قطار المصالحة السريع.. حماس تخرج من عباءة الحكومة وعباس يريد العودة إلى التفاوض عبر دحلان

تم النشر: تم التحديث:
HAMAS
Anadolu Agency via Getty Images

الساعة السادسة وخمس وأربعون دقيقة صباحاً بتوقيت غزة. إنه الوقت الذي كان فيه الوفد الأمني المرسَل من الضفة لإنهاء تجهيزات استقبال حكومة الوفاق الوطني يقيم في فندق "المشتل" شمال قطاع غزة. عندها أطلقت "حماس" صاروخاً تجريبياً جديداً باتجاه البحر. ومثل الجميع، سمع الوفد دوي الانفجار: كانت "حماس" تجرب مادة دافعة جديدة على صواريخها لتصل إلى مدى أبعد.

هذا المشهد يضع تساؤلاً مهماً عن الخطوة القادمة لـ"حماس" إذا ما صدقت المصالحة الفلسطينية واصطدمت بملف سلاح المقاومة كبادرة لدخول النظام السياسي الفلسطيني، بعد إعلان "حماس" لأعضائها صباح الأربعاء 4 أكتوبر/تشرين الأول 2017، خروجها رسمياً من الحكومة.

ولماذا تتلهف قيادة "حماس" على المصالحة لدرجة تهديد من يقف في طريقها، بينما تواجه أكثر من امتحان عسير بعد التقارب مع "فتح"، أبرزها سلاح كتائب القسام، ومصير التفاهمات مع دحلان.

هذا التقرير يحاول أن يكشف أسباب التغيير الكبير في سياسة "حماس" تجاه السلطة، وأسباب السلطة في العودة إلى غزة، والدور المرتقب لمحمد دحلان في القطاع والذي يترقب ما يجري بالكثير من الحماسة، والقليل من الفهم.


هل طلب الرئيس عباس من "حماس" إلقاء السلاح مباشرة؟


يحيى السنوار قائد "حماس" في غزة، الذي توعد بكسر عنق كل من يقف في طريق المصالحة سواء من "حماس" أو من خارجها في لقاء جمعه بشباب وصحفيين من غزة قبل البدء بجولات المصالحة- يبدو عازماً على تكتيك جديد تتخلص به "حماس" من مسؤولية الحكومة والتفرغ للمصالحة.

لكن "حماس" صرحت في بيان لها، بأنها "تتطلع إلى استكمال خطوات المصالحة عبر الحوارات الثنائية التي ستُعقد قريباً في مصر الشقيقة على قاعدة تطبيق اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته، وصولاً إلى شراكة كاملة في المؤسسات القيادية الوطنية والبرنامج السياسي من أجل تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني". إذن، ما ثمن دخولها للبرنامج السياسي الذي دخلته قبل بانتخابات تشريعية شهد العالم بها وأفشلها المجتمع الدولي والسلطة؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قال في لقاء على قناة "cbc" إنه لا يريد "استنساخ تجربة حزب الله بلبنان هنا في غزة... السلاح يجب أن يُعالج على أرض الواقع، فنحن دولة واحدة بسلاح واحد ونظام واحد وقانون واحد... وإذا أرادت (حماس) الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية فيجب أن يلتزموا بقواعدها".

قال عباس حرفياً: "لو شخص من (فتح) في الضفة حامل سلاحاً غير السلاح الشرعي، فأنا أعتقله، وهذا ما سأعمل عليه في غزة، يجب أن يكون هناك سلاح شرعي واحد".


هل تفكر "حماس" في الاستجابة لهذا المطلب؟


رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" إسماعيل هنية، في لقاء على قناة "on" المصرية، أكد أن "سلاح الشرطة والأجهزة الأمنية واحد... سلاح المقاومة طالما هناك احتلال، فمن حق شعبنا الفلسطيني أن يمتلكه وأن يقاوم الاحتلال بكل الأشكال.. مستعدون لوضع استراتيجية المقاومة ونتحاور مع الكل الفلسطيني حول قرار السلم والحرب".

