الموت ينتظر أطفال الأنابيب واتهامات لإسرائيل بنشر العقم بين الرجال.. تعرَّف على مآسي غزة المنسيَّة

تم النشر: تم التحديث:
DD
social

كانت أزمة كهرباء قطاع غزة الخانقة قد دخلت شهرها الثاني هذا الصيف عندما غدا ثائر صلاح مرتجى أباً لأول مرة في حياته.

كان مرتجى قد أنفق آلاف الدولارات للتغلب على مشكلة العقم وقلة الخصوبة، بدءاً بتكاليف الأدوية والعقاقير، مروراً بعملية جراحية فاشلة، ثم أخيراً عملية إخصاب مخبري (أطفال أنابيب) باهظة التكلفة. مع ذلك، لم تقف رحلته المضنية سعياً نحو الأبوة عند ذلك، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

فقد فاجأ المخاض زوجته فاطمة عندما كانت لا تزال في شهرها السابع لسبب يرجع جزئياً إلى رداءة العناية ما قبل الولادة. أراد الطبيب نقل فاطمة إلى مستشفى في نابلس بالضفة الغربية، غير أنه استعصى الحصول على الإذن بالخروج من غزة المحاصَرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية؛ بغية العبور إلى الضفة الغربية الفلسطينية.

اختيار أي الأطفال سيعالَج !

بعد مخاض عضال، أنجبت فاطمة 3 توائم خدج (حيث من الشائع إنجاب التوائم في عمليات أطفال الأنابيب)، بيد أن وحدة العناية المركزة للأطفال الخدج مبكري الولادة في مستشفى "الشفاء"، أكبر مشافي غزة، كانت تعمل فوق طاقتها القصوى وقدرتها الاستيعابية، فاضطرت العائلة إلى الانتظار ساعات حتى شغرت حاضنة.

هنا، قرر الأطباء وضع الصبي مع إحدى البنتين الأخريين معاً في الحاضنة نفسها التي تعمل بطاقة مولدات الكهرباء وسط الانقطاعات المتكررة في التيار.

أما الوليدة الثالثة، فأعطيت كمامة أكسجين على سرير صغير بجانب حاضنة إخوتها.

وقد قال أحد الأطباء لصحيفة الغارديان البريطانية إن اتخاذ تدابير ارتجالية كهذه مع توائم أطفال الأنابيب أمرٌ شائع ومتكرر في وحدة الأطفال الخدج المركزة هذه التي تعمل فوق طاقتها الاستيعابية.

استمالة الرأي العام

رغم أن الأمم المتحدة أعلنت قطاع غزة الساحلي المحاصَر الذي مزقته الحرب منطقة "غير صالحة للحياة"، فإن المدهش توافر عمليات التلقيح المخبري والإخصاب الاصطناعي فيه، والتي يتقبلها الفلسطينيون في غزة، حيث يعد الإنجاب مصدر وجاهة يعزز المكانة الاجتماعية، فضلاً عن كونه مورداً للقوة الوطنية وواجباً دينياً، وهي مشاعر لم يزدها الدمار الشامل والموت المحدق من حولهم سوى قوة.

ووسط هذه الضغوطات الاجتماعية الاقتصادية الدافعة لإنجاب الذرية، أضحت عمليات الإخصاب الاصطناعي أداة سياسية مناسبة لاستمالة الرأي العام وإظهار النوايا الحسنة.

ففي هذا الصيف، تبرعت حكومة حماس التي تدير غزة بالعلاج المجاني للعقم وقدمته لأزواج وعائلات وقع عليها الاختيار، وكذلك حذت حذو "حماس" منظمة غير حكومية تديرها زوجة سياسي فلسطيني هام آخر هو محمد دحلان.

مر أسبوع، وعادت فاطمة إلى بيتها كي تتعافى من آلامها، بينما ظل الأطفال الثلاثة في عناية المستشفى.

أما قلب الأب مرتجى فلم يهدأ لحظة، كيف وقد رأى خلال الأسابيع الماضية وحتى تاريخه موت عدة مواليد في أثناء انتظار صدور إذن كلٍ من إسرائيل والسلطة الفلسطينية بمغادرة القطاع لكل من اضطرهم ضيق موارد غزة إلى الحاجة للعناية الطارئة غير المتوافرة هناك.

حتى إنه ذات يوم من ذاك الأسبوع في شهر يوليو/تموز 2017 وفي وحدة العناية الفائقة نفسها بمستشفى "الشفاء"، تمدد مولود خديج مات لتوه في حاضنة وقد ذبُل جسمه وسكن بلا حراك قبل أن يزيله الأطباء منها لإفساح المجال أمام وليد آخر.

