علاقة غريبة تربط ترامب بذبابة الفاكهة! ونتيجتها تدهور في الصحة الأميركية وتراجع الفائزين بنوبل.. إليك القصة كاملة

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
REUTERS

ما العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وغيره من المحافظين بالحزب الجمهوري وذبابة الفاكهة؟ إنها قصة معقدة لاي فهمها حتى بعض أعضاء الكونغرس الأميركي، ولكن يكون لها تأثير كبير على الصحة والبحث العلمي في أميركا.

ديفيد بيلدر أستاذٌ علم الأحياء الخلوي والجزيئي بجامعة كاليفورنيا الأميركية شرح في مقال مهم نُشر بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية العلاقة التي تربط بين هذه الأشياء التي تبدو غريبة بعضها عن بعض تماماً وتأثير ذلك على مستقبل العلم؟

يقول بيلدر: "في يوم الإثنين، 2 أكتوبر/تشرين الأول 2017، نُشر خبر يقول إنَّ جيفري هال، ومايكل روزباش، ومايكل يونغ فازوا بجائزة نوبل لدراساتهم عن إيقاعات الساعة البيولوجية".

ويضيف قائلاً: "تتمثَّل إحدى سمات هذا الكوكب التي لا يمكن إنكارها في دوراته ليلاً ونهاراً، وتناغُم جميع أنشطة الحياة مع هذه الدورات؛ إذ تحتوي أجسادنا على ساعةٍ داخلية تُحفِّزنا للنشاط في ساعات النهار، وتجعلنا نميل إلى الراحة عندما يحل الليل".

اللافت أنَّ هذه الساعة لا توجد في أدمغتنا فحسب؛ بل تُظهِر كل خلية في أجسادنا -سواءٌ كانت في أحشائنا، أو أكبادنا، أو خلايانا الدهنية- وهي تُحدث إيقاعاً حقيقياً عند فحصها من كثب، حسب المقال الذي نُشر بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وعموماً، لا يقتصر تأثير إيقاعات خلايانا على الاستيقاظ والنوم؛ بل يشمل كذلك ضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، والقدرة على هضم الطعام، ومقاومة العدوى.

وصحيحٌ أنَّ إيقاعات الساعة البيولوجية متزامنة مع ضوء النهار، لكنَّها -وهو أمرٌ غريب- مستقلة عنه في عملها. وهذا هو سبب حدوث اضطرابات الرحلات الجوية الطويلة عند تعرُّض المرء لإشاراتٍ ضوئية تتعارض مع ساعته البيولوجية الخلوية.


ما علاقة ذبابة الفاكهة بالأمر؟


هال، وروزباش، ويونغ كُرِّموا لاكتشافهم المسارات الجزيئية التي تتحكَّم في دورة الساعة البيولوجية.
وبالتحديد، تمكَّنوا من تحديد جزيء (يُسمى "period") مسؤول عن حركة الساعة البيولوجية.

إذ ترتفع مستوياته في أثناء الليل للسماح بالخلود إلى الراحة، وتتراجع في أثناء النهار لتحفيز النشاط. ولا يقتصر وجود جزيء period على الأجساد البشرية؛ إذ ينشط في جميع الحيوانات، فيتحكم في صياح الديك صباحاً، وعرير الصراصير في الليل. يبدو أنَّ التطور قد أوجد وسيلةً ممتازة لتنسيق نشاط الحياة مع ضوء النهار منذ أمدٍ بعيد، وهو ما اكتشفه العلماء الآن.

trump

ولكن، كيف أحرز العلماء هذا التقدُّم الهائل؟ ليس بدراسة البشر، سواء من يستيقظون مبكراً أو من يسهرون لساعاتٍ متأخرة في الليل، ولكن بدراسة ذبابة الفاكهة المتواضعة والمنتشرة في كل مكان؛ إذ تحوَّلت هذه الحشرة الصغيرة إلى مُحرِّكٍ رئيسي لاكتشافاتٍ بيولوجية حديثة.

فهناك 5 جوائز نوبل قد مُنحت حتى الآن لاكتشافات علمية منبثقة من أبحاثٍ خاصة بذبابة الفاكهة.

وكشفت هذه الأبحاث طبيعة الجين الكروموسومية، وطبيعة الإشعاع المُتسبِّبة في إحداث الطفرات، والمخطط الأساسي الجزيئي الذي يُشكِّل جزءاً أساسياً في الأجسام الحيوانية، وأسراراً أساسية لنظام الدفاع المناعي.

