعودية، قد استضافت في الأشهر الأخيرة مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي النافِذ. وقالت الرياض وبغداد أيضاً إنَّهما سيفتحان منفذ عرعر الحدودي، للمرة الأولى منذ 27 عاماً.

وبحسب "الغارديان"، يأتي الجزء الأكبر من حالة النشاط الجديدة تلك مدفوعاً من نجل الملك المُحدِّث والطموح، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يُعَد المهندس الفعلي للسياسة الخارجية السعودية عالية المخاطر، بما في ذلك التدخُّل العسكري في اليمن، والمقاطعة التجارية لقطر، شريكة السعودية بمجلس التعاون الخليجي.

يقول تيودور كاراسيك، كبير المستشارين في معهد Gulf State Analytics للدراسات التحليلية والاستراتيجية بواشنطن: "تُشكِّل علاقة الطاقة السعودية-الروسية جزءاً من روابط ووشائج أوسع مبنيّة على المصالح المشتركة"، مشيراً إلى أنَّ روسيا ظلَّت طيلة عقد من الزمن تعمل على تأسيس هذه العلاقة تحت أنظار أميركا"، فيما زار الأمير بن سلمان روسيا مرتين مؤخراً.

النفط يوحِّدهما

ولكونهما أكبر دولتين منتجتين للنفط في العالم، فإنَّ معظم التركيز خلال الرحلة سينصبّ على سياسات الطاقة، ومن المتوقع أن تتوصل البلدان لاتفاقٍ بشأن التعاون في إنتاج النفط، وقد تبرمان اتفاقاً لتأسيس صندوق بقيمة مليار دولار للاستثمار في مشاريع الطاقة.

وتتطلع السعودية بالذات إلى الاستثمارات الخارجية في ضوء ما تقوم به لتنويع مصادر اقتصادها، بحسب صحيفة واشنطن بوست الأميركية. وكدلالةٍ على مكانة الجانب الاقتصادي في تلك الزيارة، رافق الملك سلمان نحو 100 رجل أعمال، حسبما ذكرت "الغارديان".

وأشارت "الغارديان" إلى أن 24 دولة منتجة للنفط، من بينها السعودية وروسيا، اتفقت أواخر عام 2016 على تخفيض الإنتاج الكلي بنحو 1.8 مليون برميل يومياً.

وجرى تمديد الاتفاق إلى أول مارس/آذار 2018، وهو الاتفاق الذي يهدف إلى تقليص الفائض النفطي العالمي الذي تسبَّب في تراجع أسعار النفط الخام إلى أقل مستوى لها في 13 عاماً، حيث وصل إلى أقل من 30 دولاراً للبرميل العام الماضي (2016).

واستبق بوتين زيارة الملك سلمان، وقال في موسكو: "ما قمنا به يخدم الاقتصاد العالمي جيداً"، وهي تصريحات تشير إلى رغبة روسيا في تمديد العمل بالاتفاق. وأضاف: "سننظر إلى الوضع في أواخر مارس/آذار 2018. وأعتقد أنَّ ذلك سيكون ممكناً". وأشار ضمناً إلى أنَّ أي تمديدٍ جديد سيجعل الاتفاق ممتداً حتى نهاية عام 2018، وفقاً لـ"الغارديان".


سوريا وإيران

لكن المرجح ألا يكتفي عملاقا النفط بالحديث عن المال والأعمال وحسب، فموسكو باتت قوة سياسية لا يمكن إنكار دورها في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، يقول فهد نزار، وهو مستشار سياسي للسفارة السعودية في واشنطن ولكن لا يتحدث بالنيابة عنها: "لا شك في أنَّ السعودية تقدِّر كثيراً علاقاتها مع روسيا وتراها متعددة الأبعاد بطبيعتها".

ومن المواضيع التي ستستأثر بالاهتمام، في أثناء الزيارة، مسألة الواقع المتغيِّر في سوريا، التي دعمت موسكو حكومتها، في حين دعمت السعودية مع الولايات المتحدة المعارَضة بها.

فحتى العام الماضي (2016)، كانت قضية الدعم الروسي للرئيس بشارالأسد ونفوذ إيران ووكلائها في سوريا قضية ساخنة وسبباً للخلاف بين السعودية وروسيا، لكن هذا الواقع قد تغير.

وكان الخليج قد شهد اتهامات متبادلة على خلفية فشل المعارضة السورية ونجاح روسيا، وحمَّل البعض مسؤولية ذلك للرفض السعودي لتسليح المجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وفقاً لـ"الغارديان".