منذ عام 2007، خاضت إسرائيل و"حماس" ثلاث حروب، فيما حرصت إسرائيل ومصر على تشديد حصار غزة بدواعٍ أمنية. الآن يواجه أهالي غزة، البالغ عددهم 2 مليون نسمة، شبح البطالة وزيادة مستوى الكثافة السكانية التي تعد من أعلى المستويات في العالم، عالقين فيما يسمونه سجن الهواء الطلق.

الكهرباء

وكان الوضع المزري قد تفاقم في شهر يونيو/حزيران 2017 عندما قررت السلطة الفلسطينية التي تدير الضفة الغربية أن تتوقف عن دفع تكاليف توليد كهرباء غزة، التي كانت تدفعها لإسرائيل؛ في محاولة من السلطة الفلسطينية أن تمارس ضغطاً على "حماس".

إسرائيل بدورها وفي ذروة الصيف قطعت الكهرباء، فصار الغزيون الذين كانوا يرون الكهرباء 8 ساعات في اليوم لا يرون نورها إلا 3 أو 4 ساعات، أما الغضب العارم من السلطة الفلسطينية ومن إسرائيل ومن "حماس" نفسها فلم يزد إلا غيظاً وغلياناً.

وسط كل هذه المحن والظروف القاسية، تأتي عمليات الإخصاب الاصطناعي مع جملة من التعقيدات، فمعدل الخصوبة في غزة يعد من أعلاها على مستوى المنطقة العربية، حيث يولد لكل أبوين 4.5 طفل مقارنة بمعدل 3.6 في الضفة الغربية وفق إحصاءات تقرير صدر عام 2017 عن صندوق الأمم المتحدة للسكان.

وقال الدكتور بكر قاعود من مستشفى الحلو للعقم بغزة إن أكثر من 1000 زوج يلجأون في كل عام إلى تلقي الإخصاب الاصطناعي بغزة عبر العيادات الخاصة بتكلفة تصل من 2000 إلى 2500 دولار لكل جلسة، ويقول إن ثمة آلافاً آخرين يرغبون في تلقي العلاج، لكن لا قدرة لهم على دفع تكاليفه.

انتشار العقم بين الرجال

الدكتور محمد جودة الذي يدير مركز هلا بغزة، يقول إنه من مشاهداته وخبرته في المجال عبر السنين فقد رأى انخفاضاً في معدلات خصوبة الرجال عزاها إلى ضغط الحرب النفسي والعوامل البيئية كاستخدام المبيدات والمواد السامة الأخرى.

لكن، لا توجد دراسات رسمية حول معدلات العقم في غزة، ولا أبحاث على آثار المبيدات الحشرية التي يستخدمها الإسرائيليون والفلسطينيون، رغم كثرة الأقاويل والإشاعات في غزة القائلة بأن رش الإسرائيليين للمبيدات الحشرية على الأغذية الواردة إلى غزة يسهم في زيادة عقم الرجال.

معارضة دينية

بعض الأوساط الدينية تعارض عمليات الإخصاب الاصطناعية، إلا أن "حماس" دعمت هذا العلاج وتبرعت بنفقاته لأزواج وقع عليهم الاختيار في أثناء شهر رمضان.

وتعاني غزة الانقسام والاستقطاب السياسي، لدرجة أن الناس يتحيزون لعيادات معينة دون غيرها، حسب قول قاعود الذي شرح أن بعض العيادات من المعروف أنها ممولة من طرف "حماس".

ولم يحظ مرتجى بأي دعم من أطراف ووساطات سياسية لتحمل نفقات علاج الإخصاب الاصطناعي؛ بل دفع من جيبه الخاص نحو 10 آلاف دولار على مدى 5 سنوات منذ زواجه، أنفقها في زيارات المشافي والعمليات والتلقيح الاصطناعي، حتى اضطروا إلى بيع شبكة فاطمة من المصوغات الذهبية والغرق في الديون مع العائلة والأصدقاء.

لكن آخرين كانوا أوفر حظاً، فزياد خضر، البالغ من العمر 35 عاماً، كان من بين 600 زوج وزوجة فازوا بعلاج مجاني على نفقة الجمعية الخيرية التي تديرها زوجة دحلان.

ظل خضر وزوجته يعانيان العقم طيلة 9 سنوات، ثم رأيا إعلاناً لتمويل عمليات أطفال الأنابيب من مجموعة جليلة دحلان، وها هي زوجة خضر الآن في شهرها الثالث حاملاً بتوأم.

ينتمي خضر إلى عائلة تناصر حركة فتح، ويقول إنه ممتنٌّ للدعم الذي قدمته "دحلان" من "فتح" أيضاً. لكنه لا يحب أن يدين بالعرفان والامتنان لأحد، ويفضل أن يعول عائلته بنفسه حسب قوله، إلا أنه ما من وظائف أو عمل.

يقول خضر عن القمع السياسي والاقتصادي الراهن: "إنه حصار فكري"، أما الآن فلا ترى عيناه سوى الابتهاج والترقب الذي تعيشه زوجته الحامل بتوأم.