وتتسم هذه الذبابة البسيطة بتوفير التكلفة والوقت في الدراسات المعملية، وتتمتع ببنية وراثية وفسيولوجية تُشبه بنيتنا إلى درجةٍ غير معقولة، وفقاً لكاتب المقال.

وكان الشاعر البريطاني ويليام بليك قد سأل في قصيدة "الذبابة" التي يتصوَّر فيها أنَّه يتحدث مع ذبابة: "هل أنا لست إنساناً/ بل مُجرَّد ذبابة بجناحين؟ أم أنَّكِ لست ذبابة/ بل إنساناً يمشي على قدمين؟". لقد صرنا نعرف الإجابة الآن، وهي "نعم" إلى حدٍ كبير.


المرشحة الأميركية التي سخرت من ذبابة الفاكهة


وقد يبدو أنَّ معرفة معلوماتٍ عن صحة الإنسان من ذباب الفاكهة نوعٌ من المبالغة.

وفي الواقع، فإن سارة بالين، حاكمة ولاية ألاسكا السابقة (المرشحة الجمهورية السابقة لمنصب نائب الرئيس الأميركي)، قد سخرت من هذا الأمر في أثناء الحملة الرئاسية عام 2008.

ولكنَّ هذه الدراسات التي تجرى على هذه الحشرة تُمثِّل نوعاً من الأبحاث العلمية التي تُسمَّى "أبحاث أساسية".

وتُعزِّز الأبحاث الأساسية، التي يُطلق عليها كذلك أبحاث "أصلية" أو "بحتة" (كي لا يختلط الأمر وتُفهم على أنَّها بسيطة)، استكشاف العالم انطلاقاً من الفضول، عكس "الأبحاث التطبيقية" التي تُجرى سعياً لإيجاد حلٍ لمشكلةٍ عملية مُلِحَّة.

وتتجاوز أهمية الدعم الحكومي للأبحاث الأساسية مجرَّد فهم الطبيعة بكثير؛ إذ تُسفر الأبحاث الأساسية عن تقدُّمٍ يمكنه تحسين الصناعة والتكنولوجيا. وفي علم الأحياء، يرجع الفضل في وجود الأساليب الثورية الحالية لتعديل الجينوم والعلاج المناعي للسرطان إلى الأبحاث الأساسية.


العلم في خطر بسبب ترامب


ومن المؤسف أنَّ الاستثمار في هذا المجال المهم مُعرَّض للخطر؛ إذ شهد العام الجاري اقتراح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تخفيض الحصة المخصصة من الميزانية لوكالة معاهد الصحة الوطنية الأميركية بنسبة 22%، وتخفيض حصة مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية بنسبة 11%.

وجديرٌ بالذكر أنَّ هاتين المؤسستَين تُموِّلان معظم الأبحاث البيولوجية الأساسية في الولايات المتحدة. وصحيحٌ أنَّ الكونغرس أجَّل تطبيق هذا المُقترح، ولكنَّ بعض نواب الكونغرس يُشككون في قيمة هذا النوع من الأبحاث، مطالبين بالبحث مباشرةً عن علاجٍ للأمراض البشرية بدلاً من تمويل هذه الأبحاث.

ولكنَّ هؤلاء النواب لا يفهمون ما قيل مراراً وتكراراً عن أنَّ الفهم الأساسي لكيفية سير الوظائف الحيوية في الحيوانات، (والنباتات، والفطريات، والميكروبات)، يؤدي إلى اكتشاف أدوية فعَّالة للأمراض وتحسين صحة الإنسان. فالأبحاث البيولوجية الأساسية هي أبحاث طبية في الأساس.

وكانت الاكتشافات العلمية التي احتفل بها العالم يوم الإثنين، قد نشأت قبل 50 عاماً، حين تساءل طالبٌ مُلهَم اسمه رونالد كونوبكا، من مدينة باسادينا في ولاية كاليفورنيا الأميركية، عن سبب ظهور الذباب الوليد في معظم الأحيان عند شروق الشمس، وقد صار كونوبكا، فيما بعد، طبيباً، وتوفي في عام 2015.

إن العلم يحتاج إلى مواصلة دعم هذه الأبحاث القائمة على الفضول وليس فقط المكاسب الآنية؛ حتى يمكن التوصُّل إلى المزيد من الاكتشافات المُذهلة.