يحيى العبادسة، القيادي في حركة حماس ورئيس حزب الخلاص الوطني الذي كان الجناح السياسي للحركة في منتصف التسعينيات، يرى أن "(حماس) ستشارك في المؤسسات الرسمية كاملة للسلطة، ووثيقة الوفاق الوطني لا تزال المرجعية السياسية للفصائل والأحزاب كافة، ونحن نعرف أن عباس معنيٌّ بخطاب مقبول في المجتمع الدولي وإسرائيل؛ لذلك علينا تعزيز خطوات المصالحة في المرحلة القادمة".

العبادسة، صاحب رأي دخول "حماس" في المنظمة عام 1996، ردَّ على تساؤل "هاف بوست عربي" بشأن قضية السلاح، قائلاً إنه "تم حسم قضية الأمن في اتفاق 2011، وأجمعت الفصائل -ومن ضمها "فتح"- على أن التنسيق الأمني (مع إسرائيل) جريمة وطنية، وسلاح المقاومة مقدس لا يمكن التفريط فيه".


هل الحل الوسط هو انضمام كتائب القسام إلى "جيش فلسطين الوطني"؟


وأشار موقع تيك ديبكا، التابع للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إلى أن مستقبل الجناح المسلح لـ"حماس" هو العقبة الرئيسية أمام المصالحة مع "فتح"، كاشفاً عن اقتراح "حماس" إنشاء جيش وطني فلسطيني سيضم كتائب القسام فيه إلى جانب قوى الأمن الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية.

وقارن "ديبكا" حالة الجيش الفلسطيني الجديد بترتيبات الوضع القائم في العراق، بين الجيش العراقي ووحدات الحشد الشعبي التابعة لإيران.

"ملف سلاح المقاومة هو القنبلة التي ستفجر المصالحة، ولا تقبل الحاضنة الشعبية ولا الفصائل الفلسطينية أن يتم نزع سلاح المقاومة"، في رأي الباحث بمركز التخطيط الفلسطيني والمقاتل السابق في جيش التحرير التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية يوسف حجازي، في إجابة عن سؤال "هاف بوست عربي".


ما هو دور تيار الإصلاح برعاية دحلان في المصالحة؟


"المصالحة ستفتح الباب أمام دحلان لأن يكون جزءاً من المشهد السياسي الفلسطيني الذي يتشكل بضغط مصري". هكذا يرى فايز أبو شمالة، في حواره مع "هاف بوست عربي"، مضيفاً أن "دحلان لعب دوراً مهماً في إزالة الشكوك والأوهام المصرية حول دور (حماس) في التخريب على الأمن المصرى، ولا أعتقد أن دور دحلان انتهى؛ بل سيكون موجوداً كطرف في المصالحة الفلسطينية".

تفاهمات "حماس" مع دحلان التي توقفت أمام إسراع عباس نحو القاهرة، اعتبرها أبو شمالة التمهيد لاتفاقات المصالحة الفلسطينية، "بعد تخوُّف عباس من تشكيل جبهة معارضة عريضة متآلفة، قادرة على نزع صلاحياته من خلال المجلس التشريعي".

وعلى الرغم من أن تيار الإصلاح الديمقراطي التابع لدحلان عبَّر في بيان رسمي عن "تقديره لحركة حماس التي تجاوبت مع مبادرة إنهاء الانقسام التي قامت بها مصر، داعياً القوى والفصائل كافة للعمل بجدية حول موقف وطني حقيقي لتنفيذ استحقاقات المصالحة"- فإن مسؤولين في السلطة الفلسطينية، وبعد أيام من انضمامها إلى منظمة الإنتربول الدولي، قالوا إن "السياسي الفلسطيني المنفي محمد دحلان واثنين من زملائه سيكونون على رأس قائمة طويلة من الهاربين الذين ستطلب السلطة الفلسطينية من الإنتربول متابعتهم".