وأصبح ذلك النجاح الروسي، بحسب "الغارديان"، يعني أنَّ الطاقة الدبلوماسية في سوريا قد تحوَّلت باتجاه التكوين الروسي-التركي-الإيراني المشترك لـ4 مناطق لتخفيض التصعيد في سوريا، وهي العملية التي اضطرت السعودية الآن إلى دعمها بصورةٍ براغماتية.

ومن المقرر أن يعقد السعوديون اجتماعاً آخر للمعارضة السورية في الرياض منتصف الشهر الجاري أكتوبر/تشرين الأول 2017؛ في محاولةٍ لتوحيد المعارضة السورية وإعادة هيكلة مطالبها السياسية.


هل الأسد باقٍ؟

ويقول مارك كاتز، الخبير في الشؤون الروسية بكلية سكار للسياسة والحكم في جامعة جورج ميسون الأميركية، في رسالة إلكترونية كتبها لـ"الواشنطن بوست": "يقرّ السعوديون فعلياً الآن بأنَّ الأسد باقٍ بالسلطة، لكنَّهم الآن يأملون أن يحظوا بمساعدة روسيا في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا (وغيرها).

وسيعرضون الآفاق التجارية والاستثمارية السعودية أمام روسيا على سبيل الإغراء لنيل ما يريدون، لكن ليس واضحاً ما إذا كان بوسع موسكو فعلاً القيام بأي شيء للحد من النفوذ الإيراني في سوريا، فإن رأى السعوديون أنَّ موسكو لا تستطيع فعل شيء أو لن تبذل جهداً حياله، عندها ستتلاشى فرص التجارة والاستثمار السعوديين".

أمَّا ما يعنيه كل هذا بالنسبة للولايات المتحدة، فهو أمرٌ غير واضح. فزيارة سلمان إلى روسيا تأتي في وقتٍ يشتد فيه التوتر بين موسكو وواشنطن.

ومع أنَّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد احتضن المملكة مُتخِذاً منها وجهته الأولى في أول زيارةٍ خارجية له بصفته رئيس الولايات المتحدة الجديد، فإنَّ بعض المحللين لمحوا إلى أنَّ أنظار الرياض لعلها باتت تتطلَّع إلى روسيا؛ نظراً إلى الشكوك والشبهات التي تشوب نوايا واشنطن تجاه الشرق الأوسط.

وفي الموضوع السوري تحديداً، عبَّر الكثير من المعلِّقين السعوديين عن إحباطهم من افتقار ترامب إلى سياسةٍ تجاه سوريا باستثناء ما يتعلَّق بهزيمة تنظيم داعش، وفقاً لـ"الغارديان".

حوار احتياطي

ويقول بروس ريدل، كبير زملاء معهد بروكينغز والمحلل الكبير السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA): "يدرك السعوديون أنَّ روسيا عادت من جديد لتكون لاعباً رئيسياً في المنطقة بفضل انتصاراتها في سوريا".

ويُعَد إجراء حوار مع بوتين أمراً على سبيل الاحتياط في حال خاب رهانهم على ترامب، الذي سبق أن خيَّب آمالهم في موضوع قطر، التي يجمعها خِلافٌ سياسي بعدة دول عربية، منها السعودية.

فهل ستحافظ السعودية على علاقتها الطويلة بأميركا التي دامت سنين ووُلدت من رحم اللقاء الذي عُقد على متن البارجة الأميركية "كوينسي" في قناة السويس وجمع بين الرئيس فرانكلين روزفلت والملك السعودي المؤسس عبد العزيز آل سعود عام 1945؟ أم هل تراها تبيع هذه العلاقة كلها وتستبدلها بعلاقة جديدة مع بوتين روسيا؟ .

الأرجح أنَّ هذا لن يحدث، لكن مع ذلك يبقى أنَّ المملكة قد أظهرت استعدادها لإجراء تغييرات جذرية في بعض جوانب مجتمعها، بدءاً بتقليص هيمنة النفط وصناعاته على الاقتصاد وحتى السماح للنساء السعوديات بقيادة السيارات، تلك القضية التي لطالما كانت قضية ساخنة وساحة معركة حامية في معارك المملكة الثقافية.

لكنَّ التقرب من روسيا قد يكون أسهل من هذين الهدفين كليهما، ويختم فهد نزار بالقول: "بشكلٍ عام، ثمة دعم واسع في السعودية لصالح تقوية وتوسعة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بروسيا".