ما الذي يجنيه عباس من عودة السلطة لإدارة غزة؟


كتبت الناشطة والصحفية الفلسطينية عروبة عثمان، على صفحتها في فيسبوك، أن "كلّ ما أعلمه أن غزّة سقطت من حسابات السلطة منذ زمن، ولا يمكن أن يكون هدف الاستحواذ على السلطة الآن هو لأجل السلطة بالمعنى الحرفي؛ لأن غزّة بكل همومها على الرف، وآخر همّ للسلطة هو أن تتحوّل إلى سلطة إدارية وتقنية فنيّة في غزّة، بعيداً عن نزع السلاح وما تبقّى من كرامتنا هناك والمهدورة في الضفة أساساً".

لكن حجازي يخالف "عروبة" الرأي، ويقول لـ"هاف بوست عربي" إن الهدف الأساسي يخص مفاوضات السلام. "عباس يعلم أن موقفه في المجتمع الدولي وفي عملية المفاوضات ضعيف من دون سيطرته على غزة؛ لذلك يسعى بموقف أكثر قوة من خلال إخضاع غزة لسيطرته عبر حكومة التوافق الوطني".


لماذا تغيرت سياسة "حماس" وأصبحت في حاجة إلى المصالحة؟


أمام هذا الحراك غير المسبوق من الأطراف الخارجية أميركا وروسيا ومصر نحو المصالحة، ومن "حماس" داخلياً، تسعى "حماس" للتخلي عن الحكومة بأي ثمن وأن تبقى في المقاومة.

المحلل المختص في الشأن الإسرائيلي عبد الحميد صبرة، يرى أن "حماس" راغبة في تمكين الحكومة في القطاع، وستُبدي مرونة أكثر في الأيام القادمة. "يبدو أن الحركة باتت مقتنعة بعدم العودة إلى تولي المسؤوليات المدنية وحكم غزة من جديد، لتتحمل حكومة الوفاق الجديدة مسؤولياتها".

"حماس" أعلنت لأعضائها، في تعميم داخلي، الأربعاء، نهاية مسؤوليتها عن إدارة القطاع والسلطة. لكن الحركة كانت قد عجزت عن إدارة الحياة اليومية للناس في غزة، مثل خدمات الكهرباء والمعابر والوقود، وبدا ذلك أكثر وضوحاً في الشهور الأخيرة.

وقال صبرة لـ"هاف بوست عربي"، إن الحركة "لن تقبل أن تتفاوض على سلاح المقاومة، وعدم ردها على موقف عباس من السلاح يأتي لمنع توتير الأجواء، و(حماس) والفصائل الفلسطينية تعول على الجهد المصري لإيجاد صيغة متفق عليها في ملف الأمن".

وعن إمكانية مقاربة نموذج حزب الله في غزة، قال عبد الستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، لـ"هاف بوست عربي": "لا يمكن التقارب مع نموذج حزب الله في غزة، وإسرائيل لن تقبل هذا التكتيك بأن تتولى حكومة الوفاق الوطني مسؤولياتها في إدارة غزة فيما (حماس) تتطور. ذلك الحصار منذ البداية كان حصاراً على البندقية الفلسطينية".

وعن سبب رفع الفيتو عن المصالحة أميركياً وإسرائيلياً، وصف قاسم ما يجري بأنه "محاولة لإحلال تنمية اقتصادية بعيدة عن السلاح، ولكن التنمية على مدار 24 سنة من التمويل فشلت، والفيتو رُفع بعد تحذيرات من انفجار الوضع السياسي والاقتصادي في غزة تنتج عنها حالة فوضى لا تضبط حدود الاحتلال الجنوبية مع القطاع".

يتساءل قاسم أخيراً: "هل تحمل مخاطر انهيار المصالحة في أي وقتٍ عودة الخطر من انفجار وشيك للأوضاع في الضفة وغزة؟".
ويبقى السؤال معلَّقاً.